البحث عن مكان آمن للدعوة وقاعدة جديدة للانطلاق
وهو هدف آخر من وراء الهجرة إلى الحبشة غير هدف الحماية لجنود الدعوة وأفرادها، وهذا ما أشار إليه صاحب الظلال - سيد قطب - ﵀ بقوله: (ومن ثم كان بحث الرسول - ﷺ - عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية، ويتاح لها أن تخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة، وبحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة .. وهذا في تقديري هو السبب الأهم للهجرة.
ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب، لتكون قاعدة للدعوة الجديدة، عدة اتجاهات .. سبقها الاتجاه إلى الحبشة. حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل، والقول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قوية، فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين، غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا، إنما هاجر رجال ذوو عصبيات، لهم من عصبياتهم - في بيئة قبلية .. ما يعصمهم من الأذى، ويحميهم من الفتنة، وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين، منهم جعفر بن أبي طالب - وأبوه وفتيان بني هاشم معه هم الذين كانوا يحمون النبي - ﷺ -، ومنهم الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة المخزومي، وعثمان بن عفان الأموي وغيرهم، وهاجرت نساء كذلك من
[ ١ / ٦٦ ]
أشرف بيوتات مكة ما كان الأذى لينالهن أبدا، وربما كان وراء هذه الهجرة أسباب أخرى كإثارة هزة في أوساط البيوت الكبيرة في قريش. وأبناؤها الكرام المكرمون يهاجرون بعقيدتهم، فرارا من الجاهلية، تاركين وراءهم كل وشائج القربي، في بيئة قبلية تهزها هذه الهجرة على هذا النحو هزا عنيفا، وبخاصة حين يكون من بين المهاجرين مثل أم حبيبة بنت أبي سفيان، زعيم الجاهلية، وأكبر المتصدين لحرب العقيدة الجديدة وصاحبها، ولكن مثل هذه الأسباب لا ينفي احتمال أن تكون الهجرة إلى الحبشة أحد الاتجاهات المتكررة في البحث عن قاعدة حرة، أو آمنة على الأقل للدعوة الجديدة. وبخاصة حين نضيف إلى هذا الاستنتاج ما ورد عن إسلام نجاشي الحبشة. ذلك الإسلام الذي لم يمنعه من إشهاره نهائيا إلا ثورة البطارقة عليه - كما ورد في روايات صحيحة - (١».
هذه اللفتة العظيمة من سيد - ﵀ - لها من السيرة ما يعضدها ويساندها، وأهم ما يؤكدها في رأيي هو الوضع العام الذي انتهى إليه أمر مهاجرة الحبشة.
فلم نعلم أن رسول الله - ﷺ - قد بعث في طلب مهاجرة الحبشة حتى مضت هجرة يثرب وبدر وأحد والخندق والحديبية. والمعروف أن عمرو بن أمية الضميري - مبعوث رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي - التقى مع عمرو بن العاص عند النجاشي بعد صلح الحديبية، وكان لكل واحد منهما مهمة عند النجاشي، أما عمرو بن العاص فلقد اختار اللجوء السياسي عند النجاشي بعد صلح الحديبية حيث رأى أن مكة ستفتح بين يدي محمد لا محالة بعد الصلح، ولا جدوى من المقاومة.
وأما عمرو بن أمية الضميري فلقد كانت مهمته طلب عودة المهاجرين من الحبشة إلى يثرب من النجاشي حيث قد انتهت مهمتهم بعد الصلح.
_________________
(١) في ظلال القرآن. ط. دار الشروق ص ٢٩.
[ ١ / ٦٧ ]
لقد بقيت يثرب معرضة لاجتياح كاسح من قريش خمس سنوات.
وكان آخر هذا الهجوم والاجتياح في الخندق حيث قدم عشرة آلاف مقاتل لاستئصال شأفة المسلمين هناك، وبعد رد الكافرين يغيظهم قال رسول الله - ﷺ -: (الآن نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم (١».
فلقد انتهى الخطر في اجتياح المدينة بعد الخندق - كما في النص النبوي الآنف الذكر - وجاء صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة ليؤكد هذا المعنى، ويؤكد الاعتراف الرسمي من قريش بدولة المدينة. وحين اطمأن رسول الله - ﷺ - إلى أن المدينة قد أصبحت قاعدة أمينة للمسلمين، وانتهى خطر اجتياحها من المشركين. عندئذ بعث في طلب المهاجرين من الحبشة، ولم يعد ثمة ضرورة لهذه القاعدة الاحتياطية التي كان من الممكن أن يلجأ إليها رسول الله - ﷺ - لو سقطت يثرب في يد العدو.
إنه الفقه السياسي الأعظم، والتخطيط النبوي الأعمق من الرسول - ﷺ - وهو يمضي في بناء دولة الإسلام. ويدرس كافة الاحتمالات المتوقعة، ويبحث في كل مكان عن الأرض المناسبة لقيام دولة الإسلام أو لحماية العقيدة فيها.
وفعلا وصل المهاجرون من الحبشة إلى المدينة فوجدوا رسول الله - ﷺ - في خيبر فمضوا إليه هناك والتحقوا به ووصلوا بعد فتح خيبر فقال رسول الله - ﷺ -: (ما أدري بأيهما أنا اسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر (٢».