نجاح الخطة، ووصول القائد الأعلى إلى مركز القيادة
(.. فلما كان اليوم الخامس - يوم الجمعة - ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار - أخواله - فجاؤوا متقلدين سيوفهم فسار نحو المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مائة رجل. وبعد الجمعة دخل النبي - ﷺ - المدينة، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته، هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكان يقول لهم، خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلا ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله فأدخله بيته فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: المرء مع رحله (١». وها هو رسول الله - ﷺ - بين أصحابه من المهاجرين والأنصار يحفون بهم، ويفدونه بآبائهم وأمهاتهم، ويضعون دماءهم وأموالهم تحت تصرفه وجواري الأنصار يغنين ويضربن بالدفوف:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
_________________
(١) مقتطفات من الرحيق المختوم ص ١٩٢ - ١٩٣.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
وقامت دولة الإسلام الأولى في الأرض تحف بها ملائكة السماء بعد جهاد ضار مضني استمر ثلاثة عشر عاما كاملة. وكانت الخطوة الأولى في هذه المرحلة هي بناء المسجد الذي سيكون مركز انطلاقة لهذه الدولة ودار الحكم فيها ومقر قيادة الجيش، ومحضن التربية الأول ودار القضاء العالي.
وإذا استعدنا الخطوط العامة لهذه المرحلة الثالثة للعهد المكي والتي ابتدأت من رحلة الطائف الشاقة مع قول رسول الله - ﷺ -: يا أرحم الراحمين إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري. أنت رب المستضعفين وأنت ربي ..
هذه المرحلة التي ابتدأت ولا نصير ولا معين يغادر الطائف مدمى القدمين من الحجارة من سفهاء القوم، وتتوج هذه المرحلة بين أسود الأنصار وأبطال المهاجرين يقضون جميعا دون أن تناله شوكة تؤذيه في رجله ويعلنون:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
لأدركنا خطورة هذه المرحلة، وأدركنا معالمها، وأدركنا سماتها، وعبقرية النبوة في إقامة هذه الدولة دون أن تراق قطرة دم.
[ ١ / ٢٠٣ ]