تفتيت التجمع بالنزعة الوطنية والعشائرية
( فلما بلغ ذلك النبي - ﷺ - لقيهم فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم. فلما سمعوا ذلك من النبي تفرقوا (١». وكم نحن بحاجة إلى الوقوف أمام هذا المعنى، وهو المعنى الذي يمكن أن نسميه فقه سياسة النبوة. لقد كان لهذا الموقف صورة مشابهة نقلها لنا البخاري ﵀ حول الصورة السابقة من لقاء رسول الله - ﷺ - مع عبد الله بن أبي.
وفي الرواية ( وأردف أسامة بن زيد وراءه وفيه وذلك قبل وقعة بدر وقبل أن يسلم عبد الله، وفيه: فلما غشيت القوم عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغيروا علينا، وفيه: فاستب المسلمون والمشركرن واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي - ﷺ - يخففهم حتى سكنوا. وفيه: قال سعد بن عبادة: اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت فعفا عنه رسول الله - ﷺ - (٢).
_________________
(١) أبو داود، خبر بني النضير.
(٢) مختصر السيرة. ص ١٧٠.
[ ٢ / ٢٢١ ]
لقد كانت المواجهة الأولى بين المسلمين والمشركين في المدينة في الحادثة المذكورة، ولو أن رسول الله - ﷺ - ترك الأمر لعواطف المسلمين، وهم ما ثاروا إلا غضبا لله ورسوله، لوقعت الحرب الضروس، وتزعزع إيمان بعض المؤمنين، وانضموا إلى معسكر عبد الله بن أبي، وأعيدت حرب بعاث من جديد.
وضاعت فيها معالم الحق وسط نتن العصبية وتزلزلت دولة الإسلام في مراحلها الأولى.
فلقد استل رسول الله - ﷺ - غضب المسلمين، ولو كان غضبهم لله ورسوله، وكان يهدىء العواطف الثائرة، دون أن ينحاز لأحد الطرفين، واستجاب المسلمون لأمر قائدهم واستبعدت المعركة.
أما الصورة الجديدة التي بين يدينا فهي في ظاهرها غير ممكنة التلافي. إذ قد عمد الوثنيون إلى سلاحهم لمواجهة المسلمين، وتبدو صعوبتها أكثر حين نتصور أن الأيدي الخفية التي تحركها من الخارج. واستطاعت الدعاية الخارجية أن تجعل الأمر في أذهان المشركين أمر مصير محتوم لا خيار فيه. فإما قتل محمد وأصحابه وطردهم، وإما احتلال المدينة واستباحتها من أهل مكة.
ونقف هنيهة لنرى كيف استل رسول الله - ﷺ - فتيل الانفجار من المشركين. وكيف أنه اعتمد - ﵊ - التركيز على الوتر الذي ركزت عليه قريش. فأعاد السحر على الساحر، واستعمل الأسلوب نفسه الذي استعملته قريش. لأن هذا هو المنطق الذي يمكن أن يفهم الوثنيون فيه، طالما أن الإسلام لا يجمع الفريقين.
إن الذي يتبادر لذهن الشباب المسلم في هذه العجالة هو الجهاد في سبيل الله، والابتداء مباشرة بحرب هؤلاء فهم العدو الداخلي، قبل الابتداء بقريش، وحتى لا يكون لدينا هوادة في دين الله، وحتى لا نخاف في الله لومة لائم. فلا بد من حرب هؤلاء الوثنيين، وكسر شوكتهم والقضاء على هذا الجيب الداخلي، إلى آخر هذا النغم الذي يعتبر التخلي عن المعركة جبنا وهوادة في دين الله ومداهنة على حساب العقيدة.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
كم نتمنى أن يتروى الشباب المسلم هذا الموقف، ويتعلموا من سيد الخلق رسول الله - ﷺ - فن التعامل مع العدو، وتحديد المعركة، وطبيعة مصلحة الجماعة في المعركة. وأن يتركوا لقيادتهم حرية الحركة في هذه الأمور، وهي التي تضطلع بعبء المواجهة، وتعرف من تصالح، ومن تحارب، ومن تهادن، ومن تحالف، ومتى تقاتل، ومتى تسالم لأنها هي مناط الحركة والمسؤولية.
لقد استعمل رسول الله - ﷺ - الأسلوب الوطني، الأسلوب العشائري في فضحه هذا التجمع، وإنهاء المعركة دون قتال، وتفتيت التجمع دون دماء بكلمات بسيطة معبرة، عميقة، خالدة على مدى الزمن، وممن؟. من رسول البشرية، ومن نبي الإسلام: قال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ
ولقد حرك بهذه الفقرة جانبا نفسيا عندهم يأبونه، وهو الخوف من قريش، ومهما كان العربي فحين تستفز كوامن قوته، وكوامن بطولته يأبى أن يعير بالجبن، أو الخوف، أو الخور.
( ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون إن تكيدوا به أنفسكم ). وبعد الضرب على الوتر الحساس الأول، وتر البطولة والشجاعة. عاد رسول الله - ﷺ - ليحرك وترا نفسيا آخر. هو الترهيب من تآمر العدو الخارجي على أهل المدينة أصحاب المصير المشترك الواحد. فليس هذا الموقف جبنا فقط، ولكنه غفلة وسذاجة وجهالة، ولا يرضى العربي مهما كان أن يتهم بهذا الاتهام، أن يتهم بأنه لا يدرك كيد عدوه، ولا يعرف مخططاته، ولا يفقه ألاعيبه. فلقد هيج هذا المعنى في أنفسهم شعورا جديدا من النفرة لاستجابة دعوة قريش البعيدة المعادية. ولو أن رسول الله - ﷺ - راح يدعوهم لإلقاء السلاح باسم الإسلام لأحس الوثنيون اليثربيون أنهم أقرب إلى قريش من رسول الله - ﷺ - ولتهيج في نفسهم شعور الاعتزاز بالوثنية ضد هذا الدين الجديد، ولهم مع قريش قاسم مشترك، إذ عندها البيت الحرام ومقام إبراهيم والحج لبيت الله. فلا غرو أن يتساقطوا جميعا صرعى ضد محمد ودينه ومع قريش.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
إن عظمة القيادة النبوية وهي تركز على هذه المعاني لتقذف بالكيد في صدر أصحابه وتجعل الإحباط سمة لهذا الكيد. ( تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم ..). ياشباب الدعوة هذا قول رسول الله - ﷺ -، وليس قول متهم في دينه يريد أن يبرر مسالمته لعدو كافر.
إن رسول الله - ﷺ - يخاطب هؤلاء الوثنيين بالأسلوب الذي يفهمونه ويركز على أخوة النسب، وهو الذي جاء إلى البشرية جميعها بأخوة العقيدة، ويركز على رابطة الماء والطين، وهو الذي جاء رحمة للعاملين، ويركز على شعور القوم والأهل والوطن بين من؟! بين المسلمين والمشركين. لماذا؟ ليحبط كيدا أكبر من عدو أعظم، ليضيق هوة المعركة، ليخذل بين الأعداء جميعهم، فيجعلهم حلفاءه ضد عدو مشترك واحد.
لقد ذكر رسول الله - ﷺ - الوثنيين الذين حملوا السلاح ضد المسلمين أن المسلمين أبناؤهم وإخوانهم. ولا ضير في ذلك إن كان فيه تأجيل لمعركة ضارية داخلية بينما تقتضي المصلحة في وقت متقدم التركيز على البراءة من عاطفة الأخوة والقرابة والأبوة وذلك في معركة بدر.
وباء تخطيط قريش بالخذلان والخسران، وحيث توقعوا أن ينتهي رسول الله - ﷺ - على يدي المشركين في المدينة. إذ بهم يلقون السلاح جميعا، وينقلبون نادمين على حمله في وجه إخوانهم وأبنائهم.
ونود لشباب الدعوة الإسلامية أن يدركوا هذا المعنى النبوي ويفقهوه. حين يرون قيادة الدعوة في مرحلة من المراحل تبحث عن قاسم مشترك بينها وبين بعض أعدائها لتجعلهم يقفون في صفها ضد عدو أخطر وأكبر. وحين يرون قيادتهم تقبل الحديث عن عاطفة الوطن وعاطفة الأمة، أو يتحدثون عن الضعفاء من الفئات المظلومة. بحيث يمثل القاسم المشترك نقاط لقاء مرحلي مع هذا العدو ضد عدو آخر.
[ ٢ / ٢٢٤ ]