قال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ «١» .
أى أزواجهﷺ- أمهات المؤمنين، سواء من مات عنها أو ماتت عنه وهى تحته. وذلك فى تحريم نكاحهن، ووجوب احترامهن، لا فى نظر وخلوة.
ولا يقال بناتهن أخوات المؤمنين، ولا آباؤهن وأمهاتهن أجداد وجدات، ولا إخوانهن ولا أخواتهن أخوال وخالات. قال البغوى: كن أمهات المؤمنين دون النساء، روى ذلك عن عائشةرضي الله عنها- ولفظها- كما فى البيضاوى-:
«لسنا أمهات النساء» وهو جار على الصحيح عند أصحابنا وغيرهم من أهل الأصول: أن النساء لا يدخلن فى خطاب الرجال. قال: وكانﷺ- أبا للرجال والنساء. ويجوز أن يقال أبو المؤمنين فى الحرمة. وفضلت زوجاته ﷺ- على النساء، وثوابهن وعقابهن مضاعفان، ولا يحل سؤالهن إلا من وراء حجاب. وأفضلهن خديجة وعائشةرضي الله عنهما-، وفى أفضلهما خلاف يأتى تحقيقه- إن شاء الله تعالى- قريبا.
واختلف فى عدة أزواجهﷺ- وترتيبهن، وعدة من مات منهن قبله، ومن مات عنهن ومن دخل بها ومن لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها، ومن عرضت نفسها عليه.
والمتفق عليه: أنهن إحدى عشرة امرأة، ست من قريش:
خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤى.
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٦.
[ ١ / ٤٩٠ ]
وعائشة بنت أبى بكر بن أبى قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى.
وحفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى.
وأم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى.
وأم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى.
وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤى.
وأربع عربيات:
زينب بنت جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم ابن دودان بن أسد بن خزيمة.
وميمونة بنت الحارث الهلالية.
وزينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين.
وجويرية بنت الحارث الخزاعية المصطلقية.
وواحدة غير عربية من بنى إسرائيل وهى صفية بنت حيى من بنى النضير.
ومات عندهﷺ- منهن اثنتان: خديجة وزينب أم المساكين، ومات ﷺ- عن تسع، ذكر أسماءهن الحافظ أبو الحسن بن الفضل المقدسى نظما فقال:
توفى رسول الله عن تسع نسوة إليهن تعزى المكرمات وتنسب
فعائشة ميمونة وصفية وحفصة تتلوهن هند وزينب
جويرية مع رملة ثم سودة ثلاث وست ذكرهن مهذب
[ ١ / ٤٩١ ]
ولا خلاف فى أن أول امرأة تزوج بها منهن خديجة بنت خويلد، وأنه ﷺ- لم يتزوج عليها حتى ماتت.
وهذا حين الشروع فى ذكرهن على الترتيب.
فأما أم المؤمنين خديجة- وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم- فكانت تدعى فى الجاهلية «الطاهرة»، وكانت تحت أبى هالة النباش بن أبى زرارة فولدت له هندا وهالة وهما ذكران.
ثم تزوجها عتيق بن عائذ المخزومى، فولدت له جارية اسمها هند، وبعضهم يقدم عتيقا على أبى هالة.
ثم تزوجها رسول اللهﷺ-، ولها يومئذ من العمر أربعون سنة وبعض أخرى، وكان سنهﷺ- إحدى وعشرين سنة، وقيل خمسا وعشرين، وعليه الأكثر، وقيل ثلاثين.
وكانت عرضت نفسها عليه، فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة، حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجهاﷺ- وأصدقها عشرين بكرة. وزاد ابن إسحاق من طريق آخر: وحضر أبو طالب ورؤساء مضر: فخطب أبو طالب. وقد قدمت خطبته فى المقصد الأول عند ذكر تزويجها لهﷺ-. وذكر الدولابى وغيره أن النبىﷺ- أصدق خديجة اثنتى عشرة أوقية ذهبا.
وقد كانت خديجة- كما قدمته- أول من آمن من الناس، وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة: «أن جبريل قال للنبىﷺ- يا محمد، هذه خديجة قد أتتك بإناء فيه طعام- أو إدام أو شراب- فإذا هى أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومنى، وبشرها ببيت فى الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» «١» والقصب: اللؤلؤ المجوف.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٨٢١) فى المناقب، باب: تزويج النبىﷺ- خديجة وفضلهارضي الله عنها-، ومسلم (٢٤٣٢) فى فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين- رضى الله تعالى عنها-، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
[ ١ / ٤٩٢ ]
قال ابن إسحاق: كانﷺ- لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له﵇-، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بخديجة إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت.
وعن عبد الرحمن بن زيد قال: قال آدم﵇-: إنى لسيد البشر يوم القيامة، إلا رجلا من ذريتى نبيّا من الأنبياء، يقال له أحمد، فضل على باثنتين: زوجته عاونته فكانت له عونا، وكانت زوجتى على عونا، وأعانه الله على شيطانه فأسلم، وكفر شيطانى. خرجه الدولابى، كما ذكره الطبرى.
وخرج الإمام أحمد عن ابن عباس أنهﷺ- قال: «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة ابنة محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون» «١» .
قال الشيخ ولى الدين العراقى: خديجة أفضل أمهات المؤمنين على الصحيح المختار، وقيل: عائشة. انتهى.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصارى فى شرح بهجة الحاوى، عند ذكر أزواجهﷺ-: وأفضلهن خديجة وعائشة وفى أفضلهما خلاف، صحح ابن العماد تفضيل خديجة لما ثبت أنهﷺ- قال لعائشة، حين قالت له: قد رزقك الله خيرا منها فقال: «لا والله ما رزقنى الله خيرا منها، آمنت بى حين كفر بى الناس، وصدقتنى حين كذبنى الناس، وأعطتنى مالها حين حرمنى الناس» «٢» .
وسئل ابن داود [بن على الظاهرى] أيهما أفضل؟ فقال: عائشة أقرأها النبىﷺ- السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريل من ربها السلام على لسان محمد، فهى أفضل. قيل له: فمن أفضل خديجة أم فاطمة؟ فقال: إن رسول اللهﷺ- قال: «فاطمة بضعة منى» «٣» فلا أعدل ببضعة رسول الله ﷺ- أحدا.
_________________
(١) أخرجه أحمد فى «المسند» (١/ ٢٩٣)، وقد تقدم قريبا.
(٢) حسن: أخرجه أحمد فى «المسند» (٦/ ١١٧) بسند حسن.
(٣) صحيح: وقد تقدم قريبا.
[ ١ / ٤٩٣ ]
ويشهد له قولهﷺ- لها: «أما ترضين أن تكونى سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم» «١» .
واحتج من فضل عائشة بما احتجت به من أنها فى الآخرة مع النبى ﷺ- فى الدرجة، وفاطمة مع على فيها.
وسئل السبكى عن ذلك فقال: الذى نختاره، وندين الله به، أن فاطمة بنت محمد أفضل من أمها خديجة، ثم أمها خديجة، ثم عائشة، ثم استدل لذلك بما تقدم بعضه.
وأما خبر الطبرانى: خير نساء العالمين مريم بنت عمران ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد، ثم آسية امرأة فرعون «٢» . فأجاب عنه ابن العماد: بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة، لا باعتبار السيادة.
واختار السبكى: أن مريم أفضل من خديجة لهذا الخبر، وللاختلاف فى نبوتها، انتهى.
وقال أبو أمامة بن النقاش: إن سبق خديجة، وتأثيرها فى أول الإسلام ومؤازرتها ونصرها وقيامها فى الدين لله بمالها ونفسها، لم يشركها فيه أحد، لا عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين. وتأثير عائشة فى آخر الإسلام، وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من الأحاديث ما لم تشركها فيه خديجة ولا غيرها، مما تميزت به عن غيرها، انتهى.
وماتت خديجة بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل بأربع، وقيل بخمس، ودفنت فى الحجون، وهى ابنة خمس وستين سنة، ولم يكن يومئذ يصلى على الجنازة، وكانت مدة مقامها مع النبىﷺ- خمسا وعشرين سنة، وقيل أربعا وعشرين سنة.
_________________
(١) صحيح إلا جملة مريم، وقد تقدم قريبا.
(٢) قلت: هو عند الطبرانى فى «الكبير» (٢٢/ ٤٠٢) بحرف العطف «واو» وليس «ثم» الذى يفيد الترتيب والتراخى.
[ ١ / ٤٩٤ ]
وأما سودة بنت زمعة- وأمها الشموس بنت قيس- فأسلمت قديما وكانت تحت ابن عم لها يقال له السكران بن عمرو- أخو سهيل بن عمرو- أسلم معها قديما، وهاجرا جميعا إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها، وقيل إنه مات بالحبشة.
وتزوجهاﷺ- بمكة بعد موت خديجة قبل أن يعقد على عائشة، هذا قول قتادة وأبى عبيدة، ولم يذكر ابن قتيبة غيره، ويقال تزوجها بعد عائشة ويجمع بين القولين: بأنهﷺ- عقد على عائشة قبل سودة، ودخل بسودة قبل عائشة، والتزويج يطلق على كل منهما، وإن كان المتبادر إلى الفهم العقد دون الدخول.
ولما كبرت سودة أرادﷺ- طلاقها، فسألته ألايفعل وجعلت يومها لعائشة فأمسكها.
وتوفيت بالمدينة فى شوال سنة أربع وخمسين. وروى البخارى فى تاريخه بإسناد صحيح إلى سعيد بن أبى هلال: أنها ماتت فى خلافة عمر، وجزم الذهبى فى التاريخ الكبير بأنها ماتت فى آخر خلافة عمر، وقال ابن سيد الناس: إنه المشهور.
وأما أم المؤمنين عائشةرضي الله عنها- وأمها أم رومان ابنة عامر بن عويمر بن عبد شمس، من بنى مالك بن كنانة- فكانت مسماة على جبير بن مطعم، فخطبها النبىﷺ- وأصدقها- فيما قاله ابن إسحاق- أربعمائة درهم، وتزوجها بمكة فى شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاث سنين، ولها ست سنين، وأعرس بالمدينة فى شوال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرا، ولها تسع سنين. وقيل بعد سبعة أشهر من مقدمه﵊-.
وخرج الشيخان عن عائشة أنها قالت: «تزوجنى رسول اللهﷺ- وأنا ابنة ست سنين فقدمنا المدينة، فنزلنا فى بنى الحارث بن الخزرج، فوعكت فتمزق شعرى، فأتتنى أمى- أم رومان- وإنى لفى أرجوحة مع صواحب لى،
[ ١ / ٤٩٥ ]
فصرخت بى فأتيتها، ما أدرى ما تريد منى، فأخذت بيدى حتى أوقفتنى على باب الدار، وأنا أنهج، حتى سكن بعض نفسى، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهى ورأسى ثم أدخلتنى الدار، فإذا نسوة من الأنصار فى البيت فقلن: على الخير والبركة، فأسلمتنى إليهن فأصلحن من شأنى، فلم يرعنى إلا رسول اللهﷺ- ضحى، فأسلمتنى إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين «١» .
وأخرجه أبو حاتم بتغيير بعض ألفاظه.
قال أبو عمر: كان نكاحهﷺ- لعائشة فى شوال، وابتنى بها فى شوال، وكانت تحب أن يدخل النساء من أهلها وأحبتها فى شوال على أزواجهن.
وكانت أحب نساء رسول اللهﷺ- إليه، وكانت إذا هويت الشىء تابعها عليه، وفقدها﵇- فى بعض أسفاره فقال: «واعروساه» «٢» .
أخرجه أحمد.
وقال لهاﷺ-- كما فى الصحيحين-: «رأيتك فى المنام ثلاث ليال، جاءنى بك الملك فى سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشف عن وجهك فأقول: إن يكن من عند الله يمضه» «٣» والسرقة: شقة الحرير أو البيضاء.
وفى الترمذى أن جبريل جاءه﵊- بصورتها فى
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٨٩٤) فى المناقب، باب: تزويج النبىﷺ- عائشة وقدومها المدينة وبنائه بها، ومسلم (١٤٢٢) فى النكاح، باب: تزويج الأب البكر الصغيرة.
(٢) أخرجه أحمد فى «المسند» (٦/ ٢٤٨)، من حديث عائشةرضي الله عنها-.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٣٨٩٥) فى المناقب، باب: تزويج النبىﷺ- عائشة وقدومها المدينة وبنائه بها، ومسلم (٢٤٣٨) فى فضائل الصحابة، باب: فى فضل عائشة رضى الله تعالى عنها-، واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٤٩٦ ]
خرقة حرير خضراء وقال هذه زوجتك فى الدنيا والآخرة. وفى رواية عنده:
قال جبريل: إن الله قد زوجك بابنة أبى بكر، ومعه صورتها «١» .
وكانت مدة مقامها معهﷺ- تسع سنين، ومات عنهاﷺ- ولها ثمانى عشرة سنة ولم يتزوج بكرا غيرها، وكانت فقيهة عالمة فصيحة، كثيرة الحديث عن رسول اللهﷺ-، عارفة بأيام العرب وأشعارها، روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وكانﷺ- يقسم لها ليلتين، ليلتها وليلة سودة بنت زمعة، لأنها وهبت ليلتها لما كبرت لها- كما تقدم- ولنسائه ليلة ليلة، وكان يدور على نسائه ويختم بعائشة.
وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين. وقال الواقدى: ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثمان وخمسين، وهى ابنة ست وستين سنة، وأوصت أن تدفن بالبقيع ليلا، وصلى عليها أبو هريرة، وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة فى أيام معاوية بن أبى سفيان.
وكانت عائشة تكنى أم عبد الله، يروى أنها أسقطت من النبىﷺ- سقطا، ولم يثبت والصحيح أنها كانت تكنى بعبد الله بن الزبير، ابن أختها، فإنه﵊- تفل فى فيه لما ولد، وقال لعائشة: «هو عبد الله وأنت أم عبد الله» قالت: فما زلت أكنى بها وما ولدت قط. خرجه أبو حاتم.
وأما أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطابرضي الله عنهما- وأمها زينب بنت مظعون- فأسلمت وهاجرت. وكانت قبل رسول اللهﷺ- تحت خنيس- بضم المعجمة وفتح النون وبالسين المهملة- ابن حذافة السهمى، هاجرت معه، ومات عنها بعد غزوة بدر.
فلما تأيمت ذكرها عمر على أبى بكر وعثمان فلم يجبه واحد منهما إلى زواجها، فخطبها رسول اللهﷺ- فأنكحه إياها فى سنة ثلاث من
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٨٨٠) فى المناقب، باب: من فضل عائشةرضي الله عنها-، من حديث عائشةرضي الله عنها- بسند صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
[ ١ / ٤٩٧ ]
الهجرة «١»، وطلقها تطليقة واحدة، ثم راجعها «٢»، نزل عليه الوحى: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك فى الجنة «٣» .
وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين. وماتت فى شعبان سنة خمس وأربعين فى خلافة معاوية، وقيل سنة إحدى وأربعين، وهى ابنة ستين سنة، وقيل إنها ماتت فى خلافة عثمان.
وأما أم المؤمنين أم سلمة هند، وقيل رملة والأول أصح- وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة، وليست عاتكة بنت عبد المطلب- فكانت قبل رسول الله ﷺ- تحت أبى سلمة بن عبد الأسد، وكانت هى وزوجها أول من هاجر إلى أرض الحبشة، فولدت له بها زينب، وولدت له بعد ذلك سلمة وعمر ودرة، وقيل هى أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، وقيل غيرها، ومات أبو سلمة سنة أربع وقيل سنة ثلاث من الهجرة.
وكانت أم سلمة سمعتهﷺ- يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول: اللهم آجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها» قالت: فلما مات أبو سلمة قلت أى المسلمين خير من أبى سلمة، ثم إنى قلتها، فأخلف الله لى رسول اللهﷺ- فأرسل إلى رسول اللهﷺ- حاطب بن أبى بلتعة يخطبنى له.
وفى رواية: فخطبها أبو بكر فأبت، وخطبها عمر فأبت، ثم أرسل إليها رسول اللهﷺ- فقالت: مرحبا برسول الله، إن فى خلالا ثلاثا: أنا امرأة
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥١٢٢) فى النكاح، باب: عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٢٨٣) فى الطلاق، باب: فى المراجعة، وابن ماجه (٢٠١٦) فى الطلاق، باب: رقم (١) من حديث عمررضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٣) حسن: أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ١٦) من حديث قيس بن زيدرضي الله عنه-، و(٤/ ١٧) من حديث أنسرضي الله عنه-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٣٥١) .
[ ١ / ٤٩٨ ]
شديدة الغيرة، وأنا امرأة مصبية «١» وأنا امرأة ليس لى ها هنا أحد من أوليائى فيزوجنى. فغضب عمر لرسول اللهﷺ- أشد مما غضب لنفسه حين ردته، فأتاها رسول اللهﷺ- فقال: «أما ما ذكرت من غيرتك فإنى أدعو الله أن يذهبها عنك، وأما ما ذكرت من صبيتك فإن الله سيكفيهم، وأما ما ذكرت من أوليائك فليس أحد من أوليائك يكرهنى» فقالت لابنها: زوج رسول اللهﷺ- فزوجه «٢» . قال صاحب «السمط الثمين» رواه بهذا السياق هدبة بن خالد «وصاحب الصفوة» وخرج أحمد والنسائى طرفا منه، ومعناه فى الصحيح.
وفيه دلالة على أن الابن يلى العقد على أمه، وعندنا أنه إنما زوجها بالعصوبة لأنه ابن ابن عمها، لأن أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال ابن عبد الله، وأم سلمة هند بنت سهيل بن المغيرة بن عبد الله، ولم يكن أحد من عصبتها حاضرا غيره.
وكانت أم سلمة من أجمل النساء، وتزوجها رسول اللهﷺ- فى ليال بقين من شوال من السنة التى مات فيها أبو سلمة.
وماتت سنة تسع وخمسين وقيل سنة اثنتين وستين، والأول أصح، ودفنت بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة، وقيل سعيد بن زيد، وكان عمرها أربعا وثمانين سنة.
وأما أم المؤمنين أم حبيبة، رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب، وقيل اسمها هند، والأول أصح- وأمها صفية بنت أبى العاصى بن أمية عمة عثمان بن عفان- فكانت تحت عبيد الله بن جحش وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم تنصر وارتد عن الإسلام ومات هناك، وثبتت أم حبيبة على الإسلام.
_________________
(١) مصيبة: أى عندى صبيان.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٩١٨) فى الجنائز، باب: ما يقال عند المصيبة، من حديث أم سلمةرضي الله عنها-.
[ ١ / ٤٩٩ ]
واختلف فى وقت نكاح رسول اللهﷺ- إياها، وموضع العقد، فقيل: إنه عقد عليها بأرض الحبشة سنة ست، فروى أنهﷺ- بعث عمرو ابن أمية الضمرى إلى النجاشى ليخطبها عليه، فزوجها إياه، وأصدقها عنه أربعمائة دينار، وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة.
وروى أن النجاشى أرسل إليها جاريته «أبرهة» فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول اللهﷺ- كتب إلى أن أزوجك منه، وأنها أرسلت إلى خالد ابن سعيد بن العاصى فوكلته وأعطت أبرهة سوارين وخواتم من فضة سرورا بما بشرتها به، فلما كان العشى أمر النجاشى جعفر بن أبى طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا، فخطب النجاشى فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول اللهﷺ- وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار ذهبا، ثم سكب الدنانير بين يدى القوم. فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره، وأشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول اللهﷺ- وزوجته أم حبيبة بنت أبى سفيان، فبارك الله لرسولهﷺ- فيها. ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاصى فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا. خرجه صاحب الصفوة كما قال الطبرى. وكان ذلك سنة سبع من الهجرة.
قال أبو عمر: واختلف فيمن زوجها، فروى أنه سعيد بن العاصى، وروى عثمان بن عفان وهى ابنة عمته. وذكر البيهقى أن الذى زوجها خالد ابن سعيد بن العاصى وهو ابن ابن عم أبيها، لكن إن صح التاريخ المذكور فلا يصح أن يكون عثمان هو الذى زوجها، فإنه كان مقدمه من الحبشة قبل وقعة بدر فى السنة الثانية من الهجرة.
[ ١ / ٥٠٠ ]
وكان أبو سفيان أبوها حال نكاحها بمكة مشركا محاربا لرسول الله ﷺ-. وقد قيل إن عقد النكاح عليها كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة والمشهور الأول. وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين وقيل: سنة اثنتين وأربعين.
وأما أم المؤمنين زينب بنت جحش- وأما أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم- فكان رسول اللهﷺ- زوجها من زيد بن حارثة، فمكثت عنده مدة ثم طلقها- كما سيأتى- إن شاء الله تعالى- فى الخصائص- فلما انقضت عدتها منه قالﷺ- لزيد بن حارثة «اذهب فاذكرنى لها» قال: فذهبت إليها، فجعلت ظهرى إلى الباب فقلت يا زينب بعث رسول اللهﷺ- يذكرك، فقالت: ما كنت لأحدث شيئا حتى أؤامر ربى ﷿، فقامت إلى مسجد لها، فأنزل الله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها «١» .
فجاء رسول الله فدخل عليها بغير إذن «٢» . أخرجه مسلم.
وقال المنافقون: حرم محمد نساء الولد، وقد تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ «٣» .
وكانت زينب تفخر على أزواج النبىﷺ- تقول: زوجكن آباؤكن، وزوجنى الله من فوق سبع سماوات «٤»، رواه الترمذى وصححه.
وكان اسمها «برة» فحوّلهﷺ- إلى زينب. وعن أنس: لما تزوج ﷺ- زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو ﷺ- يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام وقام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبىﷺ- ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقت
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٣٧.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٤٢٨) فى النكاح، باب: زواج زينب بنت جحشرضي الله عنها-، من حديث أنسرضي الله عنه-.
(٣) سورة الأحزاب: ٤٠.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٧٤٢١) فى التوحيد، باب: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ، والترمذى (٣٢١٣) فى التفسير، باب: ومن سورة الأحزاب، واللفظ للترمذى.
[ ١ / ٥٠١ ]
فجئت فأخبرت النبىﷺ- أنهم انطلقوا. فجاء حتى دخل فذهبت لأدخل فألقى الحجاب بينى وبينه، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ «١» الآية.
وكان تزويجها لهﷺ- فى سنة خمس من الهجرة، وقيل سنة ثلاث. وهى أول من مات من أزواجه بعده. وقالت عائشة فى شأنها: ولم تكن امرأة خيرا منها فى الدين، وأتقى لله وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها فى العمل الذى تتصدق به وتتقرب به إلى الله. رواه مسلم.
وماتت بالمدينة سنة عشرين، وقيل سنة إحدى وعشرين، ولها ثلاث وخمسون سنة، وصلى عليها عمر بن الخطاب، وهى أول من جعل على جنازتها نعش.
وأما أم المؤمنين زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية، وكانت تدعى فى الجاهلية أم المساكين لإطعامها إياهم، فكانت تحت عبد الله بن جحش فى قول ابن شهاب، قتل عنها يوم أحد فتزوجها رسول اللهﷺ- سنة ثلاث، ولم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة وتوفيت فى حياتهﷺ-، وقيل مكثت عنده ثمانية أشهر، ذكره الفضائلى.
وقيل كانت قبلهﷺ- تحت الطفيل بن الحارث، ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث وقتل عنها يوم أحد شهيدا، فخلف عليها رسول الله ﷺ-، والأول أصح.
وتوفيت فى ربيع الآخر سنة أربع ودفنت بالبقيع على الطريق قال الطبرى: كذا ذكره الفضائلى، وإنما يكون هذا على ما حكاه من أنها مكثت عنده﵇- ثمانية أشهر، أما على ما حكاه أبو عمر فلا يصح، إذ العقد كان فى سنة ثلاث، ومدتها عندهﷺ- شهران أو ثلاثة فلا يصح أن تكون وفاتها فى ربيع الآخر، انتهى، فليتأمل.
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٥٣.
[ ١ / ٥٠٢ ]
وأما أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية- وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن حمير- فتزوجهاﷺ- لما كان بمكة معتمرا سنة سبع بعد غزوة خيبر، وكانت أختها أم الفضل لبابة الكبرى تحت العباس ابن عبد المطلب، وأختها لأمها أسماء بنت عميس تحت جعفر، وسلمى بنت عميس تحت حمزة، وكانت جعلت أمرها إلى العباس فأنكحها النبىﷺ- وهو محرم، فلما رجع بنى بها بسرف حلالا «١»، ذكره أبو عمر. وفى الصحيح من أفراد مسلم، عنها أنهﷺ- تزوجها وهو حلال، زاد البرقانى بعد قوله تزوجها حلالا: وبنى بها حلالا وماتت بسرف «٢» . فيحمل قوله:
وهو محرم، أى داخل فى الحرم، ويكون العقد وقع بعد انقضاء العمرة، ثم خرج بها إلى سرف وابتنى بها فيه، وهو على عشرة أميال من مكة، كذا قاله الطبرى. وسيأتى فى مقصد المعجزات فى ذكر الخصائص مزيد بيان لذلك إن شاء الله تعالى-.
وكانت ميمونة قبل عند أبى رهم بن عبد العزى، ويقال: بل عبد الله ابن أبى رهم، وقيل: بل عند حويطب بن عبد العزى، وقيل: بل فروة بن عبد العزى.
قال ابن إسحاق. ويقال: إنها وهبت نفسها للنبىﷺ- وذلك أن خطبتهﷺ- انتهت إليها وهى على بعيرها فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله. وقيل: الواهبة نفسها غيرها.
وتوفيت ميمونة بسرف فى الموضع الذى بنى بها فيه رسول الله ﷺ-، وذلك سنة إحدى وخمسين، وقيل ست وخمسين وقيل ثلاث وستين، وصلى عليها ابن عباس ودخل قبرها.
وأما أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار- بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الراء- فكانت تحت مسافح- بالسين المهملة والفاء- ابن صفوان المصطلقى.
_________________
(١) تقدمت الأحاديث الدالة على ذلك.
(٢) تقدمت الأحاديث الدالة على ذلك.
[ ١ / ٥٠٣ ]
وكانت قد وقعت فى سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصارى، فى غزوة المريسيع، وهى غزوة بنى المصطلق، فى سنة خمس وقيل سنة ست، فكاتبته على نفسها، ثم جاءت رسول اللهﷺ- فقالت يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث وكان من أمرى ما لا يخفى عليك، ووقعت فى سهم ثابت بن قيس بن شماس وإنى كاتبت نفسى، فجئت أسألك فى كتابتى، فقال رسول اللهﷺ- «فهل لك إلى ما هو خير» قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أؤدى عنك كتابتك وأتزوجك» قالت: قد فعلت. فتسامع الناس أن رسول اللهﷺ- قد تزوج جويرية فأرسلوا ما فى أيديهم من السبى، فأعتقوهم وقالوا أصهار رسول اللهﷺ-.
قالت عائشة: فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أعتق فى سببها مائة أهل بيت بنى المصطلق «١» خرجه أبو داود من حديث عائشة.
وقال ابن هشام: ويقال اشتراهاﷺ- من ثابت بن قيس وأعتقها وتزوجها وأصدقها أربعمائة درهم.
وعن ابن شهاب: سبىﷺ- جويرية بنت الحارث يوم المريسيع فحجبها وقسم لها، وكانت ابنة عشرين سنة، وكان اسمها «برة» فحوله ﷺ- وسماها جويرية. وقد تقدم مثل ذلك فى زينب بنت جحش.
وتوفيت وعمرها خمس وستون سنة فى ربيع الأول سنة خمسين، وقيل سنة ست وخمسين.
وأما أم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب بن سعية- بفتح السين وسكون العين المهملتين وبالياء المثناة التحتية- ابن ثعلبة بن عبيد من بنى إسرائيل من سبط هارون بن عمران﵊-. وأمها ضرة بفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء- بنت سموأل- بفتح السين المهملة وفتح الميم وسكون الواو وفتح الهمزة وباللام-. فكانت تحت كنانة بن أبى الحقيق
_________________
(١) حسن: أخرجه أبو داود (٣٩٣١) فى العتق، باب: فى بيع المكاتب إذا نسخت الكتابة، وأحمد فى «مسنده» (٦/ ٢٧٧)، وابن حبان فى «صحيحه» (٤٠٥٤ و٤٠٥٥)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ١ / ٥٠٤ ]
- بضم الحاء المهملة وفتح القاف الأولى وسكون المثناة التحتية- فقتل يوم خيبر فى المحرم سنة سبع من الهجرة.
قال أنس: لما افتتحﷺ- خيبر وجمع السبى، جاءه دحية فقال:
يا رسول الله أعطنى جارية من السبى، فقال: «اذهب فخذ جارية» فأخذ صفية بنت حيى فجاء رجل إلى النبىﷺ- فقال: يا رسول الله، أعطيت دحية صفية بنت حيى سيدة قريظة والنضير، ما تصلح إلا لك، قال: «ادعوه بها» فجاء بها، قال: فلما نظر إليها النبىﷺ- قال: «خذ جارية من السبى غيرها» قال: وأعتقها وتزوجها. قال له ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟
قال: نفسها، أعتقها وتزوجها. حتى إذا كان الطريق جهزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل، فأصبحﷺ- عروسا، فقال: «من كان عنده شىء فليجىء به» قال: فبسط نطعا، قال: فجعل الرجل يجىء بالأقط، وجعل الرجل يجىء بالتمر، وجعل الرجل يجىء بالسمن، فحاسوا حيسا فكانت وليمة رسول اللهﷺ- «١» .
وفى رواية: فقال الناس لا ندرى أتزوجها أم اتخذها أم ولد، قالوا: إن حجبها فهى امرأته وإن لم يحجبها فهى أم ولد، فلما أراد أن يركب حجبها.
وفى رواية: فانطلقنا حتى إذا رأينا جدر المدينة هششنا إليها، فدفعنا مطايانا، ودفع رسول اللهﷺ- مطيته، قال: وصفية خلفه قد أردفها، قال: فعثرت مطية رسول اللهﷺ- فصرع وصرعت، فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها حتى قام رسول اللهﷺ- فسترها. قال: فدخلنا المدينة، فخرج جوارى نسائه يتراءينها ويشمتن بصرعتها «٢» رواه الشيخان وهذا لفظ مسلم.
وروى عن جابر أنهﷺ- أتى بصفية يوم خيبر، وأنه قتل أباها
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٧١) فى الصلاة، باب: ما يذكر فى الفخذ، ومسلم (١٣٦٥) فى النكاح، باب: فضيلة إعتاق أمة ثم يتزوجها.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٣٦٥) (٨٨) فيما تقدم.
[ ١ / ٥٠٥ ]
وأخاها، وأن بلالا مر بها بين المقتولين، وأنهﷺ- خيرها بين أن يعتقها فترجع إلى من بقى من أهلها، أو تسلم فيتخذها لنفسه، فقالت: أختار الله ورسوله. خرجه فى الصفوة.
وأخرج تمام فى فوائده من حديث أنس أن رسول اللهﷺ- قال لها:
«هل لك فىّ» قالت: يا رسول الله لقد كنت أتمنى ذلك فى الشرك، فكيف إذ أمكننى الله فى الإسلام.
وأخرج أبو حاتم من حديث ابن عمر: رأىﷺ- بعين صفية خضرة فقال: «ما هذه الخضرة؟» فقالت: كان رأسى فى حجر ابن الحقيق وأنا نائمة، فرأيت قمرا وقع فى حجرى فأخبرته بذلك فلطمنى وقال: تمنين ملك يثرب.
وبنى بهاﷺ- بالصهباء.
وماتت فى رمضان سنة خمسين فى زمن معاوية، وقيل غير ذلك.
فهؤلاء أزواجه اللاتى دخل بهن لا خلاف فى ذلك بين أهل السير والعلم بالأثر.
وقد ذكر أنهﷺ- تزوج نسوة غير من ذكر، وجملتهن اثنتا عشرة امرأة:
الأولى: الواهبة نفسها لهﷺ-، واختلف من هى، فقيل أم شريك القرشية العامرية، واسمها: غزية- بضم الغين المعجمة وفتح الزاى وتشديد المثناة التحتية- بنت جابر بن عوف، من بنى عامر بن لؤى. وقيل بنت دودان ابن عوف، وطلقها النبىﷺ- واختلف فى دخوله بها.
وقيل هى أم شريك غزية الأنصارية من بنى النجار، وفى الصفوة: هى أم شريك غزية بنت جابر الدوسية قال: والأكثرون على أنها التى وهبت نفسها للنبىﷺ- فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت.
وذكر ابن قتيبة فى المعارف عن أبى اليقظان، أن الواهبة نفسها خولة بنت حكيم السلمى، ويجوز أن يكونا وهبتا أنفسهما من غير تضاد.
[ ١ / ٥٠٦ ]
وقال عروة بن الزبير: كانت خولة بنت حكيم، من اللاتى وهبن أنفسهن للنبىﷺ-، فقالت عائشة: أما تستحى المرأة أن تهب نفسها للرجل، فلما نزلت: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ «١» قالت عائشة: يا رسول الله، ما أرى ربك إلا يسارع لك فى هواك «٢» رواه الشيخان. وهذه خولة هى زوجة عثمان بن مظعون، ولعل ذلك وقع منها قبل عثمان.
الثانية: خولة بنت الهذيل بن هبيرة. تزوجهاﷺ- فهلكت قبل أن تصل إليه.
الثالثة: عمرة بنت يزيد بن الجون- بفتح الجيم- الكلابية، وقيل بنت يزيد بن عبيد بن أوس بن كلاب الكلابية. قال أبو عمر: وهذا أصح.
تزوجهاﷺ- فتعوذت منه حين أدخلت عليه، فقال لها: «لقد عذت بمعاذ» فطلقها وأمر أسامة بن زيد فمتعها بثلاثة أثواب «٣»، قال أبو عمر: هكذا روى عن عائشة.
وقال قتادة: كان ذلك فى امرأة من سليم. وقال أبو عبيدة: إنما ذلك لأسماء بنت النعمان بن الجون، وهكذا ذكره ابن قتيبة. وسيأتى وقال فى عمرة هذه: إن أباها وصفها للنبىﷺ- ثم قال وأزيدك: أنها لم تمرض قط فقالﷺ-: «ما لهذه عند الله من خير فطلقها» .
الرابعة: أسماء بنت النعمان بن الجون- بفتح الجيم- ابن الحارث الكندية وهى الجونية. قال أبو عمر: أجمعوا أن رسول اللهﷺ- تزوجها واختلفوا فى سبب فراقة لها، فقال قتادة وأبو عبيدة: إنهﷺ- لما دعاها قالت: تعال أنت وأبت أن تجىء، وقال بعضهم: قالت: أعوذ بالله منك، فقال: «عذت
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٥١.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٤٧٨٨) فى التفسير، باب: قوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ الآية، ومسلم (١٤٦٤) فى الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٢٥٤) فى الطلاق، باب: من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، وابن ماجه (٢٠٣٧) فى الطلاق، باب: متعة الطلاق، واللفظ له.
[ ١ / ٥٠٧ ]
بمعاذ ولقد أعاذك الله منى» وقيل: إن نساءهﷺ- علمنها ذلك فإنها كانت أجمل الناس فخفن أن تغلبهن عليه، فقلن لها إنه يحب إذا دنا منك إن تقولى: أعوذ بالله منك، فقال: «قد عذت بمعاذ» وطلقها، ثم سرحها إلى أهلها وكانت تسمى نفسها الشقية.
وقال الجرجانى: قلن لها: إن أردت أن تحظى عنده فتعوذى بالله منه، فقالت ذلك فولى وجهه عنها. وقيل المتعوذة غيرها، قال أبو عبيدة: ويجوز أن تكونا تعوذتا، وقال آخرون: كان بأسماء وضح فقال لها «ألحقى بأهلك» «١» وقد قيل فى اسمها أميمة، وقيل: أمامة.
الخامسة: مليكة بنت كعب الليثية، قال بعضهم: هى التى استعاذت من النبىﷺ- وقيل دخل بها، وماتت عنده، والأول أصح، ومنهم من ينكر تزويجه بها أصلا.
والسادسة: فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابى، تزوجها بعد وفاة ابنته زينب وخيرها حين نزلت آية التخيير، [الأحزاب ٢٨ و٢٩] فاختارت الدنيا ففارقها﵊- فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول هى الشقية اختارت الدنيا، هكذا رواه ابن إسحاق.
لكن قال أبو عمر: هذا عندنا غير صحيح، لأن ابن شهاب يروى عن عروة عن عائشة، أنهﷺ- حين خير أزواجه بدأ بها فاختارت الله ورسوله، وتابع أزواج النبىﷺ- على ذلك.
وقال قتادة وعكرمة: كان عندهﷺ- عند التخيير تسع نسوة وهن اللاتى توفى عنهن.
وقيل إنهﷺ- تزوجها سنة ثمان، وقيل إن أباها قال: إنها لم تصدع قط، فقال﵊-: «لا حاجة لى بها» .
السابعة: عالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف، تزوجهاﷺ- وكانت
_________________
(١) انظر ما قبله، وكذلك ما قاله الحافظ ابن حجر فى «الفتح» (٩/ ٣٥٧- ٣٥٩) .
[ ١ / ٥٠٨ ]
عنده ما شاء الله، ثم طلقها، وقل من ذكرها، وقال أبو سعد: طلقها حين أدخلت عليهﷺ-.
الثامنة: قتيلة- بضم القاف وفتح المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية- بنت قيس أخت الأشعث بن قيس الكندى، زوجه إياها أخوها فى سنة عشر، ثم انصرف إلى حضر موت فحملها فقبضﷺ- سنة إحدى عشرة قبل قدومها عليه، وقيل تزوجها﵇- قبل وفاته بشهرين، وقال قائلون: إن رسول اللهﷺ- أوصى بأن تخير، فإن شاءت ضرب عليها الحجاب، وكانت من أمهات المؤمنين، وإن شاءت الفراق فلتنكح من شاءت، فاختارت النكاح فتزوجها عكرمة بن أبى جهل بحضر موت، فبلغ ذلك أبا بكر فقال:
هممت أن أحرق عليها بيتها، فقال له عمررضي الله عنه-: ما هى من أمهات المؤمنين، ما دخل بها رسول اللهﷺ- ولا ضرب عليها الحجاب.
وقال بعضهم: لم يوص فيها﵇- بشىء، ولكنها ارتدت حين ارتد أخوها.
وبذلك احتج عمر على أبى بكررضي الله عنهما-: أنها ليست من أمهات المؤمنين بارتدادها.
التاسعة: سنا بنت أسماء بن الصلت السلمية، تزوجهاﷺ- ومات قبل أن يدخل بها، وعند ابن إسحاق: طلقها قبل أن يدخل بها.
العاشرة: شرف- بفتح الشين المعجمة وتخفيف الراء وبالفاء- بنت خليفة الكلبية، أخت دحية بن خليفة الكلبى، تزوجها رسول اللهﷺ- فماتت قبل دخوله﵇- بها.
الحادية عشرة: ليلى بنت الخطيم- بفتح الخاء المعجمة وكسر الطاء المهملة- أخت قيس تزوجهاﷺ- وكانت غيورا فاستقالته فأقالها فأكلها الذئب، وقيل هى التى وهبت نفسها لهﷺ-.
الثانية عشرة: امرأة من غفار تزوجهاﷺ- فأمرها فنزعت ثيابها فرأى
[ ١ / ٥٠٩ ]
بكشحها بياضا فقال: «ألحقى بأهلك» ولم يأخذ مما آتاها شيئا «١»، أخرجه أحمد.
فهؤلاء جملة من ذكر من أزواجهﷺ-، وفارقهن فى حياته، بعضهن قبل الدخول وبعضهن بعده- كما ذكرناه- فيكون جملة من عقد عليهن ثلاثا وعشرين امرأة دخل ببعضهن دون بعض. مات منهن عنده بعد الدخول خديجة وزينب بنت خزيمة، ومات منهن قبل الدخول اثنتان: أخت دحية وبنت الهذيل باتفاق.
واختلف فى مليكة وسنا، هل ماتتا أو طلقهما، مع الاتفاق على أنه ﷺ- لم يدخل بهما.
وفارق بعد الدخول باتفاق بنت الضحاك، وبنت ظبيان، وقبله باتفاق:
عمرة وأسماء والغفارية.
واختلف فى أم شريك: هل دخل بها؟ مع الاتفاق على الفرقة.
والمستقيلة التى جهل حالها. فالمفارقات بالاتفاق سبع، واثنتان على خلاف.
الميتات فى حياته باتفاق أربع، وماتﷺ- من عشر، واحدة لم يدخل بها.
وروى أنهﷺ- خطب عدة نسوة:
الأولى منهن: امرأة من بنى مرة بن عوف بن سعد، خطبهاﷺ- إلى أبيها فقال: إن بها برصا، وهو كاذب، فرجع فوجد البرص بها، ويقال:
إن ابنها شبيب بن البرصاء بن الحارث بن عوف. ذكره ابن قتيبة، كما قاله الطبرى، وعند ابن الأثير فى جامع الأصول: جمرة بنت الحارث بن عوف خطبهاﷺ- فقال أبوها: إن بها سوآ، ولم يكن بها شىء، فرجع إليها أبوها وقد برصت، قال: وهى أم شبيب بن البرصاء الشاعر.
_________________
(١) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٤/ ٣٠٠) عن كعب بن زيد أو زيد بن كعب وقال: رواه أحمد، وجميل [أحد رواته] ضعيف.
[ ١ / ٥١٠ ]
الثانية: امرأة قرشية يقال لها سودة، خطبهاﷺ- وكانت مصبية، فقالت: أخاف أن تضغو صبيتى- أى يصيحوا ويبكوا- عند رأسك، فدعا لها وتركها.
الثالثة: صفية بنت بشامة- بفتح الموحدة وتخفيف الشين المعجمة- كان أصابها فى سبى فخيرها بين نفسه الكريمة وبين زوجها، فاختارت زوجها.
الرابعة: ولم يذكر اسمها، قيل إنهﷺ- خطبها، فقالت: أستأمر أبى، فلقيت أباها فأذن لها، فعادت إلى النبىﷺ- فقال لها: «قد التحفنا لحافا غيرك» .
الخامسة: أم هانىء فاختة بنت أبى طالب أخت على، خطبهاﷺ- فقالت: إنى امرأة مصبية واعتذرت إليه، فعذرها.
السادسة: ضباعة- بضم الضاد المعجمة وتخفيف الموحدة وبالعين المهملة- بنت عامر بن قرط- بضم القاف وسكون الراء وبالطاء المهملة- خطبهاﷺ- إلى ابنها سلمة بن هشام فقال: حتى أستأمرها، فقيل للنبى ﷺ-: إنها قد كبرت، فلما عاد ابنها- وقد أذنت له- سكت عنهاﷺ- فلم ينكحها.
السابعة: أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب، عرضت عليهﷺ- فقال: «هى ابنة أخى من الرضاعة» «١» .
الثامنة: عزة بنت أبى سفيان، عرضتها أختها أم حبيبة عليهﷺ- فقال «إنها لا تحل لى» «٢» لمكان أختها أم حبيبة تحت النبىﷺ-.
وقيل: تزوجﷺ- الجندعية- بضم الجيم وسكون النون وضم الدال وبالعين المهملة- امرأة من جندع، وهى ابنة جندب بن ضمرة، ولم يدخل
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٦٤٥) فى الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب، ومسلم (١٤٤٧) فى الرضاع، باب: تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، من حديث ابن عباس ﵄-.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٤٤٩) فى الرضاع، باب: تحريم الربيبة وأخت المرأة.
[ ١ / ٥١١ ]
بها. وأنكره بعض الرواة. فهؤلاء النساء اللاتى ذكر أنهﷺ- تزوجهن أو خطبهن أو دخل بهن، أو لم يدخل بهن أو عرضن عليه.
وأما سرارية فقيل إنهن أربعة:
مارية القبطية بنت شمعون- بفتح الشين المعجمة- أهداها له المقوقس القبطى صاحب مصر والإسكندرية، وأهدى معها أختها سيرين- بكسر السين المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر الراء وبالنون آخرها-، وخصيا يقال له:
مأبور، وألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا لينا من قباطى مصر، وبغلة شهباء وهى دلدل، وحمارا أشهب وهو عفير ويقال: يعفور، وعسلا من عسل بنها، فأعجب النبىﷺ- العسل ودعا فى عسل بنها بالبركة. قال ابن الأثير:
وبنها- بكسر الباء وسكون النون- قرية من قرى مصر، بارك النبىﷺ- فى عسلها، والناس اليوم يفتحون الباء، انتهى.
ووهبﷺ- سيرين لحسان بن ثابت وهى أم عبد الرحمن بن حسان، ومارية أم إبراهيم ابن النبىﷺ-. وماتت مارية فى خلافة عمر سنة ست عشرة ودفنت بالبقيع.
وريحانة بنت شمعون من بنى قريظة، وقيل من بنى النضير، والأول أظهر، وماتت قبل وفاتهﷺ- مرجعه من حجة الوداع سنة عشر، ودفنت بالبقيع، وكانﷺ- وطئها بملك اليمين، وقيل أعتقها وتزوجها ولم يذكر ابن الأثير غيره.
وأخرى: وهبتها له زينب بنت جحش.
الرابعة: أصابها فى بعض السبى.
[ ١ / ٥١٢ ]