إن الحمد لله، نحمده ونستهديه ونسعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد
إننا أمام كتاب يتحدث عن سيرة رسول اللهﷺ-، ولدراسة سيرة رسول اللهﷺ- مكانة خاصة، لا أقول فى نفوس متبعيه فقط، بل فى نفوس معاديه أيضا! وذلك يرجع إلى مكانة رسول اللهﷺ- التى لم ينلها أحد قبله، ولن ينالها أحد بعده. فهو صفوة خلقه ورسوله إليهم جميعا عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم، كما ورد فى حديث فضلت على الأنبياء بست فذكر منهم فكان النبى قبلى يرسل إلى قومه خاصة، وأرسلت إلى الناس عامة أبيضهم وأسودهم.
ومن رحمة الله ﷿ بخلقه أنه عندما يختار لهم رسولا يجعله قدوة وأسوة فى حياته لما يدعو إليه، لا كلاما نظريّا فحسب، بل ترجمة عملية واقعية لما يدعو إليه، لأن الله ﷿ يعلم أن ذلك أبلغ وأوقع فى نفوس المتبعين، ولعل ذلك من أسباب كون الرسل من البشر لا من الملائكة؛ لأن طبيعة الملائكة تختلف عن طبيعة البشر، فلن تكون حياتهم أسوة لنا بخلاف الرسل من البشر.
[ ١ / ٣ ]
ولأن حياة الرسل، وبخاصة رسولناﷺ- أسوة لنا اهتم العلماء قديما وحديثا بالتصنيف فى سيرة حياتهﷺ-، لنعرف عنه كل كبيرة وصغيرة، بل لم نجد أتباع رسل اهتموا بكل تفاصيل حياته خاصها وعامها كما اهتم علماؤنا بسيرة سيد الخلق أجمعين، محمدﷺ-، ولذلك حظيت حياته عن غيره من الأنبياء بمصنفات شتى لا تعد ولا تحصى ليجد كل واحد منا بغيته فى معرفة حياة رسولناﷺ-.
ثم إن دراسة سيرة الرسولﷺ- لا تقف عند حد معرفة شمائله ﷺ- فقط، بل معرفة شرعهﷺ-، حيث إن فى سلوكه مع ربه نعرف هديه فى العبادات، ثم سلوكه مع من حوله نعرف هديه فى معاملة الخلق، فإذا كان مع زوجه عرفنا هديه فى معاملة الأزواج، وإن كان مع صاحب أو جار عرفنا هديه فى معاملة الأصحاب والجيران، ثم مع أعدائه عرفنا هديه فى السلم والحرب، وكيف نعامل أعداءنا!!، كل ذلك بضوابطه الشرعية التى بينتها سيرة رسول اللهﷺ-.
ومن هؤلاء صاحب كتابنا شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلانى، وهو كتاب يتضمن السيرة والمغازى والخصائص والشمائل وأعلام النبوة، وسيرتهﷺ- فى العبادة، ولعله بذلك قد استوعب كل جوانب حياته ﷺ- سواء كانت علاقته بربه، أو مع خلقه كأزواجه وأصحابه، حيث كان نعم الأب ونعم الأخ ونعم الزوج.
إلا أنا نجد أنا صاحبنا قد غالى بعض الشىء فى مناقبهﷺ-، قد بينا ذلك فى موضعه، ولا ننكر أنها قليلة بالنسبة إلى الكتاب عامة ولكن الأدب مع رسول اللهﷺ- أن نضعه فى المكانة التى أراد الله ﷿ أن يضعه فيها، بل هو أيضا قد أمرنا بذلك، حيث قال: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»، وليس فى ذلك نقص من مكانتهﷺ-، بل هذا رفعة له أن نصفه بأنه عبد ورسول، بل إن الله ﷿ حينما أراد أن يصفه فى أعظم رحلة على وجه الأرض
[ ١ / ٤ ]
وهى رحلة الإسراء والمعراج لم يختر له إلا هذا اللقب فقال: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ.. الآية. والخير كل الخير فى أن نقف عند ما وصفه به ربه، دون مغالاة أو تقصير حيث إن كلاهما مرفوض.
ثم إن لنا كلمة أخيرة حول هذا العنوان وهو «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» حيث إن كلمة «اللدنية» تعطى انطباعا على أن «لدنه» غير «لدنى» مع العلم بأن سيرة رسول اللهﷺ- معلومة للجميع، لا لدنّ فيها، كما أن هذه الكلمة وردت على لسان الخضر﵇- مما أوحاه الله إليه، مما يدل على أنه رسول على الصحيح بوحى الله له، لأنه لا يحق لأحد مخالفة ظاهر الشريعة بحجة أى تأويل، إلا عن وحى أوحاه الله له، وهذا لا يكون إلا للأنبياء، أما غيرهم، فلا يصح لهم إلا ظاهر الشريعة، وإلا اتهمناه.
ولذلك كان الأولى والأجدر بمصنفنا أن يختار اسما آخر غير هذا العنوان حتى لا يلتبس مع من يخالفون ظاهر النصوص بتأويلات مرفوضة بحجة العلم اللدنى الذى ما أنزل الله به من سلطان.
[ ١ / ٥ ]