الدعوة عامة
وذلك في أول إعلان لهذا الدين في الأرض أعلنت فيه عالمية الدعوة:
(إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة).
فليست رسالة محلية مرتبطة بمكان معين أو زمان محدد. إنما هي رسالة البشرية كافة ومن أجل هذا كانت اللبنات الأولى للدعوة تمثل هذه العالمية الشاملة، فصهيب سابق الروم وبلال سابق الأحباش وهذان كانا من أوائل من دخل في هذا الدين الذي لا يفرق بين عربي وأعجمي، ولا فضل فيه لأبيض على أسود إلا بالتقوى أو بعمل صالح.
وكان لهاتين القضيتين أكبر الخطر على المجتمع المكي الجاهلي:
القضية الأولى: قضية الوحدانية - لا إله إلا الله - وهي تعني نقض عقيدة المجتمع الجاهلي كله.
القضية الثانية: قضية المساواة في الأصل البشري وهي تعني نقض أكبر
[ ١ / ٤٦ ]
قيم هذا المجتمع.
وكل واحدة كانت كفيلة لأن تشعل حربا لا يهدأ أوراها بين المجتمعين.
ولو كانت القضية ذات منطلق سياسي. لكان آخر ما يجب طرحه هو هاتان القضيتان تجنب المواجهة مع قريش. وفي الساحة عناصر كثيرة مشتركة يمكن أن تجمع بين محمد - ﷺ - وقريش من محولات التحرير، والتخلص من الطغيان الفارسي والرومي، وتقديس البيت، وبناء التجارة، وإصلاح ذات البين العربي، ووحدة هذا الصف تحت قيادة واحدة. إن أكبر ما صدم به - الملأ - من قريش وغيرها، حسب التعبير القرآني، هو هاتان القصيتان:
أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن يعتقدوا بأن مواليهم وعبيدهم من الممكن أن يكونوا خيرا منهم. وحتى نعرف مدى تغلغل هذه العقيدة في نفوسهم، ومدى تأصل العصبية الجاهلية في قلوبهم نقفز عشرين عاما إلى الأمام إلى فتح مكة. ونشهد بلالا الحبشي - ﵁ - يصعد على ظهر الكعبة، ويعلن كلمة التوحيد فيها. فماذا يكون الموقف، وقد تحطمت كل المقاومة المكية.
تقول جويرية بنت أبي جهل - ولعلها قد دخلت في الإسلام - منذ ساعات:
قد لعمري رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلي، والله لا نحب من قتل الأحبة أبدا. ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمدا من النبوة فردها وكره خلاف قومه.
وقال خالد بن أسيد:
الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يسمع هذا اليوم؟
وقال الحارث بن هشام:
واثكلاه! ليتني مت قبل هذا اليوم! قبل أن أسمع بلالا ينهق فوف الكعبة. وقال الحكم بن أبي العاص:
[ ١ / ٤٧ ]
هذا والله الحدث العظيم، أن يصبح عبد بني جمح على بنية أبي طلحة! وقال سهيل بن عمرو - وكان أعدل الجميع:
إن كان هذا سخطا لله فسيغيره وإن كان لله رضى فسيقره ..
فأتى جبريل ﵇ رسول الله - ﷺ - فأخبره خبرهم (١). وبذلك يفقه الدعاة درسا خطيرا من هذه السمة. هو أن الوحدانية والرسالة هما محور أي دعوة مع العدو. ولا يمكن أن يكون أي لقاء فكري دونهما. كما يفقهون أن عالمية الدعوة فوق المساومات.