التجمع الوثني في المدينة
( فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله - ﷺ - ..).
لاحظنا أن الميثاق لم يعط التجمع الوثني بصفته كتلة في المجتمع حق الوجود، إنما سمح بوجوده بصفته أفرادا لا يجبرون على دخول الإسلام. وكان على رأس هذا التجمع عبد الله بن أبي الذي أقسم الأيمان المغلظة لقريش في موسم الحج أن قومه لم يعاهدوا محمدا ولم يعاقدوه، ولا يمكن أن يتم هذا دون علمه وأمره، فعندما بلغه أن الخبر صحيح امتلأ قلبه حقدا على رسول الله - ﷺ -، ومما زاد الحقد في قلبه اشتعالا هو أن الخزرج والأوس بعد أن هدأت بينهم الثارات اجتمعوا على أن يعقدوا الملك لعبد الله بن أبي وكانوا ينسجون له الخرز ليتوجوه. فأحس عبد الله بن أبي أن عدوه الأول والأكبر هو محمد رسول الله. وتذكر كتب السيرة موقفا له في هذه المرحلة قبل دخوله الإسلام يوم مر عليه رسول الله - ﷺ - مع ركب من قومه فنزل عن حماره وسلم عليه، (ثم جلس فتلا القرآن، ودعا إلى الله، وذكر بالله .. حتى إذا فرغ رسول الله - ﷺ - من مقالته قال: يا هذا إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقا، فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغشه به، ولا تأته في مجلسه بما يكره، فقال عبد الله بن رواحة في رجال كانوا عنده من المسلمين: بلى فاغشنا وائتنا في مجالسنا ودورنا، فهو والله مما نحب، ومما أكرمنا
[ ٢ / ٢١٩ ]
الله به وهدانا له، فقال عبد الله بن أبي حين رأى من خلاف قومه ما قد رأى:
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل تذل ويصرعك الذي لا يصارع
وهل ينهض البازي بغير جناحه وإن جذ يوما ريشه فهو واقع (١)
وفي رواية أنه قال له (٢): أبعد عنا نتن حمارك.
فشخصية عبد الله بن أبي إذن هي المؤهلة للمواجهة والحرب في المدينة. أما اليهود فقد كانوا أذكى من ابن أبي وهم يرون الكثرة من أهل يثرب مع رسول الله - ﷺ -. وكان من تخطيطهم أن يتم إنهاء محمد رسول الله على يد هذا التجمع الوثني دون أن يفقدوا مالا أو نفسا.
ووجد ابن أبي الفرصة سانحة ليهيج العواطف ضد رسول الله - ﷺ - وصحبه من جماعته المتواطئين معه على وثنيته. ولا يتم له ذلك إلا بتجسيم الخطر المحيق بهم من جراء تهديدات قريش، وأكد لهم أن القضية قضية فناء أو بقاء، ولا قرار ولا استقرار لهم إلا بطرد المسلمين وقتالهم. ومن أجل ذلك أعادوا تنظيمهم، وشكلوا القوة المكافئة ومضوا لقتال رسول الله - ﷺ - والمسلمين.
وهذه هي العناصر الثلاثة التي حدت بهذا التجمع لحرب المسلمين:
١ - الحقد والضغينة على فوات المنصب والمركز لقيادة يثرب.
٢ - خلاف العقيدة والإصرار على الوثنية.
٣ - الدفع الخارجي والتهديد بالخطر من قريش، والتآمر الداخلي من اليهود.
وهذه العناصر موجودة في كل وقت، ويحتمل أن تواجه بها الحركة الإسلامية وتعد لهذا الموقف عدته.
وفي مثل هذه الظروف تكون الريح مع أعداء المسلمين، تماما كما يفعل اليوم الطواغيت حين يهددون الشعب الآمن بذبحه إن آوى المجاهدين، بل
_________________
(١) مختصر السيرة النبوية لابن محمد بن عبد الوهاب ص ١٧٠ عن ابن إسحاق عن الزهري.
(٢) لرسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
يحرص على أن يبث عملاءه في الصفوف ليؤكدوا أن الحرب والدماء والخوف قد نشأ من وجود المجاهدين وعملياتهم ضد السلطة الباغية، وحرص عوام الناس على أمنهم ومصالحهم القريبة يدفعهم إلى الاستجابة لمثل هذه الدعايات، وأن يقفوا في صف السلطة الباغية ضد إخوتهم المجاهدين، وبهذا المنطق استطاع عبد الله بن أبي أن يجمع هؤلاء الناس ويحرضهم على حرب رسول الله - ﷺ - وأصحابه.