معرفة قريش بخبر الدعوة
لم تكن قريش لتبني على هذه المعرفة شيئا أو تعيرها اهتاما. فقد كانت ظاهرة الحنفية منتشرة في المجتمع المكي. فزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وأمية بن أبي الصلت. ولا تهتم مكة بمثل هذه الأحداث وهؤلاء الناس، طالما أنهم لا يتعرضون لعقائدها وأصنامها. فقد كان رسول الله - ﷺ - يتحنث الليالي ذوات العدد قبل البعثة، ويجاور في غار حراء، ومع ذلك لا تجد قريش غضاضة في ذلك. وحسبت إن الإسلام مثل هؤلاء الحنفاء الذين
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٢٦٠ - ٢٦١ وقد رواه ابن إسحاق مقطوعا ووصله الحارث بن أسامة بسنده إلى الزهري عن أسامة بن زيد عن ابنه.
(٢) وقد روى الإمام أحمد بسند حسن في مسنده ١/ ٩٩ ميمين، والحديث رقم ٧٧٦ ط الشيخ شاكر، هذا المعنى وخروج أبي طالب عليه ببطن نخله، وقال فيه، لقد صليت قبل أن يصلي الناس سبعا.
[ ١ / ٢٨ ]
اعتزلوا عبادة الأصنام. بل يمكن القول: إن قريشا كانت تهتم بالحنفيين أكثر مما اهتمت بالمسلمين في المرحلة السرية. وذلك لأن الحنفاء كانوا يعلنون شكهم بأصنام قريش وأوثان العرب بينما لم يعلن المسلمون موقفهم تجاهها.
وتذكر بعض الروايات أن أحد التجار كان في زيارة للعباس في بيته فرأى رجلا وامرأة وطفلا يتقدمون فيصلون بصورة تخالف ما كانت تعهده قريش من الصلاة. فسأل التاجر العباسي عنهم فقال له: هذا ابن أخي - ويشير إلى علي، وهذا ابن أخي - ويشير إلى رسول الله - وهذه زوجته. وإن هذا يزعم أن الله - ﷺ - كلمه من السماء، ووالله ما أعلم على ظهر الأرض أحد على هذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة (١).
كما تشير الرواية السابقة التي ذكرناها عن خروج علي ﵁ مع رسول الله - ﷺ - إلى الشعاب للصلاة، أن أبا طالب طلع عليهما ذات يوم فرآهما يصليان. فقال لرسول الله - ﷺ -: يا ابن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟
قال: أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم. بعثتي الله به رسولا للعباد. وأنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه - أو كما قال. فقال أبو طالب:
أي ابن أخي لا أستطيع أن أفارق دين أبائي وما كانوا عليه. ولكن لا يخلص إليك شيء تكرهه ما بقيت.
وذكروا أنه قال لعلي: أي بني ما هذا الذي أنت عليه؟
فزعموا أنه قال له: آمنت برسول الله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله، واتبعته.
فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه (٢).
_________________
(١) رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والطبراني بأسانيد، ورجال أحمد ثقات وراجع الحديث ١٦.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ص ٢٦٤.
[ ١ / ٢٩ ]
لم يكن إذا لملاحظة قريش بعض هذه الظواهر الغريبة، ما يثير غضبها طالما أن القوم مكتفون بأنفسهم. منكفئون على ذواتهم، فكل امرىء حر أن يعبد الله كما يشاء. طالما أن الدين عقيدة في القلب، وعبادة في المعبد. ولا يتدخل في شؤون الحياة.
ومن هنا نفهم سر المهادنة التي نراها أحيانا بين الحكومات الطاغية وبعض المثدينين من المسلمين، الذين يكتفون من الإسلام بالعقيدة في الضمير والعبادة في المسجد. إذ هؤلاء لا يدخلون الإسلام في شؤون الحياة، وبالتالي فلا تهابهم الطغاة.