إعلان الحرب على العدو
كما هو معروف في فن الحرب أن الهجوم أقوى وسائل الدفاع. وقريش مصممة على خوض المعركة مع الرسول - ﷺ - فلتكن المبادرة منه. ومن أجل هذا كانت السنة الأولى كلها سنة هجوم على قوافل قريش. فلقد جهز رسول الله - ﷺ - ثماني سرايا وكانت كلها لاعتراض عير قريش ما عدا واحدة كانت ردا على هجوم قام به كرز بن جابر الفهري. واستمرت هذه السرايا من رمضان - السنة الأولى للهجرة إلى رمضان في السنة الثانية من الهجرة. وكان قادة هذه السرايا جميعها من المهاجرين، وكان لهذا معنى خاص في هذه الحرب. فأصل العهد مع الأنصار هو حماية رسول الله - ﷺ - وصحبه في المدينة. وهذه السرايا تعرض للقوافل خارج المدينة. هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، فلا بد من تدريب شباب الدعوة على الحرب، بعد أن أمروا بكف أيديهم خلال ثلاثة عشر عاما من العهد المكي.
ومن جهة ثالثة، فلا بد أن تعرف قريش أن هؤلاء المهاجرين الفارين من اضطهادها في مكة ليسوا موطن ضعف وهوان، بل هم قوة مرهوبة ذات شوكة عليها أن تحسب ألف حساب لها قبل أن تفكر في مواجهتهم.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
ومن جهة رابعة، فعلى قريش أن تذوق وبال أمرها لموقفها المشين من الدعوة، وأن تتجرع مرارة هذا الموقف، فتعلم أن مصالحها وتجارتها صارت مهب الريح بعد أن سيطر المسلمون على شريان حياتها من خلال قوافلها إلى الشام، حيث أصبحت رحلة الصيف عندها وخيمة العواقب.
والحركة الإسلامية اليوم التي تمضي جادة في طريقها لإقامة دولة الإسلام، لا بد لها في حربها ضد الطاغوت الكافر من أن تقض مضجعه، وتزعزع نظامه، وتزلزل الأرض من تحته، وتسعى جاهدة لاجتثاث جذوره. فيكون ككلمة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، ولن يتأتى هذا لها ما لم تكن لها أرض آمنة تنطلق منها، وتبث سراياها إليه فتوجعه في موطن القوة عنده.
وهي مضطرة أحيانا للتفاهم مع بعض الأنظمة للهدنة معها والاستفادة منهما كمركز انطلاق للمواجهة، وشباب الدعوة المجاهدون في هذه المرحلة هم الصفوة المختارة للمواجهة، وهم الوقود الأول للمعركة.
وإن الحركة الإسلامية لتفخر بقوافل الشهداء، التي مضت قافلة إثر قافلة وسرية عقب سرية تضرب في قلب العدو، وتفخر بعظمة البطولات والتضحيات التي تحتسبها عند الله ﷿، وحين تذكر هذا الواقع، إنما تذكره إيذانا بإرغام أنف العدو وتبكيته، ودعوة إلى الشباب أن ينضووا تحت اللواء لمتابعة المسيرة المباركة في الحرب العوان مع العدو.