الإذن بالقتال
(وكان رسول الله - ﷺ - لم يؤذن له بالحرب، ولم تحلل له الدماء إنما يؤمر بالدعاء إلى الله، والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم. فهم بين مفتون في دينه، وبين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارا منهم، منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفي كل وجه، فلما عتت قريش على الله ﷿ وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه - ﷺ -، وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه، واعتصم بدينه، أذن
[ ١ / ١٥٩ ]
الله ﷿ لرسوله - ﷺ - في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم. فكانت أول آية أنزلت في إذنه له بالحرب، وإحلاله له الدماء والقتال، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء قول الله ﵎: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ألا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾. أي إني إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس وإنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر يعني النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ أجمعين (١».
ولا يحتاج هذا الكلام إلى شرح، فلقد كانت بيعة العقبة الثانية فيصلا بين مرحلتين: بين مرحلة المواجهة بالكلمة، ومرحلة المواجهة بالسلاح، والمقارنة بين البيعتين توضح لنا الانتقال النوعي للحركة الإسلامية. ويعني الحركة الإسلامية من هذه السمة أن تلحظ الظروف التي تم الإذن فيها بالقتال لترسم على ضوئها ومن خلال ظروفها مرحلة المواجهة المسلحة مع العدو. إن قرار بدء الحرب الذي كان في مكة بأمر رباني هو اليوم تنفيذ لهذا الأمر حين تغدو الظروف شبيهة بتلك الظروف التي أذن فيها بالقتال، ومهمة قيادة الحركة أن تحسن تقدير هذه الظروف. والملاحظة التي لا بد من إيضاحها في هذا الصدد كذلك هي أن الإذن بالقتال شيء، ومباشرة القتال وطريقته شيء آخر.
وهنا لا بد لنا من معالجة فكرة دقيقة هي مثار اختلاف في وجهات النظر. هذه الفكرة هي كيف نوفق بين فرضية الجهاد والحكم النهائي فيه بعد آيات سورة براءة، وبين موضوع الإذن في القتال اليوم؟. فإذا كانت الأحكام النهائية للقتال في الإسلام هي أنه ماض إلى يوم القيامة - وهذا حق - فهل
_________________
(١) تهذيب السيرة. ص ١٠٨ - ١٠٩.
[ ١ / ١٦٠ ]
يبقى مجال لذكر الإذن بالقتال اليوم، والإذن بالقتال حكم مرحلي انتهى في وقته - والله تعالى قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (١)﴾ أنا لا أجد حرجا في التوفيق بين الحكمين لأن مؤداهما واحد في النهاية.
فلقد ذكر الفقهاء إن الجهاد قد يكون فرض عين، ولا يأثم تاركه، وذلك حين لا يوجد الإمام الذي يباشر القتال معه. فإذن حين لا يوجد الإمام والجماعة المسلمة التي ينضوي المسلم تحت لوائها ليقاتل الكفار لا يأثم إن لم يقاتل مع أن القتال فرض عين عليه. وهذا المعنى نفسه هو الذي يقتضيه المفهوم الثاني، فإلى أن تقرم الجماعة المسلمة - والإمام المسلم الذي يقودها، وتكون قادرة على الوجود والاستعلان والمواجهة يعتبر القتال في هذه المرحلة بشكل فردي غير مأذون به ما لم يكن دفاعا عن النفس أو المال أو العرض. وإذن فالذي يحدد ابتداء القتال في الحالتين هو الجماعة المسلمة، وقيادتها التي تجد الظروف مناسبة لذلك.
إن كل أحكام الإسلام الثابتة المستقرة النهائية، والمرتبط تنفيذها بوجود الحاكم والإمام المسلم مثل الحدود والقصاص لا يعني عدم وجودها في غياب الإمام المسلم نسخها، فهي قائمة نظريا، والمسلمون آثمون لو تركوها. لكنها من الناحية العملية مرهونة بقيام الحكم الإسلامي الذي ينبثق من جماعة مسلمة، حملت لواء الجهاد وانتصرت على أعدائها، وأقامت حكم الإسلام. فأحكام الجهاد والقصاص والحدود مرتبطة بوجود الحاكم المسلم وإمكاناته قوة وضعفا وكما تقول الآية: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر (٢)﴾ فلا بد من التمكين أولا لتنفيذ فرضية الصلاة والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الناس. لا التنفيذ بشكل فردي. فهذا لا عجز فيه، إنما العجز هو تطبيق هذه الأحكام فرضا وحظرا على الناس. وكلما تمكن المسلمون أكثر كلما كانوا
_________________
(١) المائدة الآية ٣.
(٢) الحج ٤١.
[ ١ / ١٦١ ]
قادرين على التنفيذ لأحكام الإسلام أكثر. وما أحوجنا إلى أن نفقه هذه الأمور ضمن هذه الأطر. لا أن نطلق الأحكام المبتسرة على الناس ونتهمهم في دينهم وعقيدتهم.