قال البخارى: باب ما كان النبىﷺ- يتجوز من اللباس. يعنى يتوسع فلا يضيق بالاقتصار على صنف بعينه، أو لا يضيق بطلب النفيس الغالى، بل يستعمل ما تيسر.
وقال القاضى عياض: كانﷺ- قد اقتصر منه على ما تدعوه ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده، فيلبس- فى غالب أحواله- الشملة والكساء الخشن والأردية والأزر، ويقسم على من حضره أقبية
_________________
(١) ضعيف جدّا: أخرجه ابن ماجه (٣٢٩٥) فى الأطعمة، باب: النهى أن يقام عن الطعام حتى يرفع، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن ابن ماجه» .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٤٢) فى الأشربة، باب: استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٨٥٤) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى الدعاء لرب الطعام إذا أكل عنده، والدارمى فى «سننه» (١٧٧٢)، وأحمد فى «المسند» (٣/ ١١٨ و٢٠١)، من حديث أنسرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (١٢٢٦) .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة فى «مصنفه» (٦/ ٣٢٢) من حديث عمرو بن الحمقرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٨٣ ]
الديباج المخوصة بالذهب، ويرفع لمن لم يحضر. إذ المباهاة فى الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة، وهى من سمات النساء، والمحمود منها نقاوة الثوب، والتوسط فى جنسه، وكونه ليس مثله، غير مسقط لمروءة جنسه. انتهى.
وقد روى أبو نعيم فى الحلية عن ابن عمر مرفوعا: «أن من كرامة المؤمن على الله ﷿ نقاء ثوبه ورضاه باليسير» «١» .
وله أيضا من حديث جابر: أن النبىﷺ- رأى رجلا وسخة ثيابه فقال: «أما وجد هذا شيئا ينقى به ثيابه؟» «٢» .
فقد كانت سيرتهﷺ- فى ملبسه أتم وأنفع للبدن وأخفه عليه، فإنه لم تكن عمامته بالكبيرة التى يؤذى حملها ويضعفه ويجعله عرضة للآفات، كما يشاهد من حال أصحابها ولا بالصغيرة التى تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد بل وسطا بين ذلك، وكان يدخلها تحت حنكه، فإنها تقى العنق من الحر والبرد، وهو أثبت لها عند ركوب الخيل والإبل، والكر والفر، وكذلك الأردية والأزر أخف على البدن من غيرها.
وقد أطنب ابن الحاج فى المدخل فى الاستدلال لاستحباب التحنيك، ثم قال: وإذا كانت العمامة من باب المباح فلابد فيها من فعل سنن تتعلق بها، من تناولها باليمين والتسمية والذكر الوارد، إن كانت مما ليس جديدا، وامتثال السنة فى صفة التعميم، من فعل التحنيك والعذبة. وتصغير العمامة يعنى سبعة أذرع أو نحوها، يخرجون منها التحنيك والعذبة، فإن زاد فى العمامة قليلا لأجل حر أو برد فيسامح فيه. ثم قال بعد أن ذكر قوله: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٣»، فعليك بأن تتسرول قاعدا وتتعمم قائما. انتهى.
_________________
(١) ضعيف جدّا: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ١٣٢) وقال: رواه الطبرانى، وفيه عباد بن كثير، وثقه ابن معين، وضعفه غيره، وحرول بن حنفل ثقة، وقال ابن المدينى: له مناكير، وبقية رجاله ثقات. اه، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٥٣٠٩) .
(٢) رواه الطبرانى وأبو نعيم، كما فى «كشف الخفاء» للعجلونى (٩٢٢) .
(٣) سورة الحشر: ٧.
[ ٢ / ١٨٤ ]
ولم يكنﷺ- يطول أكمامه ويوسعها، بل كان كم قميصه إلى الرسغ، وهو منتهى الكف عند المفصل، لا يجاوز اليد فيشق على لابسه ويمنعه سرعة الحركة والبطش، ولا يقصرهﷺ- عن هذا فتبرز للحر والبرد، وقد روى عن أسماء بنت يزيد قالت: كان كم قميص رسول اللهﷺ- إلى الرسغ. رواه الترمذى.
وكان ذيل قميصه وردائه إلى أنصاف الساقين، لم يتجاوز الكعبين، فيؤذى الماشى ويجعله كالمقيد، ولم يقصر عن عضلة ساقيه، فيتأذى بالحر والبرد. أشار إليه فى زاد المعاد.
وأخرج الترمذى عن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتى تحدث عن عمها قال: بينا أنا أمشى بالمدينة إذا إنسان خلفى يقول: «ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى»، فإذا هو رسول اللهﷺ-، فقلت: يا رسول الله إنما هى بردة قال: «أما لك فى أسوة؟» فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه «١» .
وأخرج الطبرانى من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن عمر قال: رآنى النبىﷺ- أسبلت إزارى، فقال: «يا ابن عمر كل شىء لمس الأرض من الثياب فهو فى النار» «٢» . وفى البخارى من حديث أبى هريرة عن النبىﷺ- قال: «ما أسفل من الكعبين من الإزار فى النار» «٣» .
قال الخطابى: يريد أن الموضع الذى يناله الإزار من أسفل الكعبين فى النار، فكنى بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه: أن الذى دون الكعبين من القدم يعذب بالنار عقوبة. وحاصله أنه من باب تسمية الشىء باسم ما جاوره أو حل فيه، وتكون «من» بيانية.
_________________
(١) أخرجه النسائى فى «الكبرى» (٩٦٨٢ و٩٦٨٣)، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٣٦٤) .
(٢) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٢/ ٩٨)، والطبرانى فى «الكبير» (١٢/ ٣٨٧)، وانظر ما بعده.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٧٨٧) فى اللباس، باب: ما أسفل من الكعبين فهو فى النار.
[ ٢ / ١٨٥ ]
وللطبرانى من حديث عبد الله بن مغافل، رفعه: (إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين وليس عليه حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من ذلك ففى النار) «١» والإزرة: - بالكسر- الحالة وهيئة الائتزار مثل الركبة والجلسة.
واعلم طهر الله ثوبى وثوبك، ونزه سرى وسرك- أن هذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الذى ورد فيه الوعيد بالاتفاق.
وقد أخرج أصحاب السنن إلا الترمذى- واستغربه- وابن أبى شيبة من طريق عبد العزيز بن أبى رواد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبىﷺ- أنه قال: «الإسبال فى الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئا منها خيلاء» «٢» الحديث، فبين فى هذه الرواية أن الحكم ليس خاصّا بالإزار، وإن جاء فى أكثر طرق الأحاديث بلفظ الإزار. قال الطبرى: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار، لأن أكثر الناس فى عهده كانوا يلبسون الأزر والأردية، فلما لبس الناس القمص والدراريع كان حكمها حكم الإزار فى النهى.
قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب فإنه يشمل جميع ذلك، وفى تصوير جر العمامة نظر إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب من إرخاء العذبات، فمهما زاد على العادة فى ذلك كان من الإسبال.
وهل يدخل فى الزجر عن جر الثوب تطويل أكمام القميص ونحوه؟ محل نظر. والذى يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة كما يفعله بعض الحجازيين دخل فى ذلك. قال ابن القيم: وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال، التى هى كالآخراج، وعمائم كالأبراج، فلم يلبسهاﷺ- هو ولا أحد من أصحابه، وهى مخالفة لسنته، وفى جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء، انتهى. وقال صاحب «المدخل»: ولا يخفى على ذى بصيرة أن كم بعض من
_________________
(١) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ١٢٦) عن عبد الله بن مغافل وقال: رواه الطبرانى وفيه الحكم بن عبد الملك القرشى، وهو ضعيف.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٩٤) فى اللباس، باب: فى قدر موضع الإزار، والنسائى (٨/ ٢٠٨) فى الزينة، باب: إسبال الإزار، وابن ماجه (٣٥٧٦) فى اللباس، باب: طول القميص كم هو؟، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٧٧٠) .
[ ٢ / ١٨٦ ]
ينسب إلى العلم اليوم فيه إضاعة المال المنهى عنها، لأنه قد يفضل من ذلك الكم ثوب لغيره. انتهى. لكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك فى تحريمه، وما كان على طريق العادة، فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع منه. ونقل القاضى عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد فى اللباس من الطول والسعة.
وفى حديث أبى هريرة عند البخارى مرفوعا «بينما رجل يمشى تعجبه [نفسه] مرجل جمته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة» «١» . وفى الطبرانى وأبى داود «إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردة فتبختر فيها، فنظر الله إليه فمقته، فأمر الأرض فأخذته» «٢» .
وهذا الوعيد المذكور يتناول الرجال والنساء على هذا الفعل المخصوص، وقد فهمت ذلك أم سلمةرضي الله عنها-، فأخرج النسائى والترمذى- وصححه- من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: فقالت أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن فقال: يرخين شبرا فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه «٣» . وحاصل ما ذكر فى ذلك: أن للرجال حالين، حال استحباب: وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز: وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان: حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع، وأن الإسبال يكون فى الإزار والقميص والعمامة، وأنه لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٧٨٩) فى اللباس، باب: من جر ثوبه من الخيلاء، ومسلم (٢٠٨٨) فى اللباس، باب: تحريم التبختر فى المشى مع إعجابه بثيابه.
(٢) أخرجه الطبرانى فى الكبير عن أبى جوى الجهنى، كما فى «كنز العمال» (٧٧٨٨) .
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤١١٧) فى اللباس، باب: فى قدر الذيل، والترمذى (١٧٣١) فى اللباس، باب: ما جاء فى ذيول النساء، والنسائى (٨/ ٢٠٩) فى الزينة، باب: ذيول النساء، وأحمد فى «المسند» (٢/ ٥) و(٦/ ٢١٣ و٣٠٩)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٢ / ١٨٧ ]
للخيلاء، وإن كان لغيرها فهو مكروه للتنزيه. قال النووى: وظواهر الأحاديث فى تقييدها بالخيلاء يدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، قال:
وهذا نص الشافعى على الفرق كما ذكرنا انتهى.
تنبيه: قال العراقى فى شرح الترمذى: الذراع الذى رخص للنساء فيه، هل ابتداؤه من الحد الممنوع منه الرجال، وهو من الكعبين، أو من الحد المستحب وهو أنصاف الساقين، أو حده من أول ما يمس الأرض؟ الظاهر أن المراد الثالث: بدليل حديث أم سلمة الذى رواه أبو داود والنسائى- واللفظ له- وابن ماجه، قالت: سئل رسول اللهﷺ- كم تجر المرأة من ذيلها؟ قال «شبرا» قالت: إذا ينكشف عنها، قال: «فذراع لا تزيد عليه» «١» فظاهره: أن لها أن تجر على الأرض منه ذراعا. قال: والظاهر أن المراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران، لما فى سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: رخص رسول اللهﷺ- لأمهات المؤمنين شبرا، ثم استزدنه فزادهن شبرا. فدل على أن الذراع المأذون فيه شبران وهو الذراع الذى يقاس به الحصر اليوم. وإنما جاز ذلك للنساء لأجل الستر لأن المرأة كلها عورة إلا ما استثنى.
وقد كان لهﷺ- عمامة تسمى السحاب، ويلبس تحتها القلانس اللاطئة. والقلانس: جمع قلنسوة- بفتح القاف وسكون النون وضم المهملة وفتح الواو، وقد تبدل ياء تحتية، وقد تبدل ألفا وتفتح السين، يقال: قلنساة، وقد تحذف النون من هذه بعدها هاء تأنيث- غشاء مبطن يستر به الرأس، قاله الفراء فى شرح «الفصيح» . وقال ابن هشام: هى التى يقول لها العامة الشاشية، وفى «المحكم»: هى ملابس الرؤوس، معروفة، قال أبو هلال العسكرى: هى التى تغطى بها العمائم وتستر من الشمس والمطر، كأنها عنده رأس البرنس. انتهى.
وروى الترمذى عن جابررضي الله عنه- قال: (دخل النبىﷺ- مكة يوم
_________________
(١) صحيح: وهو ما قبله.
[ ٢ / ١٨٨ ]
الفتح وعليه عمامة سوداء) «١»، وفى رواية لأنس عند البخارى (دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر) «٢» وهو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء، زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس. ويجمع بينهما: بأن العمامة السوداء كانت فوق المغفر.
وجمع بينهما القاضى عياض: بأن أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر، بدليل قوله فى حديث عمرو بن حريث عن أبيه (خطب الناس وعليه عمامة سوداء) «٣» لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة. قال الولى بن العراقى: وهو أولى وأظهر فى الجمع من الأول. وقد تقدم نحو ذلك فى غزوة فتح مكة.
وعن ابن عمر قال: (كان النبىﷺ- إذا اعتم سدل) «٤» رواه الترمذى فى الشمائل، زاد مسلم (وقد أرخى طرفها بين كتفيه) . وقد روى أبو محمد ابن حيان «٥» فى كتاب «أخلاق النبىﷺ-» من حديث ابن عمر: كان رسول اللهﷺ- يعتم قال: يدير كور العمامة على رأسه ويغرسها من ورائه ويرخى لها ذؤابة بين كتفيه. وروى مسلم من حديث عمرو بن حريث قال:
(رأيت النبىﷺ- على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه) «٦» وعنده أيضا عن جابر، وقال: «دخل مكة وعليه عمامة سوداء» «٧» ولم يذكر فيه ذؤابة، فدل على أنه لم يكن يرخيها دائما بين كتفيه. لكن قد يقال: إن دخوله مكة كان وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه، فلبس فى كل موطن ما يناسبه.
وقال ابن القيم فى الهدى النبوى: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (١٣٥٨) فى الحج، باب: جواز دخول مكة بغير إحرام.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٣٥٩) فى الحج، باب: جواز دخول مكة بغير إحرام.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (١٨٤٦) فى الحج، باب: دخول الحرم ومكة بغير إحرام.
(٤) صحيح: أخرجه الترمذى (١٧٣٦) فى اللباس، باب: فى سدل العمامة بين الكتفين، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٦٧٦) .
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (١٣٥٩) من حديث عمرو بن الحريث المتقدم قبل حديث.
(٦) قلت: هو الحديث السابق.
(٧) صحيح: وقد تقدم قريبا.
[ ٢ / ١٨٩ ]
فى سبب الذؤابة شيئا بديعا: وهو أن النبىﷺ- إنما اتخذها صبيحة المنام الذى رآه بالمدينة لما رأى رب العزة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: لا أدرى، فوضع يده بين كتفى فعلمت ما بين السماء والأرض «١» .
الحديث وهو فى الترمذى، وسئل عنه البخارى فقال: صحيح. قال: فمن تلك الغداة أرخى الذؤابة بين كتفيه. قال: وهذا من العلم الذى تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم، قال: ولم أر هذه الفائدة فى شأن الذؤابة لغيره. انتهى.
وعبارة غير الهدى: وذكر ابن تيمية أنهﷺ- لما رأى ربه واضعا يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة. انتهى لكن قال العراقى بعد أن ذكره:
لم نجد لذلك أصلا. انتهى. وروى ابن أبى شيبة عن على قال: عممنى رسول اللهﷺ- بعمامة سدل طرفها على منكبى وقال: «إن الله أمدنى يوم بدر ويوم حنين بملائكة معممين هذه العمة» وقال: «إن العمامة حاجز بين المسلمين وبين المشركين» «٢» .
قال عبد الحق الإشبيلى: وسنة العمامة- بعد فعلها- أن يرخى طرفها ويتحنك به، فإن كانت بغير طرف ولا تحنيك فذلك يكره عند العلماء، واختلف فى وجه الكراهة، فقيل لمخالفة السنة فيها، وقيل: لأنها كذلك عمائم الشياطين. وجاءت الأحاديث فى إرسال طرفها على أنواع: منها ما تقدم أنه أرسل طرفها على منكب على، ومنها: أن عبد الرحمن بن عوف قال: عممنى رسول اللهﷺ- فسدلها بين يدى ومن خلفى «٣» . ذكره أبو داود. وعن ابن عباس أنه رأى النبىﷺ- وعليه عمامة دسماء أى سوداء.
رواه الترمذى.
وفى حديث ركانة أنهﷺ- قال: «إن فرق ما بيننا وبين المشركين
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٢٣٣) فى التفسير، باب: ومن سورة ص، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٢) أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى (١٠/ ١٤)، من حديث علىرضي الله عنه-.
(٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٠٧٩) فى اللباس، باب: فى العمائم، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
[ ٢ / ١٩٠ ]
العمائم على القلانس» «١» . رواه الترمذى أيضا. وعن أبى كبشة الأنمارى قال: كانت كمام أصحاب النبىﷺ- بطحا. رواه الترمذى أيضا. وفى رواية أكمة، وهما جمع كثرة وقلة، الكمة: القلنسوة، يعنى أنها كانت منبطحة غير منتصبة، وعن عائشة أن رسول اللهﷺ- كانت له كمة بيضاء، رواه الدمياطى. وكان أحب الثياب إليهﷺ- القميص، كما فى الشمائل للترمذى، من حديث أم سلمة قالت: (كان أحب الثياب إلى رسول اللهﷺ- القميص) «٢» . وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: أتيت رسول اللهﷺ- فى رهط من مزينة لنبايعه وإن قميصه لمطلق الأزرار- أو قال: زر قميصه مطلق- قال: فأدخلت يدى فى جيب قميصه فمسست الخاتم «٣» . رواه الترمذى.
وعن أنس قال: كان قميص رسول اللهﷺ- قطنا قصير الطول والكمين، رواه الدمياطى. وعن أنس بن مالك قال: كان أحب الثياب إلى رسول اللهﷺ- يلبسه الحبرة «٤» . رواه الترمذى. والحبرة: ضرب من البرود فيه حمرة. وعن أبى رمثة قال: رأيت رسول اللهﷺ- وعليه بردان أخضران «٥» رواه الترمذى. وعن عطاء عن أبى يعلى عن أبيه قال: رأيت
_________________
(١) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٠٧٨) فى اللباس، باب: العمائم، والترمذى (١٧٨٤) فى اللباس، باب: رقم (٤١)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٣٩٥٩) .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٢٥) فى اللباس، باب: ما جاء فى القميص، والترمذى (١٧٦٢) فى اللباس، باب: ما جاء فى القميص، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٦٢٥) .
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٨٢) فى اللباس، باب: فى حل الأزرار، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٤٣٤) و(٤/ ١٩) و(٥/ ٣٥)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨١٢ و٥٨١٣) فى اللباس، باب: البرود والحبرة والشملة، ومسلم (٢٠٧٩) فى اللباس والزينة، باب: فضل لباس ثياب الحبرة.
(٥) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٢٠٦) فى الترجل، باب: فى الخضاب، والترمذى (٢٨١٢) فى الأدب، باب: ما جاء فى الثوب الأخضر، والنسائى (٣/ ١٨٥) فى صلاة العيدين، باب: الزينة للخطبة للعيدين، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
[ ٢ / ١٩١ ]
رسول اللهﷺ- يطوف بالبيت مضطبعا ببرد أخضر «١» . رواه أبو داود.
وعن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه أن النبىﷺ- لبس جبة رومية ضيقة الكمين «٢» . رواه الترمذى. وعن أبى ذر: أتيت النبىﷺ- وعليه ثوب أبيض «٣» . رواه البخارى: وعن عائشة قالت: خرج رسول اللهﷺ- ذات غداة وعليه مرط شعر أسود «٤» . رواه الترمذى. وعن أنس قال كان رسول اللهﷺ- يلبس الصوف، وكان لهﷺ- كساء ملبد يلبسه ويقول:
«إنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد» «٥» رواه الشيخان.
فإن قلت قد علم من هذا، ومن سيرة السلف الصالح، بذاذة الهيئة ورثاثة الملابس، فما بال الشاذلية من الصوفية يجملون هياتهم وملابسهم، وطريقهم الاقتداء بالسنة الشريفة والسلف الصالح.
أجاب العارف الربانى على الوفائى، أذاقنا الله حلاوة مشربه، ومن خطه الكريم نقلت بما لفظه: ذلك لأنهم نظروا إلى المعانى والحكم. فوجدوا السلف الصالح لما وجدوا أهل الغافلة والشغل لدنياهم منهمكين على الزينة الظاهرة، تفاخرا بدنياهم واطمئنانا إليها وإشعارا بأنهم من أهلها، خالفوهم إظهارا لحقارة ما حقره الحق مما عظمه الغافلون بالغنى عما اطمأن إليه الغافلون؛ فكأن أطمارهم يومئذ تقول الحمد لله الذى أغنانا به عما أفقر نفسه إليه من همه دنياه. فلما طال الأمد وقست القلوب بنسيان ذلك المعنى، واتخذ الغافلون رثاثة الأطمار وبذاذة الهيئة حيلة على جلب دنياهم انعكس
_________________
(١) حسن: أخرجه أبو داود (١٨٨٣) فى المناسك، باب: الاضطباع فى الطواف، والبيهقى فى «السنن الكبرى» (٥/ ٧٩)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٢) صحيح: أخرجه الترمذى (١٧٦٨) فى اللباس، باب: ما جاء فى لبس الجبة والخفين، والنسائى (١/ ٨٣) فى الطهارة، باب: المسح على الخفين فى السفر، وابن ماجه (٣٥٦٣) فى اللباس، باب: لبس الصوف، والحديث أصله عند مسلم (٢٧٤) .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٢٧) فى اللباس، باب: الثياب البيض، ومسلم (٩٤) فى الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٨١) فى اللباس والزينة، باب: التواضع فى اللباس.
(٥) قلت: هو ليس فيهما، ولم أجده.
[ ٢ / ١٩٢ ]
الأمر، فصار مخالفة هؤلاء فى ذلك لله هو قول السلف وطريقتهم كما تقدم.
قال وقد أرشد الأستاذ أبو الحسن الشاذلى. قدس الله سره العزيز، إلى ذلك بقوله لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من أصحاب الرثاثة: يا هذا هيئتى هذه تقول: الحمد لله، وهيئتك هذه تقول: أعطونى شيئا من دنياكم. والقوم أفعالهم دائرة مع الحكمة الربانية مرادهم مرضاة ربهم. انتهى ما قاله سيدى على وفا.
وقد ورد فى الحديث الصحيح عنهﷺ-: «إن الله جميل يحب الجمال» «١» وفى الحديث الآخر «إن الله نظيف يحب النظافة» «٢» وفى السنن عن أبى الأحوص الجشمى عن أبيه قال: رآنى النبىﷺ- وعلى أطمار- وفى رواية النسائى: وعلى ثوب دون- فقال: «هل لك من مال؟» قلت:
نعم، قال: «من أى المال؟» قلت: من كل ما آتى الله من الإبل والشاء، قال:
«فكثر نعمته وكرامته عليك» «٣»، وفى رواية النسائى قال: «فإذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته» وفى حديث جابر أنهﷺ- رأى رجلا شعثا قد تفرق شعره فقال: «ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه»، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة فقال: «ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه» «٤» رواه أحمد.
وفى السنن: «إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» «٥» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٩١) فى الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، من حديث عبد الله ابن مسعودرضي الله عنه-.
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٧٩٩) فى الأدب، باب: ما جاء فى النظافة، من حديث سعدرضي الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (١٦١٦) .
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٦٣) فى اللباس، باب: فى غسل الثوب، والنسائى (٨/ ١٨٠) فى الزينة، باب: الجلاجل، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٤٧٣) و(٤/ ١٣٧)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٥٤) .
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٦٢) فى اللباس، باب: فى غسل الثوب، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٣٥٧)، وابن حبان فى «صحيحه» (٥٤٨٣)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٥) صحيح: وقد تقدم قبل حديث.
[ ٢ / ١٩٣ ]
فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده، فإنه من الجمال الذى يحبه، وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها، ولأجل محبته تعالى للجمال أنزل على عباده لباسا يجمل ظواهرهم، وتقوى تجمل بواطنهم فقال تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ «١» . وقال فى أهل الجنة: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا «٢» .
وهو سبحانه كما يحب الجمال فى الأقوال والأفعال واللباس والهيئة، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والهيئة، فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله. ولكن ضل فى هذا الموضع فريقان:
فريق قالوا: كل ما خلق الله تعالى جميل، فهو يحب كل ما خلقه، ونحن نحب جميع ما خلقه فلا نبغض منه شيئا، قالوا: ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة، واحتجوا بقوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ «٣» . وهؤلاء قد عدموا الغيرة لله من قلوبهم، والبغض فى الله، والمعاداة فيه، وإنكار المنكر وإقامة الحدود.
والفريق الثانى، قالوا: قد ذم الله جمال الصور، وتمام القامة والخلقة، فقال عن المنافقين وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ «٤» . وفى صحيح مسلم مرفوعا «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» «٥»، قالوا: وقد حرم الله علينا لباس الحرير والذهب، وآنية الذهب والفضة، وذلك من أعظم جمال الدنيا. وقال تعالى: وَلا تَمُدَّنَ
_________________
(١) سورة الأعراف: ٢٦.
(٢) سورة الإنسان: ١١، ١٢.
(٣) سورة السجدة: ٧.
(٤) سورة المنافقون: ٤.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٢٥٦٤) فى البر والصلة، باب: تحريم ظلم الإنسان وخذله واحتقاره، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
[ ٢ / ١٩٤ ]
عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ «١» . وفى الحديث «البذاذة من الإيمان» «٢» وقد ذم الله المسرفين، والسرف كما يكون فى الطعام والشراب يكون فى اللباس.
وفصل النزاع أن يقال: الجمال فى الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع:
منه ما يحمد، ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم.
فالمحمود منه، ما كان لله وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له، كما كان النبىﷺ- يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير فى الحرب والخيلاء فيه، فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه.
والمذموم منه: ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء، وأن يكون من هو غاية العبد وأقصى مطلبه، فإن كثيرا من الناس ليس له همة فى سوى ذلك.
وأما ما لا يحمد ولا يذم فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرد عن الوصفين. والمقصود من هذا الحديث أن الله تعالى يحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه فى لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والشعور المكروهة، والختان وتقليم الأظافر وغير ذلك مما وردت به السنة، والله أعلم.
وعن جابر بن سمرة قال: رأيت النبىﷺ- فى ليلة مقمرة أضحيان، فجعلت أنظر إليهﷺ- وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فإذا هو أحسن عندى من القمر «٣» . رواه الدارمى والترمذى: وعن عون بن أبى جحيفة عن
_________________
(١) سورة طه: ١٣١.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤١٦١) فى الترجل، باب: رقم (١)، وابن ماجه (٤١١٨) فى الزهد، باب: من لا يؤبه له، والحاكم فى «المستدرك» (١/ ٥١)، من حديث أبى أمامةرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٨٧٩) .
(٣) صحيح: وقد تقدم.
[ ٢ / ١٩٥ ]
أبيه قال: رأيت النبىﷺ- وعليه حلة حمراء كأننى أنظر إلى بريق ساقيه «١» . قال سفيان: أراه حبرة. وعن البراء بن عازب قال: ما رأيت أحدا من الناس أحسن فى حلة حمراء من رسول اللهﷺ- «٢» . رواهما الترمذى.
وفى البخارى ومسلم: رأيته فى حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه.
وفى رواية لأبى داود ما رأيت من ذى لمة فى حلة حمراء أحسن من رسول اللهﷺ- «٣» . وقوله: من ذى لمة: - بكسر اللام- أى شعر الرأس، دون الجمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا زادت فهى الجمة.
وفى النسائى: ما رأيت رجلا أحسن فى حلة حمراء من رسول اللهﷺ-. قال فى القاموس: الحلة- بالضم- إزار ورداء، برد أو غيره، ولا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة.
قال ابن القيم: وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتا، ولا يخالطها غيرها، وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمانية، وهى معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط، وإلا فالأحمر البحت ينهى عنه أشد النهى، وفى صحيح البخارى: (أنهﷺ- نهى عن المياثر الحمر) «٤» وفى صحيح مسلم عن ابن عمر قال: (رأى النبىﷺ- على ثوبين معصفرين فقال: «إن هذا لباس الكفار فلا تلبسهما» «٥» ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صباغا أحمر. قال: وفى جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرهما نظر، وأما كراهته فشديدة، فكيف يظن النبىﷺ- أنه لبس الأحمر القانى، كلا لقد أعاذه الله منه، وإنما وقعت الشبهة من لفظ الحلة الحمراء والله أعلم. انتهى.
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٤٩) فى اللباس، باب: الميثرة الحمراء، من حديث البراءرضي الله عنه-.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٧٧) فى اللباس، باب: النهى عن لبس الرجل الثوب المعصفر.
[ ٢ / ١٩٦ ]
وقال النووى: اختلف العلماء فى الثياب المعصفرة، وهى المصبوغة بعصفر فأباحها جميع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الإمام الشافعى وأبو حنيفة ومالك، ولكنه قال: غيرها أفضل منها. وفى رواية عنه أنه أجاز لبسها فى البيوت وأفنية الدور وكرهه فى المحافل والأسواق وغيرها.
وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهى على هذا، لأنه ثبت أنهﷺ- لبس حلة حمراء، وفى الصحيحين من حديث ابن عمر أنهﷺ- صبغ بالصفرة، وحمل بعضهم النهى على المحرم بالحج أو العمرة.
وقد أتقن البيهقى المسألة فى «معرفة السنن» فقال: نهى الشافعى الرجل عن المزعفر، وأباح له المعصفر، قال الشافعى: وإنما رخصت فى المعصفر لأنى لم أجد أحدا يحكى عنهﷺ- النهى عنه، إلا ما قال علىرضي الله عنه- أنهﷺ- نهانى ولا أقول نهاكم. قال البيهقى: وقد جاءت أحاديث تدل على أن النهى على العموم، ثم ذكر حديث مسلم «أن هذه من لباس الكفار» وأحاديث غيرها، ثم قال: ولو بلغت هذه الأحاديث الشافعى لقال بها إن شاء الله تعالى، ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعى أنه قال: إذا صح الحديث بخلاف قولى فاعملوا بالحديث ودعوا قولى. وفى رواية: مذهبى.
قال البيهقى: قال الشافعى: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر وآمره إذا تزعفر أن يغسله، قال البيهقى: فتبع السنة فى المزعفر فمتابعتها فى المعصفر أولى به، انتهى.
ورأيت فى فتاوى شيخنا العلامة قاسم أحد أئمة الحنفية ومحققيها كراهته للتحريم مع صحة الصلاة فيه، واستدل له بما ذكرته، وبما فى حديث طاووس عند الحاكم وقال على شرطهما عن ابن عمرو بن العاص قال:
دخلت على النبىﷺ- وعلى ثوب معصفر، قال: «من أين لك هذا؟» قال: صنعته لى أهلى فقالﷺ-: «احرقه» «١» انتهى.
_________________
(١) قلت: هو عند أبى داود (٤٠٦٨) فى اللباس، باب: فى الحمرة، ولكن الحرق من فعل عبد الله بن عمرو لا من قولهﷺ-، بل قال له لما علم بفعله: «أفلا كسوته بعض أهلك» .
[ ٢ / ١٩٧ ]
وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول اللهﷺ- يلبس برده الأحمر فى العيدين والجمعة «١»، وعن يحيى بن عبد الله بن مالك قال: كان رسول اللهﷺ- يصبغ ثيابه بالزعفران قميصه ورداءه وعمامته. رواهما الدمياطى.
وهو عند أبى داود بلفظ: يصبغ بالورس والزعفران ثيابه حتى عمامته «٢»، وكذا رواه من حديث زيد بن أسلم وأم سلمة وابن عمر، لكن يعارضه ما فى الصحيح أنهﷺ- نهى عن التزعفر والله أعلم.
وأما صفة إزارهﷺ-، فعن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى قال:
أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا فقالت: قبض رسول اللهﷺ- فى هذين «٣»، رواه البخارى، وفى رواية: إزارا غليظا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه التى تدعونها الملبدة، وفى رواية: كساء ملبدا. قال ابن الأثير: أى مرقعا، يقال: لبدت القميص ألبده، ولبدته، ويقال للخرقة التى يرقع بها صدر القميص. اللبدة: وقيل الملبد: الذى ثخن وسطه وصفق حتى صار يشبه اللبد.
وروى مسلم من حديث عائشة قالت: خرج رسول اللهﷺ- ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود «٤» والمرط: - بكسر الميم وإسكان الراء- كساء من صوف أو خز، يؤتزر به. والمرحل: بتشديد الحاء المهملة المفتوحة، كمعظم، هو الذى فيه صور الرحال، قال فى القاموس فى مادة ر ح ل: وك «معظم»: برد فيه تصاوير رحل، قال: وتفسير الجوهرى إياه بإزار خز فيه علم، غير جيد، إنما ذلك تفسير المرجل- بالجيم-، وقال فى مادة ر ج ل- يعنى الجيم-: وبرد مرجل كمعظم، فيه صور الرجال، انتهى.
_________________
(١) ضعيف: أخرجه البيهقى، كما فى «ضعيف الجامع» (٤٦٢٠) .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٦٤) فى اللباس، باب: فى المصبوغ بالصفرة، والنسائى (٨/ ١٤٠) فى الزينة، باب: الخضاب بالصفرة، والحديث صحح إسناده الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨١٨) فى اللباس، باب: الأكسية والخمائص، ومسلم (٢٠٨٠) فى اللباس والزينة، باب: التواضع فى اللباس.
(٤) صحيح: وقد تقدم.
[ ٢ / ١٩٨ ]
وقال النووى: والصواب الذى رواه الجمهور، وضبطه المتقنون: بالحاء المهملة، أى عليه صور رحال الإبل، ولا بأس بهذه الصورة، وإنما يحرم تصوير الحيوان. وقال الخطابى، المرحل، الذى فيه خطوط والله أعلم.
وعن عروة: أن طول رداء النبىﷺ- أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر وعن عروة أيضا: أن ثوب رسول اللهﷺ- الذى كان يخرج فيه إلى الوفد رداء أخضر فى طول أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر. وعن معن بن عيسى قال: حدثنا محمد بن هلال قال: رأيت على هشام بن عبد الملك برد النبىﷺ- من حبرة له حاشيتان. وعن ابن عمر قال: دخلت على رسول اللهﷺ- وعليه إزار يتقعقع. وعن يزيد بن أبى حبيب أنهﷺ- كان يرخى الإزار بين يديه ويرفعه من ورائه. وعن ابن عباس قال: رأيت رسول اللهﷺ- يأتزر تحت سرته وتبدو سرته، ورأيت عمر يأتزر فوق سرته، رواها كلها الدمياطى.
(فصل) وعن أسماء بنت أبى بكر، أنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان بالديباج، وقالت: هذه جبة رسول اللهﷺ-، كانت عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النبىﷺ- يلبسها فنحن نغسلها للمرضى نستشفى بها «١» . رواه مسلم. وقوله:
جبة طيالسة: بإضافة جبة إلى طيالسة. وكسروانية: بكسر الكاف وفتحها، والسين ساكنة والراء مفتوحة، نسبة إلى كسرى ملك الفرس. ولبنة: بكسر اللام وإسكان الباء، رقعة فى جيب القميص.
وفيه: جواز لبس ما له فرجان وأنه لا كراهة فيه، وأن المراد بالنهى عن الحرير المتحمض منه، أو ما أكثره منه، وأنه ليس المراد تحريم كل جزء منه، بخلاف الخمر والذهب فإنه يحرم كل جزء منهما، قاله النووى.
(لطيفة) قيل: لما كان رسول اللهﷺ- لا يبدو منه إلا طيب، كان آية
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٦٩) فى اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء.
[ ٢ / ١٩٩ ]
ذلك فى بدنه الشريف أنه لا يتسخ له ثوب، فما اتسخ له ثوب قط، وقال ابن سبع فى «الشفاء» والسبتى فى «أعذب الموارد وأطيب الموالد»: لم يكن القمل يؤذيه تعظيما له وتكريماﷺ- لكن يشكل عليه ما رواه أحمد والترمذى فى الشمائل عن عائشةرضي الله عنها-: كان رسول اللهﷺ- يفلى ثوبه ويحلب شاته «١»، ومن لازم التفلى وجود شىء يؤذى فى الجملة، إما قملا أو برغوثا أو نحو ذلك. ويمكن أن يجاب: بأن التفلى لاستقذار وجود ما علق بثوبه الشريف من غيره، ولو لم يحصل منه أذى فى حقهﷺ-، وهذا فيه بحث، لأن أذى القمل هو غذاؤه من البدن على ما أجرى الله العادة، وإذا امتنع الغذاء لا يعيش الحيوان عادة. ونقل الفخر الرازى: أن الذباب لا يقع على ثيابه قط، وأنه لا يمتص دمه البعوض.
وأما الطيلسان- وهو بفتح اللام، واحدة الطيالسة، والهاء فى الجمع للعجمة لأنه فارسى معرب، وهو الساج أيضا، وقال ابن خالويه فى شرح «الفصيح» يقال للطيلسان الأخضر: الساج، وفى «المجمل» لابن فارس:
الطاق الطيلسان- فقال ابن القيم: لم ينقل عنهﷺ- أنه لبسه، ولا أحد من أصحابه، بل ثبت فى صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان عن النبىﷺ- أنه ذكر الدجال فقال: «يخرج معه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة» «٢» ورأى أنس جماعة عليهم الطيالسة فقال: ما أشبههم بيهود خيبر.
قال: ومن هاهنا كرهه جماعة من السلف والخلف، لما روى أبو داود والحاكم فى المستدرك أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» «٣» وفى الترمذى:
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو نعيم فى الحلية، كما فى «صحيح الجامع» (٤٩٩٦) .
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٩٤٤) فى الفتن وأشراط الساعة، باب: فى بقية من أحاديث الدجال، من حديث أنس، وليس عن النواس بن سمعانرضي الله عنهم-.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٣١) فى اللباس، باب: فى لبس الشهرة، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٦١٤٩) .
[ ٢ / ٢٠٠ ]
«ليس منا من تشبه بغيرنا» «١» وأما ما جاء فى حديث الهجرة أنهﷺ- جاء إلى أبى بكررضي الله عنه- متقنعا بالهاجرة، فإنما فعلهﷺ- تلك الساعة ليختفى بذلك للحاجة، ولم يكن عادته التقنع. وقد ذكر أنس عنهﷺ- أنه كان يكثر القناع «٢» . وهذا إنما كان يفعله للحاجة من الحر ونحوه. قال شيخ الإسلام الولى بن العراقى فى شرح تقريب [الأسانيد:] التقنع معروف وهو تغطية الرأس بطرف العمامة أو برداء أو نحو ذلك. انتهى. وقال ابن الحاج فى «المدخل»: وأما قناع الرجل فهو أن يغطى رأسه بردائه ويرد طرفه على أحد كتفيه. انتهى.
وأما قول ابن القيم: إنهﷺ- إنما فعل ذلك للحاجة، فيرد عليه حديث سهل بن سعد أنهﷺ- كان يكثر القناع. رواه البيهقى فى الشعب والترمذى. وللبيهقى فى الشعب أيضا وابن سعد فى طبقاته من حديث أنس بلفظ: يكثر التقنع، فهذا وما أشبهه يرد قول ابن القيم: أنه لم ينقل عنه أنهﷺ- لبسه.
وأما قوله: ولا أحد من أصحابه، فيرده ما أخرجه الحاكم فى المستدرك، بسند على شرط الشيخين عن مرة بن كعب قال: سمعت رسول اللهﷺ- يذكر فتنة فقربها، فمر رجل مقنع فى ثوب، فقال: «هذا يومئذ على الهدى»، فقمت فإذا هو عثمان بن عفانرضي الله عنه- «٣» . وأخرج سعيد بن منصور فى سننه عن أبى العلاء قال: رأيت الحسن بن على يصلى وهو مقنع
_________________
(١) حسن: أخرجه الترمذى (٢٦٩٥) فى الاستئذان، باب: فى كراهية إشارة اليد فى السلام، من حديث ابن عمرورضي الله عنهما-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٥٠٤٣٤) .
(٢) ضعيف: أخرجه الترمذى فى «الشمائل» (ص ٣٢)، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (٤٦٠١) .
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (٣٧٠٤) فى المناقب، باب: فى مناقب عثمان بن عفانرضي الله عنه-، وابن ماجه (١١١) فى المقدمة، باب: فضل عثمانرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
[ ٢ / ٢٠١ ]
رأسه، وأخرج ابن سعد عن سليمان بن المغيرة قال: رأيت الحسن يلبس الطيالسة، وأخرج عن عمارة بن زاذان قال: رأيت على الحسن طيلسانا أندقيّا.
وأما ما ذكره ابن القيم من قصة اليهود، فقال الحافظ ابن حجر: إنما يصلح الاستدلال به فى الوقت الذى تكون الطيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلك فى هذه الأزمنة فصار ذلك داخلا فى عموم المباح، وقد ذكره ابن عبد السلام فى أمثلة البدعة المباحة. وقد يصير من شعار قوم فيكون تركه من الإخلال بالمروءة. وقيل: إنما أنكر أنس ألوان الطيالسة لأنها كانت صفراء.
والله أعلم.
وأما الخاتم ففى الصحيحين عن ابن عمر أن رسول اللهﷺ- اتخذ خاتما من ورق، فكان فى يده، ثم كان فى يد أبى بكر، ثم كان فى يد عمر، ثم كان فى يد عثمان حتى وقع فى بئر أريس «١» . وفيهما أيضا عن أنس بن مالك أن النبىﷺ- لبس خاتم فضة فيه فص حبشى، وكان يجعل فصه مما يلى كفه. وأخرج أحمد والنسائى والترمذى والبزار فى مسنده عن بريدة أن النبىﷺ- رأى فى يد رجل خاتما من حديد، فقال: «ما لى أجد منك ريح الأصنام»، ثم قال له: «اتخذه من فضة ولا تزد على مثقال» «٢» .
وقد اختلف العلماء فى لبسه فى الجملة، فأباحه كثير من أهل العلم من غير كراهة، ومنهم من كرهه إذا قصد به الزينة، ومنهم من كرهه إلا لذى سلطان، لحديث أبى داود والنسائى عن أبى ريحانة أن النبىﷺ- نهى عن لبس الخاتم إلا لذى سلطان. ولأنهﷺ- إنما اتخذه لحاجة ختم الكتب التى
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٦٦) فى اللباس، باب: خاتم الفضة، ومسلم (٢٠٩١) فى اللباس والزينة، باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال.
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٢٢٣) فى الخاتم، باب: ما جاء فى خاتم الحديد، والترمذى (١٧٨٥) فى اللباس، باب: ما جاء فى الخاتم الحديد، والنسائى (٨/ ١٧٢) فى الزينة، باب: مقدار ما يجعل فى الخاتم من الفضة، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
[ ٢ / ٢٠٢ ]
يبعثها إلى الملوك، كما فى حديث أنس أنهﷺ- كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشى فقيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا بختم فصاغ خاتما ونقش فيه:
محمد رسول الله، وإنما لبسه أبو بكررضي الله عنه- لأجل ولايته، فإنه كان يحتاج إليه كما كانﷺ- يحتاج إليه وكذلك عمر وعثمان.
وحكى ابن عبد البر عن طائفة من العلماء كراهة لبسه مطلقا، احتجاجا بحديث أنس أنهﷺ- نبذه ولم يلبسه. وفى الشمائل للترمذى عن ابن عمر أنهﷺ- اتخذ خاتما من فضة فكان يختم به ولا يلبسه. وفى الصحيحين من حديث أنس أنه رأى فى يدهﷺ- خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها، فطرح رسول اللهﷺ- خاتمه فطرح الناس خواتيمهم.
والصواب: القول الأول، فإن لبس النبىﷺ- الخاتم إنما كان فى الأصل لأجل المصلحة لختم الكتب التى يرسلها إلى الملوك، ثم استدام لبسه ولبسه أصحابه معه، ولم ينكره عليهم، بل أقرهم عليه، فدل ذلك على الإباحة المجردة. وأما حديث النهى عن الخاتم إلا لذى سلطان فقال ابن رجب: ذكر بعض أصحابنا أن أحمد ضعفه. وأما ما جاء فى حديث الزهرى عن أنس أنهﷺ- لبسه يوما واحدا ثم ألقاه. فقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه وهم من الزهرى، وسهو جرى على لسانه لفظ الورق، وإنما الذى لبسه يوما واحدا ثم ألقاه كان من ذهب، كما ثبت ذلك من غير وجه فى حديث ابن عمر وأنس أيضا.
الثانى: أن الخاتم الذى رمى بهﷺ- لم يكن كله فضة، وإنما كان حديدا عليه فضة، وروى أبو داود عن معيقيب الصحابى- وكان على خاتم النبىﷺ- قال: كان خاتم النبىﷺ- من حديد ملوى عليه فضة.
فلعل هذا هو الذى لبسه يوما واحدا ثم طرحه، ولعله هو الذى كان يختم به ولا يلبسه.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
الثالث: إن طرحه إنما كان لئلا يظن أنه سنة مسنونة، فإنهم اتخذوا الخواتيم لما رأوه قد لبسه فتبين بطرحه أنه ليس بمشروع ولا سنة.
ثم إن الخاتم قد يكون تارة من ذهب، وتارة من فضة، وتارة يكون من حديد، وتارة من صفر أو رصاص أو نحوها، وتارة من عقيق.
* فأما الذهب ففى الصحيحين عن البراء بن عازب قال: (نهانا رسول اللهﷺ- عن خاتم الذهب وآنية الفضة) «١» . وفيهما عن أبى هريرة عنهﷺ-: (أنه نهى عن خاتم الذهب) «٢»، وفيهما أيضا عن ابن عمر أنهﷺ- اتخذ خاتما من ذهب فجعله فى يمينه وجعل فصه مما يلى باطن كفه، فاتخذ الناس خواتيم الذهب. قال: فصعد رسول اللهﷺ- المنبر فألقاه ونهى عن التختم بالذهب) «٣» .
وهو مذهب الأئمة الأربعة: مالك والشافعى وأبى حنيفة وأحمد وأكثر العلماء.
ورخصت فيه طائفة منهم إسحاق بن راهواه وقال: مات خمسة من أصحابهﷺ- خواتيمهم من ذهب. قال مصعب بن سعد: رأيت على طلحة وسعد وصهيب خواتيم من ذهب. وعن حمزة بن أبى أسيد والزبير بن المنذر بن أبى أسيد أنهما نزعا من يد أبى أسيد خاتما من ذهب حين مات، وكان بدريّا، رواهما البخارى فى تاريخه. وروى النسائى عن سعيد بن المسيب قال: قال عثمان لصهيب ما لى أرى عليك خاتم الذهب فقال: قد رآه من هو خير منك فلم يعبه، قال: من هو؟ قال: رسول اللهﷺ-.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥١٧٥) فى النكاح، باب: حق إجابة الوليمة، ومسلم (٢٠٦٦) فى اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٦٤) فى اللباس، باب: خواتيم الذهب، ومسلم (٢٠٨٩) فى اللباس والزينة، باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٦٦) فى اللباس، باب: خاتم الفضة، ومسلم (٢٠٩١) فى اللباس والزينة، باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
* وأما خاتم الفضة، فأباحه كثير من العلماء، ولبسهﷺ- وجماعة من أصحابه. قال الرافعى: يجوز للرجل التختم بالفضة، وكذا قال النووى فى الروضة وغيرها، وكتب أصحابنا طافحة بجوازه. وروى أبو داود وصححه ابن حبان، من حديث بريدة بن الحصيب أن النبىﷺ- قال للابس خاتم الحديد: «ما لى أرى عليك حلية أهل النار»، فطرحه وقال: يا رسول الله، من أى شىء أتخذه؟ قال: «من ورق ولا تتمه مثقالا» «١» .
وأخرجه أيضا النسائى والترمذى وقال: غريب. وأخرجه أحمد وأبو يعلى فى مسنديهما والضياء فى المختارة مما ليس فى الصحيحين ورجاله رجال الصحيحين إلا عبد الله بن مسلم المعروف بأبى طيبة، وهو محدث مشهور، وتصحيح ابن حبان لحديثه دال على قبوله، فأقل أحواله أن يكون من درجة الحسن.
والأصل فى النهى كونه للتحريم، ولأن الأصل فى استعمال الفضة للرجال التحريم إلا ما رخص فيه، فإذا حد فيه حد وجب الوقوف عنده، وبقى ما عداه على الأصل. وقد قال ابن الرفعة فى باب ما يكره لبسه فى «الكفاية»: وينبغى أن ينقص وزنه عن مثقال. لأن رسول اللهﷺ- رأى رجلا، وساق الحديث. وقوله ينبغى، يصلح للوجوب وغيره، وحمله عليه أولى، لأنه ساق الحديث مساق الاحتجاج لهذا الحكم، فلا يصرف النهى عن حقيقته إلا بصارف.
وظاهر صنيع ابن الملقن فى شرح منهاج النووى يقتضيه، فإنه قال فى زكاة النقد: فرع فى أبى داود وصحيح ابن حبان من حديث بريدة أنهﷺ- قال لذلك الرجل: فذكر الحديث فساقه سوق الفروع التى لا خلاف فيها بين الأصحاب، وظاهر ذلك تحريم المثقال.
وفى «القوت» للأذرعى: لم يتعرض أصحابنا لمقدار الخاتم ولعلهم
_________________
(١) ضعيف: وقد تقدم قريبا من حديث بريدة قبل حديثين.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
اكتفوا بالعرف، فما خرج عنه كان إسرافا كما قالوا فى الخلخال للمرأة ونحوه، والصواب الضبط بما نص عليه فى الحديث وليس فى كلامهم ما يخالفه، هذا لفظه. وهو يشير إلى هذا الحديث.
وكذا مشى عليه ابن العماد فى التعقيبات وعبارته: وإذا جاز لبس الخاتم فشرطه أن لا يبلغ به مثقالا للحديث. انتهى. لكن قال الحافظ العراقى فى شرح الترمذى: إن النهى فى قوله: «ولا تتمه مثقالا» محمول على التنزيه، فيكره أن يبلغ به وزن مثقال. قال: وفى رواية لأبى داود، فى رواية صاحب المعالم: «ولا تتمه مثقالا ولا قيمة مثقال» وليست هذه الزيادة فى رواية اللؤلؤى. ومعنى هذه الزيادة أنه ربما وصل الخاتم بالنفاسة فى صنعته إلى أن يكون قيمة مثقال فهو داخل فى النهى أيضا. انتهى. وقد أفتى العلامة السراج العبادى بأنه يجوز أن يبلغ به مثقالا وأن ما زاد عليه حرام.
* وأما خاتم الحديد، فأخرج أبو داود فى الخاتم من سننه، والبيهقى في شعب الإيمان والأدب وغيرهما من تصانيفه من طريقه، والنسائى فى الزينة من سننه، وابن حبان فى صحيحه: أن رجلا جاء إلى النبىﷺ- وعليه خاتم من شبه- وهو بفتح المعجمة والموحدة، وبإسكانها وكسر المعجمة، نوع من النحاس كانت الأصنام تتخذ منه، وسمى بذلك لشبهه بالذهب لونا- فقال: «ما لى أجد منك ريح الأصنام»، فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: «ما لى أرى عليك حلية أهل النار فطرحه» «١» وأخرجه الترمذى لكنه قال: من صفر بدل من شبه، وهما بمعنى. قال النووى فى شرح المهذب: قال صاحب الإبانة: يكره الخاتم من حديد أو شبه، وتابعه صاحب البيان فقال: يكره الخاتم من حديد أو نحاس أو رصاص لحديث بريدة.
وقال صاحب التتمة: لا يكره الخاتم من حديد أو رصاص لحديث
_________________
(١) ضعيف: وهو الحديث السابق.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الصحيحين: أن رسول اللهﷺ- قال للذى خطب الواهبة نفسها: «اطلب ولو خاتما من حديد» «١» قال: ولو كان فيه كراهة لم يأذن فيه.
وفى سنن أبى داود بإسناد جيد عن معيقيب الصحابى: كان خاتمهﷺ- من حديد ملوى عليه فضة «٢» . والمختار: أنه لا يكره لهذين الحديثين. وقال فى شرح مسلم فى الكلام على حديث المرأة الواهبة نفسها:
وفى هذا الحديث جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف حكاه القاضى، ولأصحابنا فى كراهته وجهان أصحهما لا يكره لأن الحديث فى النهى عنه ضعيف. انتهى. ولعل تضعيف النووى للحديث إنما هو بالنسبة إلى مقاومة حديث سهل بن سعد فى الصحيحين وغيرهما فى قصة الواهبة نفسها لا مطلقا، كيف وله فى ذلك شواهد عدة، إن لم ترقه إلى درجة الصحة لم تدعه ينزل عن درجة الحسن.
* وأما خاتم العقيق: فعن أنس أن رسول اللهﷺ- قال: «تختموا بالعقيق، واليمين أحق بالزينة» «٣» وفى سنده مجهول، وروى بلفظ تختموا بالعقيق فإنه ينفى الفقر. وروى يعقوب بن إبراهيم عن عائشة مرفوعا:
«تختموا بالعقيق فإنه مبارك» «٤» ويعقوب متروك. وروى أبو بكر بن شعيب عن فاطمةرضي الله عنها- مرفوعا: «من تختم بالعقيق لم يزل يرى خيرا» «٥» وهذا أيضا لا يثبت.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٠٢٩) فى فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، ومسلم (١٤٢٥) فى النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد، من حديث سهل بن سعدرضي الله عنه-.
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٢٢٤) فى الخاتم، باب: ما جاء فى خاتم الحديد، والنسائى (٨/ ١٧٥) فى الزينة، باب: لبس خاتم حديد ملوى عليه بفضة، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن النسائى» .
(٣) موضوع: أخرجه ابن عدى عن أنس، كما فى «ضعيف الجامع» (٢٤١١) .
(٤) موضوع: أخرجه العقيلى فى الضعفاء، وابن لال فى مكارم الأخلاق، والحاكم فى تاريخه، والبيهقى فى «شعب الإيمان»، والخطيب فى التاريخ، وابن عساكر، والديلمى فى مسند الفردوس عن عائشة، كما فى «ضعيف الجامع» (٢٤١٠) .
(٥) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٥/ ١٥٤) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وعمرو بن الشريد لم يسمع من فاطمة، وزهير بن عباد الرواسى وثقه أبو حاتم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وكذا ورد فيه أحاديث غير هذه، وكلها كما قال الحافظ ابن رجب لا تثبت، وقال العقيلى: لا يصح فى التختم بالعقيق عن النبىﷺ- شىء.
وروى ابن فنجويه فى كتاب الخواتيم له بإسناد ضعيف عن على مرفوعا: «من تختم بالياقوت الأصفر منع الطاعون» «١»، وإسناده ضعيف.
وأما فص خاتمهﷺ-، فروى أنس أن النبىﷺ- اتخذ خاتما من فضة، فصه منه «٢» . أخرجه البخارى وغيره. وفى صحيح مسلم أن خاتمهﷺ- كان فصه حبشيّا «٣» . قال النووى: قال العلماء: يعنى حجرا حبشيّا، أى فصا من جزع أو عقيق، فإن معدنهما بالحبشة واليمن. انتهى، فإن صح أنهم كانوا يعنون بالحبشى العقيق فيكون له خاتمان: أحدهما فصه عقيق، والآخر فصه فضة، وفى شرح مسلم للنووى حكاية أنهﷺ- كان له فى وقت خاتم فصه منه، قال: وفى حديث آخر فصه من عقيق، انتهى.
لكن لم يرو عنهﷺ- أنه لبس خاتما كله عقيقا.
وأما نقش خاتمهﷺ-، ففى صحيح مسلم (عن أنس أن النبىﷺ- صنع خاتما من ورق نقش فيه: محمد رسول الله. وقال للناس: «إنى اتخذت خاتما من فضة ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا ينقش أحد على نقشه» «٤» .
قال الترمذى: معنى قوله: «لا تنقشوا عليه» نهى أن ينقش أحد على خاتمه: محمد رسول الله. وفى رواية للنسائى: (اتخذ خاتما من ورق فصه
_________________
(١) ضعيف: أخرجه ابن زنجويه فى كتاب الخواتيم عن على وسنده ضعيف، كما فى «كنز العمال» (١٧٢٩٨) .
(٢) لم أقف على رواية «فصه منه» وهى عند الترمذى (١٧٤٠) فى اللباس.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٩٤) فى اللباس والزينة، باب: فى خاتم الورق فصه حبشى.
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٧٧) فى اللباس، باب: قول النبىﷺ-: «لا ينقش على نقش خاتمه»، ومسلم (٢٠٩٢) فى اللباس والزينة، باب: لبس النبىﷺ- خاتما من ورق نقشه محمد رسول الله.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
حبشى، ونقش فيه: محمد رسول الله) «١» . وفى رواية البخارى والترمذى (وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر) «٢» .
قال فى فتح البارى: ظاهره أنه لم يكن فيه زيادة على ذلك، وأنه كان على هذا الترتيب، لكن لم تكن كتابته على الترتيب العادى، فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به تقتضى أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويا، وأما قول بعض الشيوخ أن كتابته كانت من فوق يعنى الجلالة أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد أسفلها، فلم أر التصريح بذلك فى شىء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلى يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال: محمد سطر، والسطر الثانى رسول، والسطر الثالث: الله.
وعن ابن عمر أنهﷺ- كان يلبس خاتمه فى يمينه، فلما قبض صار فى يد أبى بكر فى يمينه، فلما قبض صار فى يد عمر فى يمينه، ثم صار فى يد عثمان فى يمينه، ثم ذهب يوم الدار عليه: «لا إله إلا الله» . رواه بركة بن محمد الحلبى، كما حكاه ابن رجب فى كتاب الخواتيم، ثم قال: وهى رواية ساقطة جدّا، فإن بركة مذكور بالكذب، وفى لفظه ما يدل على بطلانه، وهو قوله: ذهب يوم الدار عليه: لا إله إلا الله، فإنه إنما سقط فى بئر أريس قبل يوم الدار، وقد عاش عثمان بعده مدة واتخذ له خاتما عوضه، وإنما كان نقشه، محمد رسول الله لا كلمة الإخلاص. انتهى.
تنبيه: قال شيخ الإسلام الشرف المناوى: وتحصل السنة بلبس الخاتم مطلقا، ولو مستعارا أو مستأجرا، لكن الأوفق للسنة لبسه بالملك، والاستدامة على ذلك، ويجوز تعداد الخواتيم اتخاذا، وأما الاستعمال فمفهوم كلام الرافعى عدم الجواز، وبه صرح المحب الطبرى فقال: المتجه أنه لا يجوز
_________________
(١) صحيح: أخرجه النسائى (٨/ ١٧٢) فى الزينة، باب: صفة خاتم النبىﷺ-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣١٠٦) فى الخمس، باب: ما ذكر فى درع النبىﷺ- وعصاه وقدحه وخاتمه، والترمذى (١٧٤٧ و١٧٤٨) فى اللباس، باب: ما جاء فى نقش الخاتم.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
للرجل أن يلبس خاتمين من فضة فى يديه أو فى إحداهما، لأن استعمال الفضة حرام إلا ما وردت به الرخصة، ولم ترد إلا فى خاتم واحد، لكن ذكر الخوارزمى فى الكافى أنه لا يجوز له أن يلبس زوجا فى يد وفرادى فى الآخرى، فإن لبس فى كل واحدة زوجا فقال الصيدلانى فى الفتاوى لا يجوز. وقال الدارمى فى الاستذكار يكره للرجل لبس فوق خاتمين، فاقتصاره على الكراهة يدل على عدم الحرمة، وإذا تقرر ذلك فالمسألة ذات خلاف، والذى يظهر كلام المحب الطبرى، فإن تسامحنا اعتمدنا على ما أفتى به الصيدلانى. انتهى.
ويجوز التختم فى اليمين واليسار، واختلف الناس فى أفضلهما، فقيل:
اليسار، وهو نص الإمام أحمد، فى رواية صالح قال: التختم فى اليسار أحب إلى، وهو مذهب الإمام مالك، ويروى أنه كان يلبسه فى يساره، وكذلك الإمام الشافعى. وفى صحيح مسلم عن أنس قال: (كان خاتم النبىﷺ- فى هذه وأشار إلى الخنصر فى يده اليسرى) «١» . وفى سنن أبو داود (عن ابن عمر أنه كانﷺ- يتختم فى يساره) «٢» وروى إسماعيل بن مسلم عن السليطى قال: أتيت النبىﷺ- فى ليلة قمراء، وكأنى أنظر إلى عكن بطنه، وكأنها القباطى وإلى وبيص خاتمه فى يساره. وإسماعيل هذا قال البخارى: تركه ابن المبارك، وربما روى عنه. وقد ذكر بعض الحفاظ- كما أفاده الحافظ ابن رجب- أن التختم فى اليسار مروى عن عامة الصحابة والتابعين.
ورجحت طائفة التختم فى اليمين، وهو قول ابن عباس، وعبد الله بن جعفر، وروى حماد بن سلمة قال: رأيت ابن أبى رافع يتختم فى يمينه فسألته عن ذلك فقال: رأيت عبد الله بن جعفر يتختم فى يمينه، وقال: كانﷺ-
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٩٥) فى اللباس والزينة، باب: فى لبس الخاتم فى الخنصر من اليد.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٢٢٧) فى الخاتم، باب: ما جاء فى التختم فى اليمين أو اليسار؟، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٨٩٩) .
[ ٢ / ٢١٠ ]
يتختم فى يمينه «١»، رواه أحمد والنسائى وابن ماجه والترمذى وقال: قال محمد- يعنى البخارى- هذا أصح شىء روى عن النبىﷺ- فى هذا الباب.
وفى الشمائل للترمذى عن جابر أنهﷺ- كان يتختم فى يمينه. وهذا فيه ضعف، لحال عبد الله بن ميمون. ويروى من حديث عباد بن صهيب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: قبض رسول اللهﷺ- والخاتم فى يمينه، وعباد بن صهيب متروك أيضا. وروى البزار فى مسنده من حديث عبيد بن القاسم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبىﷺ- كان يتختم فى يمينه، وقبض والخاتم فى يمينه. وعبيد هذا كذاب. قال الحافظ ابن رجب: وقد جاء التصريح بأن تختمهﷺ- فى يساره كان آخر الأمرين فى حديث رواه سليمان بن محمد عن عبد الله بن عطاء عن نافع عن ابن عمر أن النبىﷺ- كان يتختم فى يمينه ثم إنه حوله إلى يساره «٢» .
وقال وكيع: التختم فى اليمين ليس بسنة.
ونص أحمد: أنه يكره التختم فى السبابة والوسطى. وروى عن على أنه قال: (نهانى رسول اللهﷺ- أن أتختم فى هذه أو هذه وأومأ إلى السبابة والوسطى) «٣» والله أعلم. وفى اللباب: وكانﷺ- يتختم، وربما خرج وفى خاتمه خيط مربوط يستذكر به الشىء، ورواه ابن عدى بسند ضعيف من حديث واثلة بلفظ: كانﷺ- إذا أراد حاجة أوثق فى خاتمه
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذى (١٧٤٤) فى اللباس، باب: ما جاء فى لبس الخاتم فى اليمين، والنسائى (٨/ ١٧٥)، فى الزينة، باب: موضع الخاتم من اليد، وابن ماجه (٣٦٤٧) فى اللباس، باب: التختم باليمين، وأحمد فى «المسند» (١/ ٢٠٥)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٤٩٠٠) .
(٢) ضعيف: أخرجه ابن عدى فى الكامل عن ابن عمر، وابن عساكر عن عائشة، كما فى «ضعيف الجامع» (٤٥٣٢) .
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٧٨) فى اللباس والزينة، باب: النهى عن لبس الرجل الثوب المعصفر.
[ ٢ / ٢١١ ]
خيطا. وروى أبو يعلى عن ابن عمر أنه إذا أشفق من الحاجة أن ينساها ربط فى أصبعه خيطا ليذكرها. وكذا هو فى رابع الخلعيات. لكن فيه سالم بن عبد الأعلى أبو الفيض، رماه ابن حبان بالوضع بل اتهمه أبو حاتم بهذا الحديث.
وأما السراويل فاختلف هل لبسها النبىﷺ- أم لا؟ فجزم بعض العلماء بأنهﷺ- لم يلبسه، ويستأنس له بما جزم به النووى فى ترجمة عثمان بن عفانرضي الله عنه- من كتاب تهذيب الأسماء واللغات: أنهرضي الله عنه- لم يلبس السراويل فى جاهلية ولا إسلام إلا يوم قتله. فإنهم كانوا أحرص شىء على اتباعهﷺ-.
لكن قد ورد فى حديث عند أبى يعلى الموصلى فى مسنده بسند ضعيف جدّا عن أبى هريرة قال: دخلت السوق يوما مع رسول اللهﷺ- فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزان يزن فقال له رسول اللهﷺ-: «اتزن وأرجح»، فقال الوزان إن هذه الكلمة ما سمعتها من أحد، فقال أبو هريرة فقلت له: كفى بك من الوهن والجفاء فى دينك ألا تعرف نبيك، فطرح الميزان، ووثب إلى يد رسول اللهﷺ- يريد أن يقبلها فجذب يدهﷺ- منه وقال: «يا هذا إنما تفعل هذا الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما أنا رجل منكم»، فوزن فأرجح وأخذ رسول اللهﷺ- السراويل. قال أبو هريرة: فذهبت لأحمله عنه فقال: «صاحب الشىء أحق بشيئه أن يحمله إلا أن يكون ضعيفا يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم»، قال: قلت يا رسول الله، وإنك لتلبس السراويل؟ قال: «أجل، فى السفر والحضر، وبالليل والنهار، فإنى أمرت بالستر، فلم أجد شيئا أستر منه» «١» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٣٣٦) فى البيوع، باب: فى الرجحان فى الوزن والوزن بالأجر، والترمذى (١٣٠٥) فى البيوع، باب: ما جاء فى الرجحان فى الوزن، والنسائى (٧/ ٢٨٤) فى البيوع، باب: الرجحان فى الوزن، وابن ماجة (٢٢٢٠) فى التجارات، باب: الرجحان فى الوزن، والدارمى فى «سننه» (٢٥٨٥)، وأحمد فى «المسند» -
[ ٢ / ٢١٢ ]
وكذا أخرجه ابن حبان فى الضعفاء عن أبى يعلى، ورواه الطبرانى فى الأوسط، والدار قطنى فى الأفراد، والعقيلى فى الضعفاء، ومداره على يوسف ابن زياد الواسطى. لكن قد صح شراء النبىﷺ- له. وفى الهدى:
والظاهر أنهﷺ- إنما اشتراه ليلبسه. وقد روى أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسونه فى زمانه وبإذنه. قال أبو عبد الله الحجازى فى حاشيته على «الشفاء»: وما قاله فى الهدى من أنهﷺ- لبس السراويل، قالوا: سبق قلم والله أعلم. وقد أورد أبو سعيد النيسابورى ذكر الحديث فى تجارتهﷺ- من كتابه «شرف المصطفى» . وقد ترجم البخارى فى اللباس من صحيحه: باب السراويل، وأورد فيه حديث المحرم لكونه لم يرد فيه شىء على شرطه.
وأما الخف: فروى الترمذى عن بريدة أن النجاشى أهدى للنبىﷺ- خفين أسودين ساذجين، فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما «١» .
وعن المغيرة بن شعبة قال: أهدى دحية للنبىﷺ- خفين فلبسهما.
وقال إسرائيل عن جابر عن عامر: وجبة فلبسهما حتى تخرقا، لا يدرى النبىﷺ- أذكيان هما أم لا «٢» . رواه الطبرانى.
وأما نعلهﷺ-، والنعل- كما قال صاحب المحكم- ما وقيت به القدم، ففى البخارى عن قتادة عن أنس (أن نعل النبىﷺ- كان لها
_________________
(١) - (٤/ ٣٥٢)، وابن حبان فى «صحيحه» (٢١٤٧)، والحاكم فى «مستدركه» (٢/ ٣٥) و(٤/ ٢١٣)، من حديث سويد بن قيسرضي الله عنه-، مختصرا، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» وانظر «كشف الخفاء» (١٥٨٢) .
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (١٥٥) فى الطهارة، باب: المسح على الخفين، والترمذى (٢٨٢٠) فى الأدب، باب: ما جاء فى الخف الأسود، وابن ماجه (٥٤٩) فى الطهارة، باب: ما جاء فى المسح على الخفين، و(٣٦٢٠) فى اللباس، باب: الخفاف السود، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (١٧٦٩) فى اللباس، باب: ما جاء فى لبس الجبة والخفين، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
[ ٢ / ٢١٣ ]
قبالان) «١» . والقبالان: تثنية القبال، وهو زمام النعل، وهو السير الذى يكون بين الأصبعين. وعن ابن عباس قال: كان لنعل النبىﷺ- قبالان مثنى شراكهما، رواه الترمذى فى الشمائل، وفيها أيضا عن أبى هريرة قال: كان لنعل رسول اللهﷺ- قبالان. وعن عيسى بن طهمان قال: أخرج إلينا أنس ابن مالك نعلين جرداوين لهما قبالان، فحدثنى ثابت بعد عن أنس: أنهما كانتا نعلى النبى «٢» . وعن عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر: رأيتك تلبس النعال السبتية، قال: إنى رأيت رسول اللهﷺ- يلبس النعال التى ليس فيها شعر ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها «٣» . وعن عمرو بن حريث قال:
رأيت رسول اللهﷺ- يصلى فى نعلين مخصوفتين «٤» . وعن عائشة كان رسول اللهﷺ- يحب التيمن ما استطاع فى ترجله وتنعله وطهوره «٥» رواه الترمذى.
وعن أبى هريرة، قالﷺ-: «إذا تنعل أحدكم فليبدأ باليمين، فإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمين أولهما تنعل وآخرهما تنزع» «٦» .
وكانﷺ- ينهى أن ينتعل الرجل قائما «٧» . رواه أبو داود والترمذى.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٥٧ و٥٨٥٨) فى اللباس، باب: قبالان في نعل.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣١٠٧) فى فرض الخمس، باب: ما ذكر من درع النبىﷺ-.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٥١) فى اللباس، باب: النعال السبتية وغيرها، ومسلم (١١٨٧) فى الحج، باب: الإحلال من حيث تنبعث الراحلة.
(٤) أخرجه النسائى فى «الكبرى» (٩٨٠٣ و٩٨٠٤)، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٥٨) .
(٥) صحيح: أخرجه البخارى (١٦٨) فى الوضوء، باب: التيمن فى الوضوء والغسل، ومسلم (٢٦٨) فى الطهارة، باب: التيمن فى الطهور وغيره.
(٦) صحيح: أخرجه البخارى (٥٨٥٦) في اللباس، باب: ينزع نعله اليسرى، ومسلم (٢٠٩٧) فى اللباس والزينة، باب: استحباب لبس النعل فى اليمنى أولا.
(٧) صحيح: أخرجه أبو داود (٤١٣٥) في اللباس، باب: فى الانتعال، من حديث جابررضي الله عنه-، وأخرجه الترمذى (١٧٧٥) فى اللباس، باب ما جاء فى كراهية أن ينتعل الرجل وهو قائم، وابن ماجه (٣٦١٨) فى اللباس، باب: الانتعال قائما، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، وأخرجه الترمذى (١٧٧٦) من حديث أنسرضي الله عنه-، وأخرجه ابن ماجه (٣٦١٩) من حديث ابن عمررضي الله عنهما-.
[ ٢ / ٢١٤ ]
وقد ذكر أبو اليمن بن عساكر تمثال نعله الكريمة- عليه أفضل الصلاة والسلام- فى جزء مفرد رويته قراءة وسماعا. وكذا أفرده بالتأليف أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن خلف السلمى المشهور بابن الحاج من أهل المرية بالأندلس وكذا غيرهما. ولم أثبتها هنا اتكالا على شهرتها وصعوبة ضبط تسطيرها إلا على حاذق.
ومن بعض ما ذكر من فضلها وجرب من نفعها وبركتها، ما ذكره أبو جعفر أحمد بن عبد المجيد، وكان شيخا صالحا قال: حذوت هذا المثال لبعض الطلبة فجاءنى يوما فقال لى رأيت البارحة من بركة هذا النعل عجبا.
أصاب زوجى وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النعل على موضع الوجع وقلت: اللهم أرنى بركة صاحب هذا النعل، فشفاها الله للحين.
وقال أبو إسحاق: قال أبو القاسم بن محمد: ومما جرب من بركته أن من أمسكه عنده متبركا به كان له أمانا من بغى البغاة وغلبة العداة وحرزا من كل شيطان مارد وعين كل حاسد، وإن أمسكته المرأة الحامل بيمينها وقد اشتد عليها الطلق تيسر أمرها بحول الله وقوته، ولله در أبى اليمن بن عساكر حيث قال:
يا منشدا فى رسم ربع خال ومناشدا لدوارس الأطلال
دع ندب آثار وذكر ماثر لأحبة بانوا وعصر خال
والثم ثرى الأثر الكريم فحبذا إن فزت منه بلثم ذا التمثال
أثر له بقلوبنا أثر لها شغل الخلى بحب ذات الخال
قبّل لك الإقبال نعلى أخمص حل الهلال بها محل قبال
ألصق بها قلبا يقلبه الهوى وجلا على الأوصاب والأوجال
صافح بها خدّا وعفر وجنة فى تربها وجدا وفرط فعال
سيبل حر جوى ثوى بجوانح فى الحب ما جنحت إلى الإبلال
يا شبه نعل المصطفى روحى الفدا لمحلك الأسمى الشريف العال
هملت لمرآك العيون وقد نأى مرمى العيان بغير ما إهمال
[ ٢ / ٢١٥ ]
وتذكرت عهد العقيق فتأثرت شوقا عقيق المدمع الهطال
وصبت فواصلت الحنين إلى الذى ما زال بالى منه فى بلبال
أذكرتنى قدما لها قدم العلا والجود والمعروف والإفضال
أذكرتنى من لم يزل ذكرى له يعتاد فى الأبكار والآصال
ولها المفاخر والماثر فى الدنا والدين والأقوال والأفعال
لو أن خدى يحتذى نعلا لها لبلغت من نيل المنى آمال
أو أن أجفانى لوطء نعالها أرض سمت عزا بذا الإذلال
وما أحسن قول أبى الحكم بن المرحل فى قصيدة ذكرها أبو إسحاق بن الحاج:
بوصف حبيبى طرز الشعر ناظمه ونمنم خد الطرس بالنقش راقمه
رؤوف عطوف أوسع الناس رحمة وجادت عليهم بالنوال غمائمه
له الحسن والإحسان فى كل مذهب فاثاره محبوبة ومعالمه
به ختم الله النبيين كلهم وكل فعال صالح فهو خاتمه
أحب رسول الله حبّا لو أنه تقاسمه قومى كفتهم قسائمه
كأن فؤادى كلما مرّ ذكره من الورق خفاق أصيبت قوادمه
أهيم إذا هبت نواسم أرضه ومن لفؤادى أن تهب نواسمه
فأنشق مسكا طيبا فكأنما نوافجه جاءت به ولطائمه
ومما دعانى والدعاوى كثيرة إلى الشوق أن الشوق مما أكاتمه
مثال لنعلى من أحب هويته فها أنا فى يومى وليلى ألاثمه
أجر على رأسى ووجهى أديمه وألثمه طورا وطورا ألازمه
أمثله فى رجل أكرم من مشى فتبصره عينى وما أنا حالمه
أحرك خدى ثم أحسب وقعه على وجنتى خطوا هناك يداومه
ومن لى بوقع النعل فى حر وجنتى لماش علت فوق النجوم براجمه
سأجعله فوق الترائب عوذة لقلبى لعل القلب يبرد حاجمه
وأربطة فوق الشؤون تميمة لجفنى لعل الجفن يرقأ ساجمه
[ ٢ / ٢١٦ ]
ألا بأبى تمثال نعل محمد لطاب لحاذيه وقدس خادمه
يود هلال الأفق لو أنه هوى يزاحمنا في لثمه ونزاحمه
وما ذاك إلا أن حب نبينا يقوم بأجسام الخليقة لازمه
سلام عليه كلما هبت الصبا وغنت بأغصان الأراك حمائمه
ولأبى بكر أحمد بن الإمام أبى محمد عبد الله بن الحسين القرطبى﵀-:
ونعل خضعنا هيبة لبهائها وإنا متى نخضع لها أبدا نعلو
فضعها على أعلى المفارق إنها حقيقتها تاج وصورتها نعل
بأخمص خير الخلق حازت مزية على التاج حتى باهت المفرق الرجل
طريق الهدى عنها استنارت لمبصر وإن بحار الجود من فيضها حلوا
سلونا ولكن عن سواها وإنما نهيم بمغناها الغريب وما نسلوا
فما شاقنا مذ راقنا رسم عزها حميم ولا مال كريم ولا نسل
شفاء لذى سقم رجاء لبائس أمان لذى خوف كذا يحسب الفضل
وأما فراشهﷺ-، فقد كانﷺ- آخذا من ذلك بما تدعو ضرورته إليه، وترك ما سوى ذلك.
وفى صحيح مسلم قولهﷺ-: «فراش للرجل وفراش لامرأته والثالث للضيف، والرابع للشيطان» «١» .
قال العلماء: معناه ما زاد على الحاجة فاتخاذه إنما هو للمباهاة والاختيال، والالتهاء بزينة الدنيا، وما كان بهذه الصفة فهو مذموم، وكل مذموم يضاف للشيطان لأنه يرتضيه ويوسوس به ويحسنه، وقيل: إنه على ظاهره، وإنه إذا كان لغير حاجة كان للشيطان عليه مبيت ومقيل، وأما تعداد الفراش للزوج والزوجة فلا بأس به لأنه قد يحتاج كل واحد منهما إلى فراش عند المرض ونحوه.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٨٤) فى اللباس والزينة، باب: كراهة ما زاد على الحاجة من الفراش واللباس، من حديث جابررضي الله عنه-.
[ ٢ / ٢١٧ ]
وعن عائشة: «إنما كان فراش رسول اللهﷺ- الذى ينام عليه أدما حشوه الليف» «١» رواه الشيخان.
وروى البيهقى من حديثها، قالت: دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول اللهﷺ- قطيفة مثنية، فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول اللهﷺ- فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قلت: يا رسول الله، فلانة الأنصارية دخلت فرأت فراشك فبعثت إلى بهذا، فقال: «رديه يا عائشة فو الله لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضة» «٢» .
وعند عبد الله بن مسعود: نام رسول اللهﷺ- على حصير، فقام وقد أثر فى جنبه «٣» . الحديث رواه ابن ماجه والترمذى وقال: حسن صحيح.
والطبرانى ولفظه: دخلت على النبىﷺ- وهو فى غرفة كأنها حمام. وهو نائم على حصير، وقد أثر فى جنبه فبكيت، فقال: «ما يبكيك يا عبد الله؟» قلت: يا رسول الله كسرى وقيصر يطؤون على الخز والديباج والحرير، وأنت نائم على هذا الحصير قد أثر بجنبك، فقال: «فلا تبك يا عبد الله، فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة» «٤» .
وقوله: كأنها بيت حمام- بتشديد الميم- أى أن فيها من الحر والكرب كما فى بيت الحمام. وعن ابن عباس قال: حدثنى عمر بن الخطاب قال:
دخلت على رسول اللهﷺ- وهو على حصير، قال: فجلست، فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر فى جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وإذا إهاب معلق، فابتدرت عيناى، فقال: «ما يبكيك يا ابن
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٦٤٥٦) فى الرقاق، باب: كيف كان عيش النبىﷺ- وأصحابه، ومسلم (٢٠٨٢) فى اللباس والزينة، باب: التواضع فى اللباس.
(٢) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ٣٤٥) .
(٣) صحيح: أخرجه الترمذى (٢٣٧٧) فى الزهد، باب: رقم (٣١)، وأبو يعلى فى «مسنده» (٢٢٩٢)، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٤) حسن: أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (١٠/ ١٦٢) وذكره الهيثمى فى «المجمع» (١٠/ ٣٢٦) وقال: رواه الطبرانى، وفيه عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، وقد وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات.
[ ٢ / ٢١٨ ]
الخطاب»، فقال: يا نبى الله، وما لى لا أبكى وهذا الحصير قد أثر فى جنبك، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر فى الثمار والأنهار، وأنت نبى الله وصفوته، وهذه خزائنك. قال: «يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا» «١» . رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولفظه.
قال عمررضي الله عنه-: استأذنت على رسول اللهﷺ- فدخلت عليه فى مشربة، وإنه لمضطجع على خصفة وإن بعضه لعلى التراب، وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا، وإن فوق رأسه لإهاب عطين، وفى ناحية المشربة قرظ، فسلمت عليه وجلست فقلت: أنت نبى الله وصفوته، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير، فقال: «أولئك عجلت لهم طيباتهم وهى وشيكة الانقطاع وإنا قوم أخرت لنا طيباتنا فى آخرتنا» «٢» .
وعن عائشة، كان لرسول اللهﷺ- سرير مرمّل بالبردى، عليه كساء أسود، وقد حشوناه بالبردى، فدخل أبو بكر وعمر عليه فإذا النبىﷺ- نائم عليه، فلما رآهما استوى جالسا، فنظرا فإذا أثر السرير فى جنب رسول اللهﷺ- فقالا: يا رسول الله ما يؤذيك خشونة ما نرى من فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر على فرش الحرير والديباج فقالﷺ-: «لا تقولا هذا، فإن فراشى كسرى وقيصر فى النار، وإن فراشى وسريرى هذا عاقبته إلى الجنة» «٣» . رواه ابن حبان فى صحيحه. ويروى أنهﷺ- ما عاب مضجعا قط، إن فرش له اضطجع، وإلا اضطجع على الأرض. وتغطىﷺ- باللحاف، قالﷺ-: «ما أتانى جبريل وأنا فى لحاف امرأة منكن غير عائشة» «٤» .
_________________
(١) حسن: أخرجه ابن ماجه (٤١٥٣) فى الزهد، باب: ضجاع آل محمدﷺ-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .
(٢) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ١١٧)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٣) أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٧٠٤) .
(٤) صحيح: أخرجه البخارى (٣٧٧٥) فى المناقب، باب: فضل عائشةرضي الله عنها-، من حديث أم سلمةرضي الله عنها-.
[ ٢ / ٢١٩ ]