تباشير النصر في قلب المحنة
لقد كان شخص رسول الله - ﷺ - يمثل أعظم قوة بشرية في التاريخ. فما عرف رجل يستطيع أن يؤثر في صفوف جيشه وجنده مثل شخص رسول الله، لقد كان دائما في المحنة رجلها الأول، وبكلمات قلائل ينفح في جيشه روح الاستبسال والجهاد، ويتحدث عن النصر حين يفقد الناس أملهم بالنصر، ويضرع إلى الله تعالى يجأر بالدعاء حين يثق الناس بقدرتهم على النصر. ولنشهده ﵊ في هذه الموافف العصبية. ها هو في بدر يستمع لقول سعد بن معاذ ﵁: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت، واعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك (١).
إن القول العظيم لسعد ليؤكد الولاء التام من الأنصار لرسول الله - ﷺ - واستعدادهم للتضحية والموت مع رسول الله. لكنه يؤكد من طرف آخر أن الأمل بالنصر غير قائم. فخوض البحر يعني الاستشهاد أكثر مما يعني النصر، وأمام هذه الروح العالية كان جواب رسول الله - ﷺ -: سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم (٢).
ويقول المقريزي: (ثم أراهم مصارعهم يومئذ. هذا مصرع فلان،
_________________
(١) و(٢) الرحيق المختوم للمباركفوري ص ٢٣٢.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وهذا مصرع فلان. فما عدا كل رجل مصرعه. فعلم القوم أنهم يلاقون القتال وأن العير تفلت (١).
ويحدثنا المقريزي عن موقفه يوم أحد، وفي أحرج اللحظات وأشدها هولا. (وخرج محمد بن مسلمة يطلب مع النساء ماء وكان رسول الله - ﷺ - قد عطش عطشا شديدا، فذهب محمد إلى قناة حتى استقى من حسى (٢)، فأتى بماء عذب فشرب رسول الله - ﷺ -، ودعا له بخير. وجعل الدم لا ينقطع (من وجه رسول الله - ﷺ -) وجعل النبي - ﷺ - يقول: (لن ينالوا منا مثلها حتى تستلموا الركن (٣».
فالجيش المحطم، والوجه الجريح، والعدو الطاغي، والشهداء السبعون، ومع ذلك يؤكد لجيشه العظيم أن المسلمين لن تنالهم مثل هذه المحنة حتى يستلموا الركن، وهذا يعني أن النصر قادم لا محالة له بإذن الله، والنصر لهذه العصبة بالذات التي تدخل مكة وتستلم ركن الكعبة المشرفة.
وهذا موقفه ﵊ يوم المحنة الكبرى، يوم الخندق. فقد روى البخاري عن جابر ﵁ قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤوا النبي - ﷺ - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر - ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذوقا - فأخذ النبي - ﷺ - المعول، فضرب فعاد كئيبا أهيل أو أهيم) (٤)، أي صار رملا لا يتماسك وقال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة. ثم ضرب الثانية فقطع آخر. فقال: الله أكبر أعطيت فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن. ثم
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٧٥.
(٢) رمل متراكم أسفله صخر صلد ينبع منه ماء عذب.
(٣) المصدر نفسه ١/ ١٣٨.
(٤) البخاري ٢/ ٥٨٨ - ٥٨٩.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر. فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني (١). لقد بشر ﵊ بذلك، والمسلمون يكادون يهلكون جوعا فلم يذوقوا منذ ثلاثة أيام ذواقا، والعدو مصبحهم وممسيهم، وتتناسب البشائر مع مراحل المعركة.
فالبشارة الأولى في أول لقاء مع العدو، منصبة على مصرع كبار قادته، وانتصار في معركة على وشك أن تقع.
والبشارة الثانية بعد خسارة ضخمة في معركة مع هذا العدو، تؤكد أن النصر سيكون على هذا العدو في نهاية المطاف، مهما امتدت المعارك، فستعود الكعبة للمسلمين وينتهي الوجود الوثني في جزيرة العرب.
والبشارة الثالثة قريب هجوم يود استئصال شأفة المسلمين وإبادة خضرائهم. بأن النصر سيتجاوز حدود معركة قائمة. وسيتجاوز حدود أرض العرب، وعدو محدد بل سيشمل الأرض كلها حيث يقبع العدو في الشام وفارس واليمن. في الشمال والشرق والجنوب. وستدين الأرض كلها لله.