تحييد بعض الشخصيات والبطون نتيجة المفاوضات
بين يدينا المحادثات الخاصة التي تمت بين عتبة بن ربيعة زعيم بني أمية وبين رسول الله - ﷺ -. والتي قدم فيها نفس العروض السابقة، ولنستمع إلى رد رسول الله - ﷺ - عليها: (.. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - ﷺ - يستمع منه. قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟. قال: نعم. قال: - فاسمع مني. قال:
أفعل. فقال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (٢) ﴾ ثم مضى رسول الله فيها يقرأها عليها، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى
_________________
(١) سورة الأنفال الآية ٣٩.
(٢) سورة فصلت الآية ١ - ٤.
[ ١ / ١٠٧ ]
رسول الله - ﷺ - إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بأنه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكون لقوله الذي سمعت نبأ عظيم. فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك والله - ﷺاأبا الوليد بلسانه.
قال: هذا رأي فاصنعوا ما بدا لكم (١».
لا ندري إن كان هذا الحادث قبل المفاوصات السابقة أو بعده، ولكن الذي يعنينا من الأمر أدب الحوار. وكيف أن رسول الله - ﷺ - جلس يستمع لهذه العروض الهزيلة - بله السخيفة - من عتبة بن ربيعة ولم يقاطعه في حديثه، ولم يشمئز من كلامه بل أكثر من ذلك يفسح له المجال للمتابعة كي يفرغ كل ما في جعبته، ثم يسأله أو قد فرغت؟ ويخاطبه بقوله (يا أبا الوليد).
لقد كان رسول الله - ﷺ - يحترم خصمه، ويتكلم معه بأدب بالغ، وتقدير جم ويكنيه بكنيته. وبذلك يعلمنا أدب الحوار. وأهم نقطة فيه أن يتسع صدرنا لاستماع وجهة نظر الخصم، مهما كانت وجهة النظر هذه مرفوضة أو مقبولة عندنا، سامية أو منحطة لأننا بذلك نضمن أن يستمع خصمنا لنا، ويتسع صدره لوجهة نظرنا. وما لم نملك هذه الخاصية الهامة، فلن نربح الحوار مع عدونا.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ١ ص ٣١٤.
[ ١ / ١٠٨ ]
ثم كانت الخطوة الثانية في المفاوضات تلاوة صدر سورة (فضلت) وهي التي تتناول وضع هؤلاء المشركين وموقفهم من الإسلام، ثم تعرض عقيدة الإسلام - والتوحيد أهم عنصر من عناصرها، ثم الحديث عن قدرة الله تعالى الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام. ثم الإنذار بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. حيث انتهى الأمر بعتبة أن ناشد رسول الله - ﷺ - بالله والرحم أن يكف فكف.
صحيح أن عتبة بن ربيعة لم يسلم لكنه هزم نفسيا أمام نصاعة الدعوة وبلاغة القرآن. ومن أجل هذا جاء يعلن أمام قومه .. سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر ولا بالكهانة .. هذا ما عبر به عن إعجابه وذهوله. ثم الدعوة إلى موقف إيجابي من الدعوة:
(أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم، فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم.
وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به):
إنها دعوة قريش كلها لإيقاف الحرب ضد محمد - ﷺ -. مع المبررات الكاملة لذلك وترفض قريش الموقف وتتهم عتبة بأن محمدا سحره. وأمام هذا العداء المستحكم والموقف العنيف معه، أعلن موقفه الصريح: هذا رأي فاصنعوا ما بدا لكم. وانسحب عتبة بن ربيعة من المعركة ضد محمد - ﷺ -. وانسحب وراءه أكبر تجمع قبلي بعد بني مخزوم هو بنو أمية. واستطاع رسول الله - ﷺ - أن يحيد عتبة وبني أمية ويخفف من تكالب الأعداء على دعوة الإسلام.
إن مهمة القيادة الإسلامية وهي تخوض الحرب ضد أعداء الإسلام أن تخذل عنها ما استطاعت، أن تمزق العنف الكافر، أن تفتت وحدة صف العدو. فتحيد من تستطيع تحييده، وتضم إلى صفها من تستطيع ضمه، وأن تثير الشكوك والخلافات بين الكافرين. ولا يعتبر هذا وهنا في الدين، ولا مهادنة في دين الله، ولا تساهلا على حساب العقيدة. بل هو عمق سياسي، ونضج دعوي. ما أحرى القواعد أن تفقهه من رسول الله - ﷺ -. وتنضبط
[ ١ / ١٠٩ ]
بتوجيه القيادة حين تسكت عن عدو أو تضطر أحيانا للئناء على بعضهم، فهي أدرى بملابسات الحرب السياسية التي تخوضها، وهي أدرى بطبيعة التعامل مع العدو من تهادن ومن تحارب. وهي صاحبة الحق في هذا الأمر، وعلى القواعد الالتزام بخطها السياسي.