النصر الإلهي في قلب المحن
بعدما رأينا الجهد البشري في البذل رجالا ونساء، والجهد البشري في البناء والتخطيط، ووجدنا أنه المدى الأقصى الذي يملكه البشر في عالمهم. يصبح من المناسب جدا أن نتحدث عن سمة النصر الإلهي في قلب المحن، والعون الرباني في خضم المعارك، فالله تعالى لا يفعل بعذاب عباده شيئا، والله تعالى وعد بنصر جنده وعباده الصالحين.
﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا .. (٢)﴾. ﴿ولقد
_________________
(١) المقاطع الثلاثة من إمتاع الأسماع ١/ ٢١٩ - ٢٢٠ و٢٢٩ - ٢٣٠ و٢٣٥ - ٢٣٦.
(٢) سور النور، من الآية ٥٥.
[ ٢ / ٤١٦ ]
سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون (١)﴾. ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ (٢). ولنلحظ تحقيق هذه الإرادة الربانية في نصر هذا الدين من خلال النماذج التالية:
أ - في بدر:
الجيش الإسلامي الخارج للقاء العير تفرض عليه المعركة فرضا بإرادة ربانية أن تكون له ذات الشوكة. وحين أبدى استعداده للموت في سبيل الله، جاءه المدد الرباني أرسالا.
١ - الملائكة: (وأما رسول الله - ﷺ - فكان منذ رجوعه بعد تعديله الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول: اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، حتى إذا حمي الوطيس، واستدارت رحى الحرب بشدة، واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها قال: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا. وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه فرده عليه الصديق، وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك أود أن الله منجز ما وعدك).
وأغفى رسول الله - ﷺ - إغفاءة واحدة، ثم رفع رأسه فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع (أي الغبار) وفي رواية ابن إسحاق: قال رسول الله - ﷺ -: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بزمام فرسه يقود على ثناياه النقع .. (٣».
﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين .. (٤)﴾.
_________________
(١) سورة الصافات، الآيات ١٧١ - ١٧٢ - ١٧٣.
(٢) سور القصص، الآيتان ٥ و٦.
(٣) الرحيق المختوم ٢٤١.
(٤) الأنفال، الآية ٩.
[ ٢ / ٤١٧ ]
المطر والنعاس: وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان، وبعث الله السماء فأصاب المسلمين ما لبد الأرض ولم يمنع من السير، وأصاب قريشا من ذلك ما لم يقدروا على أن يرتحلوا منه، وإنما بينهم قوز من رمل، وكان مجيء المطر نعمة وقوة للمؤمنين، وبلاء ونقمة على المشركين. وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس ألقي عليهم فناموا حتى أن أحدهم تكون ذقنه بين ثدييه وما يشعر حتى يقع على جنبه، واحتلم رفاعة بن رافع بن مالك حتى اغتسل آخر الليل. وبعث رسول الله - ﷺ - عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود ﵄ فأطافا بالقوم، ثم رجعا فأخبراه أن القوم مذعورون، وأن السماح تسح عليهم (١». ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (٢)﴾.
الملائكة تقاتل وتثبت: (.. وزادهم نشاطا وحدة أن رأوا رسول الله - ﷺ - يثب في الدرع ويقول في حزم وصراحة (سيهزم الجمع ويولون الدبر) فقاتل المسلمون أشد القتال، ونصرتهم الملائكة، ففي رواية ابن سعد عن عكرمة قال: كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربها، وقال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. قال أبو داود المازني: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري، وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب، أسيرا فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق وما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: اسكت فقد أيدك الله بملك كريم (٣)﴾.
_________________
(١) إمتاع الأسماع ١/ ٧٨.
(٢) سورة الأنفال، الآية ١١.
(٣) الرحيق المختوم للمباركفوري ٢٤٣.
[ ٢ / ٤١٨ ]
(فبينما هو جالس (أي أبو لهب) إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطب قد قدم فقال أبو لهب: هلم إلي فعندك لعمري الخبر، قال: فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكنافنا يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا. وايم الله مع ذلك ما لمت القوم، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء (١» ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (٢)﴾.
القلة والكثرة: ﴿إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (٣)﴾.
سيف عكاشة: وانقطع يومئذ سيف عكاشة بن محصن. فأعطاه النبي جذلا. من حطب: فقال: دونك هذا فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلا، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل أيام أبي بكر، قتله طليحة الأسدي شهيدا (٤».
من المعجزات في أحد
النعاس: وأثناء هذا القتال المرير، كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من الله كما تحدث عنه القرآن. قال أبو طلحة: (كنت فيمن تغشاه النعاس
_________________
(١) المصدر نفسه ٢٥١.
(٢) سورة الأنفال الآية ١٢.
(٣) الأنفال / ٤٣ و٤٤.
(٤) مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ١٨٧.
[ ٢ / ٤١٩ ]
يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه (١».
روى الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحث جحفته من النعاس.
﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم .. (٢)﴾.
عين قتادة: وأصيبت عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته فجاء رسول الله - ﷺ - فأخذها وردها فعادت كما كانت ولم تضرب عليه بعدها وكان يقول بعدما أسن: هي أقوى عيني! وكانت أحسنهما (٣».
حنظلة غسيل الملائكة: وخرج حنظلة بن أبي عامر إلى رسول الله - ﷺ - وهو يسوي الصفوف بأحد، فلما انكشف المشركون ضرب فرس أبي سفيان بن حرب فوقع على الأرض وصاح وحنظلة يريد ذبحه. فأدركه الأسود بن شعوب فحمل على حنظلة بالرمح فأنفذه - ومشى حنظلة إليه في الرمح وقد أثبته ثم ضربه الثانية فقتله؟ ونجا أبو سفيان فقال رسول الله - ﷺ -: إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة. قال أبو أسيد الساعدي: فذهبنا إليه، فإذا رأسه يقطر ماء. فلما أخبر النبي - ﷺ - بذلك أرسل إلى امرأته فسألها فأخبرته أنه خرج وهو جنب (٤».
حماية رسول الله - ﷺ -: في الصحيحين عن سعد قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض، كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد، وفي رواية يعني جبريل وميكائيل (٥).
_________________
(١) الرحيق المختوم ٣٠٧ عن صحيح البخاري ٢/ ٥٨٢.
(٢) آل عمران من الآية ١٥٤.
(٣) إمتاع الأسماع ١/ ١٣٣.
(٤) إمتاع الأسماع ١/ ٩٥٠.
(٥) الرحيق المختوم ٣٠١ عن صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وقال نافع بن جبير سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله - ﷺ - وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، ورسول الله - ﷺ - إلى جنبه، ما معه أحد، ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، فخرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك (١).
سهم سعد: وفي مغازي الأموي أن المشركين صعدوا على الجبل، فقال رسول الله - ﷺ - لسعد: أجنبهم - يقول: أرددهم - فقال: كيف أجنبهم وحدي؟. فقال ذلك ثلاثا، فأخذ سعد سهما من كنانته، فرمى به رجلا فقتله، قال: ثم أخذت سهمي أعرفه فرميت به آخر، فقتلته، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك، فجعلته في كنانتي، فكان عند سعد حتى مات، ثم كان عند بنيه (٢).
من المعجزات في الخندق
في حفر الخندق: (إنا يوم خندق نحفر فعرضت علينا كدية شديدة فجاؤوا إلى النبي - ﷺ - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر - ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذواقا - فأخذ النبي - ﷺ - المعول فضرب، فعاد كثيبا أهيل أو أهيم (أي صار رملا لا يتماسك (٣».
وقال البراء: لما كنا يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول. فاشتكينا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فجاء وأخذ المعول فقال:
_________________
(١) المصدر نفسه عن زاد المعاد، ٢/ ٩٧.
(٢) المصدر نفسه عن زاد المعاد ٢/ ٩٥. ولقد رأيت بأم عيني قوس سعد وسهمه ضمن حاجز زجاجي في بيت خرب في المدينة المنورة عام ١٤٩٣. ولعل الدار هدمت بعد ذلك وهي قريبة من المسجد النبوي.
(٣) المصدر نفسه عن البخاري ٢/ ٥٨٨.
[ ٢ / ٤٢١ ]
بسم الله ثم ضرب ضربة وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام. والله إني لأنظر إلى قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة، فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء مكاني (١).
جوع رسول الله - ﷺ - والمسلمين: كان المسلمون يعملون بهذا النشاط وهم يقاسون من شدة الجوع ما يفتت الأكباد. قال أنس: كان أهل الخندق يؤتوون بملء كفي من شعير. فيصنع لهم بإهالة سخنة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي لشعة في الحلق ولها ريح) (٢).
وقال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله - ﷺ - عن حجرين (٣).
إطعام الله تعالى المسلمين ببركة رسول الله - ﷺ -: وبهذه المناسبة وقع في حفر الخندق آيات من أعلام النبوة، رأى جابر بن عبد الله رسول الله - ﷺ - يحفر، ورآه خميصا فأتى امرأته فأخبرها ما رأى من خمص رسول الله - ﷺ - فقالت: والله ما عندنا شيء إلا هذه الشاة ومد من شعير، قال: فاطحني واصلحي. فطبخوا بعضها، وشووا بعضها، وخبزوا الشعير، ثم أتى جابر رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله قد صنعت لك طعاما فأت أنت ومن أحببت من أصحابك. فشبك - ﷺ - أصابعه بين أصابع جابر. ثم قال: أجيبوا جابرا يدعوكم. فاقبلوا معه، فقال جابر في نفسه: والله إنها الفضيحة! وأتى المرأة فأخبرها فقالت: أنت دعوتهم أم هو؟ فقال: بل هو دعاهم! قالت: دعهم، فهو أعلم، وأقبل رسول الله - ﷺ - وأمر أصحابه، وكانوا فرقا عشرة عشرة. ثم قال لجابر: اغرفوا وغطوا البرمة، وأخرجوا من التنور الخبز ثم غطوه ففعلوا، وجعلوا يغرفون ويغطون البرمة ثم يفتحونها فما يرونها نقصت
_________________
(١) المصدر نفسه عن سنن النسائي ٢/ ٥٦ وأحمد في مسنده.
(٢) الرحيق المختوم ٣٤١ عن صحيح البخاري ٢/ ٥٨٨.
(٣) المصدر نفسه عن البخاري ٢/ ٥٨٨.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
شيئا؟ ويخرجون الخبز من التنور ويغطونه فما يرونه ينقص شيئا. فأكلوا حتى شبعوا وأكل جابر وأهله (١).
(وجاءت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر إلى الخندق ليتغدى أبوه وخاله، فمرت برسول الله - ﷺ - فطلب منها التمر وبدده فوق ثوب، ثم دعا أهل الخندق فجعلوا يأكلون منه. وجعل التمر يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه يسقط من أطراف الثوب (٢).
إسلام تميم بن مسعود وخطته الناجحة (٣) -: ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي الغطفاني أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي. فمرني بما شئت، فقال رسول الله - ﷺ -: إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم؟ قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن أرادوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم دخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأبديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.
ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، إنه قد بلغني أمر قد رأيت
_________________
(١) إمتاع الأسماع ١/ ٢٢٤ وقد أوردها البخاري في صحيحه ٢/ ٥٨٨، ٥٨٩.
(٢) السيرة لابن هشام ٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٣) اعتبرنا إسلام نعيم من المعجزات الإلهية. لأن أي تخطيط بشري لا يضع في حسبانه انضمام قائد من أعدائه إليه، وتحطيم جيشه وجيش حلفائه. وذلك في قلب المعركة.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
علي حقا أن أبلغكموه، نصحا لكم فاكتموا عني، فقالوا: نفعل؟ قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه، إنا قد ندمنا على ما فعلنا؟ فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم، فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من رقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا.
ثم خرج حتى حتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، فما أمرك؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله - ﷺ - أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه؟ فأرسلوا إليهم أن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين
[ ٢ / ٤٢٤ ]
الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم وخذل الله بينهم (١).
الريح التي بعثها الله على الأحزاب والجنود التي لم يرها المؤمنون: وبعث الله عليهم الريح في ليالي شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح أبنيتهم. فلما انتهى إلى رسول الله - ﷺ - ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم، لينظر ما فعل القوم ليلا.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال:
قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله وصحبتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد؟ قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال: فقال حذيفة: يا ابن أخى، والله لقد رأيتنا مع رسول الله - ﷺ - بالخندق، وصلى رسول - ﷺ - هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول الله - ﷺ - الرجعة - أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من القوم، من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله - ﷺ -، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني؟ فقال: يا حذيفة، إذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا. قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان.
_________________
(١) السيرة لابن هشام ٢٤٠ - ٢٤٢.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع (١) والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل؟ ثم قام إلى حمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله - ﷺ - وأن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله - ﷺ - وهو قائم يصلي في مرط (٢) لبعض نسائه، مراجل. فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش. فانشمروا راجعين إلى بلادهم. ولما أصبح رسول الله - ﷺ - انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة، والمسلمون ووضعنا السلاح (٣).