وهو جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ منها.
وسمى بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هناك، ويقال له: ذو عينين، قال فى القاموس: بكسر العين وبفتحها مثنى، جبل بأحد. انتهى.
وهو الذى قال فيهﷺ-: «أحد جبل يحبنا ونحبه» «١» .
وقيل: وفيه قبر هارون، أخى موسى، - ﵉-.
وكانت عنده الوقعة المشهورة، فى شوال سنة ثلاث بالاتفاق، يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه- وقيل لسبع ليال خلون منه، وقيل فى نصفه.
وعن مالك: بعد بدر بسنة، وعنه أيضا: كانت على أحد وثلاثين شهرا من الهجرة.
وكان سببها: كما ذكره ابن إسحاق عن شيوخه، وموسى بن عقبة عن ابن شهاب، وأبو الأسود عن عروة وابن سعد، قالوا- أو من قال منهم- ما حاصله.
إن قريشا لما رجعوا من بدر إلى مكة، وقد أصيب أصحاب القليب، ورجع أبو سفيان بعيره، قال عبد الله بن أبى ربيعة، وعكرمة بن أبى جهل، فى جماعة ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يوم بدر: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه- يعنون عير أبى سفيان، ومن كانت له فى تلك العير تجارة- لعلنا أن ندرك به ثأرنا.
فأجابوا لذلك، فباعوها وكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (١٤٨٢) فى الزكاة، باب: خرص التمر، ومسلم (١٣٩٢) فى الحج، باب: أحد جبل يحبنا ونحبه، وفى الفضائل، باب: فى معجزات النبى ﷺ-، من حديث أبى حميد الساعدىرضي الله عنه-، وهو فى الصحيحين أيضا من حديث أنسرضي الله عنه-.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وفيهم- كما قال ابن إسحاق وغيره- أنزل الله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ «١» .
واجتمعت قريش لحرب رسول اللهﷺ-. وكتب العباس بن عبد المطلب كتابا يخبر رسول اللهﷺ- بخبرهم، وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادى من قبل أحد مقابل المدينة.
وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر.
وأرىﷺ- ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: «إنى والله قد رأيت خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت فى ذباب سيفى ثلما، ورأيت أنى أدخلت يدى فى درع حصينة، فأما البقر فناس من أصحابى يقتلون، وأما الثلم الذى رأيت فى سيفى فهو رجل من أهل بيتى يقتل» «٢» .
وقال ابن عقبة، ويقول رجال: كان الذى بسيفه ما قد أصاب وجهه، فإن العدو أصابوا وجهه الشريفﷺ- يومئذ، وكسروا رباعيته، وجرحوا شفته.
وفى رواية قال﵊-: «وأولت الدرع الحصينة بالمدينة فامكثوا فإن دخل القوم الأزفة قاتلناهم، ورموا من فوق البيوت» «٣» .
فقال أولئك القوم: يا رسول الله، كنا نتمنى هذا اليوم، أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم.
فصلىﷺ- بالناس الجمعة، ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك.
_________________
(١) سورة الأنفال: ٣٦.
(٢) أخرجه ابن هشام فى «سيرته» (٢/ ٦٣ و٦٦) عن ابن إسحاق عن الزهرى وغيره مرسلا، وبنحوه أخرجه أحمد (٣/ ٣٥١)، والدارمى فى «سننه» (٢١٥٩) من حديث جابر ﵁-.
(٣) انظر ما قبله.
[ ١ / ٢٤١ ]
ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي، ثم دخل ﷺ- بيته ومعه صاحباه أبو بكر وعمررضي الله عنهما-، فعمماه وألبساه.
وصف الناس ينتظرون خروجه﵇-، فقال سعد بن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول اللهﷺ- على الخروج، فردوا الأمر إليه، فخرج ﷺ- وقد لبس لأمته- وهى بالهمزة وقد يترك تخفيفا: الدرع- وتقلد سيفه، فندموا جميعا على ما صنعوا، فقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت. فقال: «ما ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» «١» .
وفى حديث ابن عباس عند أحمد والنسائى والطبرانى، وصححه الحاكم: نحو حديث ابن إسحاق، وفيه إشارة النبىﷺ- إليهم أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة، ولبسه للأمته، وندامتهم على ذلك وقولهﷺ-: «لا ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» وفيه: «إنى رأيت أنى فى درع حصينة» الحديث «٢» .
وعقد﵇- ثلاثة ألوية:
لواء بيد أسيد بن حضير.
ولواء للمهاجرين بيد على بن أبى طالب وقيل بيد مصعب بن عمير.
ولواء للخزرج بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة.
وفى المسلمين مائة دارع. وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، دارعين «٣» .
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة.
_________________
(١) هو قطعة من حديث جابر المتقدم.
(٢) أخرجه أحمد فى «مسنده» (١/ ٢٧١)، والحاكم فى «مستدركه» (٢/ ١٤١)، والبيهقى فى «الكبرى» (٧/ ٤١)، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى.
(٣) أى: مرتدين دروعهم.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وأدلج﵇- فى السحر، وكان قد رد جماعة من المسلمين لصغرهم، منهم: أسامة، وابن عمر، وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدرى.
والنعمان بن بشير. قال مغلطاى: وفيه نظر.
وكان المسلمون ألف رجل، ويقال: تسعمائة، والمشركون ثلاثة آلاف رجل فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس، وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة.
ونزل﵇- بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبى فى ثلاثمائة ممن تبعه من قومه من أهل النفاق. ويقال: إن النبىﷺ- أمرهم بالانصراف لكفرهم بمكان يقال له الشوط، وقيل بأحد.
ثم صف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة.
قال ابن عقبة: وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبى جهل.
وجعلﷺ- على الرماة- وهم خمسون رجلا- عبد الله بن جبير، وقال: «إن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم» «١» . كذا فى البخارى من حديث البراء.
وفى حديث ابن عباس عند أحمد والطبرانى والحاكم: أنهﷺ- أقامه فى موضع ثم قال: «احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا» «٢» .
قال ابن إسحاق: وقال رسول اللهﷺ-: «من يأخذ هذا السيف بحقه» . فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك، فقال: وما حقه يا رسول الله؟
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٠٣٩) فى الجهاد والسير، باب: ما يكره من التنازع والاختلاف فى الحرب.
(٢) أخرجه أحمد فى «مسنده» (١/ ٢٨٧)، والحاكم فى «مستدركه» (٢/ ٣٢٤)، والطبرانى فى «الكبير» (١٠/ ٣٠١) .
[ ١ / ٢٤٣ ]
قال: «أن تضرب به فى وجه العدو حتى ينحنى»، قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إياه، وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب، فلما رآهﷺ- يتبختر قال: «إنها لمشية يبغضها الله إلا فى مثل هذا الموطن» .
قال الزبير بن العوام- فيما قاله ابن هشام- فقلت والله لأنظرن ما يصنع أبو دجانة.
فاتبعته فأخذ عصابة له حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار:
أخرج عصابة الموت فخرج وهو يقول:
أنا الذى عاهدنى خليلى ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقوم الدهر فى الكيّول أضرب بسيف الله والرسول
فجعل لا يلقى أحدا من المشركين إلا قتله «١» .
وقوله: فى الكيول- بفتح الكاف وتشديد المثناة التحتية- مؤخر الصفوف. وهو: فيعول من كال الزند يكيل كيلا إذا كبا ولم يخرج نارا، فشبه مؤخر الصفوف به لأن من كان فيه لا يقاتل. قال أبو عبيدة: ولم يسمع إلا فى هذا الحديث. وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف.
والتقى حنظلة الغسيل وأبو سفيان فضربه شداد بن أوس فقتله فقال ﷺ-: «إن حنظلة لتغسله الملائكة»، فسألوا امرأته جميلة أخت عبد الله ابن أبى فقالت: خرج وهو جنب فقال﵇-: «لذلك غسلته الملائكة» «٢» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٤٧٠) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبى دجانة سماك ابن خرشةرضي الله عنه-، وأحمد فى «مسنده» (٣/ ١٢٣)، والحاكم فى «مستدركه» (٣/ ٢٥٥)، من حديث أنسرضي الله عنه- مختصرا، وهو عند الحاكم (٣/ ٢٥٦) مطولا من حديث الزبير بن العوامرضي الله عنه-.
(٢) أخرجه الحاكم فى «مستدركه» (٣/ ٢٢٥)، والبيهقى فى «الكبرى» (٤/ ١٥)، وفى «الدلائل» (٣/ ٢٤٦) من حديث عبد الله بن الزبيررضي الله عنه-.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وبذلك تمسك من قال من العلماء: إن الشهيد يغسل إذا كان جنبا.
وقتل على طلحة بن أبى طلحة، صاحب لواء المشركين، ثم حمل لواءهم عثمان بن أبى طلحة، فحمل عليه حمزة فقطع يده وكتفه.
ثم أنزل الله نصره على المسلمين فحسوا الكفار بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة، فولى الكفار لا يلوون على شىء، ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم. ووقعوا ينهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم.
وفى البخارى: قال البراء: فقال أصحاب عبد الله بن جبير: أى قوم، الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون، فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول اللهﷺ-؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين «١» .
وفى حديث عائشة عند البخارى أيضا: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس: أى عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت مع أخراهم «٢» .
وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس: أنهم لما رجعوا اختلطوا بالمشركين والتبس العسكران فلم يتميزوا، فوقع القتل فى المسلمين بعضهم فى بعض «٣» .
وفى رواية غيرهما: ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله فكر بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبى جهل فحملوا على من بقى من النفر الرماة فقتلوهم وأميرهم عبد الله بن جبير.
وفى البخارى: أنهم لما اصطفوا للقتال، خرج سباع فقال: هل من
_________________
(١) هو الذى عند البخارى برقم (٣٠٣٩) وقد تقدم قريبا.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٣٢٩٠) فى بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.
(٣) أخرجه أحمد فى «مسنده» (١/ ٢٨٧)، والحاكم فى «مستدركه» (٢/ ٣٢٤)، وقد تقدم قريبا.
[ ١ / ٢٤٥ ]
مبارز، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فشد عليه فكان كأمس الدابر، وكان وحشى كامنا تحت صخرة، فلما دنا منه رماه بحربته حتى خرجت من بين وركيه فكان آخر العهد به «١» . انتهى.
وكان مصعب بن عمير قاتل دون رسول اللهﷺ- حتى قتل، وكان الذى قتله ابن قمئة، وهو يظنه رسول اللهﷺ- فصاح ابن قمئة إن محمدا قتل. ويقال كان ذلك إزب العقبة، ويقال: بل هو إبليس- لعنه الله- تصور فى صورة جعال.
وقال قائل: أى عباد الله أخراكم، أى: احترزوا من جهة أخراكم فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون، وانهزمت طائفة منهم جهة المدينة، وتفرق سائرهم، ووقع فيهم القتل. قال موسى بن عقبة: ولما فقد﵇-، قال رجل منهم: إن رسول اللهﷺ- قد قتل، فارجعوا إلى قومكم ليؤمنوكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فإنهم داخلوا البيوت. وقال رجال منهم: إن كان رسول اللهﷺ- قتل أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله ﷿ شهداء. منهم أنس بن مالك بن النضر شهد له بها عند رسول اللهﷺ- سعد بن معاذ.
قال فى «عيون الأثر»: كذا وقع فى هذا الخبر: أنس بن مالك، وإنما هو أنس بن النضر عم أنس بن مالك بن النضر. انتهى.
وثبت رسول اللهﷺ- حتى انكشفوا عنه، وثبت معه من أصحابه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق، وسبعة من الأنصار.
وفى البخارى: لم يبق معه﵊- إلا اثنا عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين، وكانﷺ- وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٤٠٧٢) فى المغازى، باب: قتل حمزة بن عبد المطلب ﵁-.
[ ١ / ٢٤٦ ]
فقال أبو سفيان: أفى القوم محمد، ثلاث مرات، فنهاهم النبىﷺ- أن يجيبوه، ثم قال: أفى القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات، ثم قال: أفى القوم ابن الخطاب ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وبقى لك ما يسوؤك، قال: يوم بيوم، والحرب سجال «١» .
وتوجهﷺ- يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته «٢»، والذى جرح وجهه عبد الله بن قمئة، وعتبة بن أبى وقاص أخو سعد هو الذى كسر رباعيته، ومن ثم لم يولد من نسله ولد يبلغ الحنث إلا وهو أبخر أو أهتم- أى مكسور الثنايا من أصلها- يعرف ذلك فى عقبة.
وقال ابن هشام، فى حديث أبى سعيد الخدرى: إن عتبة بن أبى وقاص رمى رسول اللهﷺ- يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن هشام الزهرى شجه فى جبهته وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من المغفر فى وجنته، ووقعﷺ- فى حفرة من الحفر التى كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين.
وفى رواية: وهشموا البيضة على رأسه «٣» - أي كسروا الخوذة- ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه فى حفرة من الحفر التى حفرها أبو عامر، فأخذ على بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ونشبت حلقتان من المغفر فى وجهه، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما فى وجهه.
وامتص مالك بن سنان- والد أبى سعيد الخدرى- الدم من وجنته ثم
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٣٠٣٩) فى الجهاد والسير، باب: ما يكره من التنازع والاختلاف فى الحرب، من حديث البراء بن عازبرضي الله عنه-.
(٢) الرباعية: هى السن التى بين مقدم الأسنان والناب، والحديث أخرجه مسلم (١٧٩٠) فى الجهاد والسير، باب: غزوة أحد من حديث سهل بن سعدرضي الله عنه-.
(٣) انظر الحديث السابق.
[ ١ / ٢٤٧ ]
ازدرده، فقال لهﷺ-: من مس دمى دمه لم تصبه النار، وسيأتى- إن شاء الله تعالى- حكم دمه﵇-.
وفى الطبرانى من حديث أبى أمامة قال: رمى عبد الله بن قمئة رسول اللهﷺ- يوم أحد فشج وجهه وكسر رباعيته فقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال رسول اللهﷺ- وهو يمسح الدم عن وجهه: «أقمأك الله» فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة «١» .
وروى ابن إسحاق عن حميد الطويل عن أنس قال: كسرت رباعيته ﷺ- يوم أحد وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسحه ويقول «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم» فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ «٢» «٣» . ورواه أحمد والترمذى والنسائى من طريق حميد به.
وعند ابن عائذ من طريق الأوزاعى: بلغنا أنه لما خرجﷺ- يوم أحد، أخذ شيئا فجعل ينشف دمه وقال: لو وقع منه شىء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء، ثم قال: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» «٤» .
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى قال: ضرب وجه النبى ﷺ- يومئذ بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها. قال فى فتح البارى: وهذا مرسل قوى، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة، انتهى.
وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد- فيما قاله ابن
_________________
(١) أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (٨/ ١٣٠)، وفى «مسند الشاميين» (٤٥٣) وانظر «الفتح» للحافظ ابن حجر (٧/ ٣٦٦- ٣٦٧) .
(٢) سورة آل عمران: ١٢٨.
(٣) صحيح: وهو عند البخارى (٧/ ٤٢٢) تعليقا فى المغازى، باب: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ..، ووصله مسلم (١٧٩١) فى الجهاد والسير، باب: غزوة أحد.
(٤) أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (٦/ ١٢٠)، من حديث سهل بن سعد الساعدى.
[ ١ / ٢٤٨ ]
هشام- فخرجت أول النهار حتى انتهت إلى رسول الله قالت: فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمى عن القوس حتى خلصت الجراحة إلى، أصابنى ابن قمئة- أقمأه الله تعالى- لما ولى الناس عن رسول اللهﷺ- أقبل يقول: دلونى على محمد فلا نجوت إن نجا، قالت فاعترضت له، فضربنى هذه الضربة، ولكن ضربته ضربات على ذلك، ولكن عدو الله عليه درعان.
قالت أم سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور.
وتترس دون رسول اللهﷺ- فيما قاله ابن إسحاق- أبو دجانة بنفسه، يقع النبل فى ظهره وهو منحن عليه حتى كثر عليه النبل وهو لا يتحرك.
ورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول اللهﷺ-. قال سعد: فلقد رأيته يناولنى النبل ويقول: ارم فداك أبى وأمى، حتى إنه ليناولنى السهم ماله نصل فيقول: ارم به.
وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول اللهﷺ- فأخذها رسول الله بيده وردها إلى موضعها وقال:
«اللهم اكسه جمالا» فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرا «١» . ورواه الدارقطنى بنحوه، ويأتى لفظه- إن شاء الله تعالى- فى مقصد المعجزات.
ورمى أبو رهم كلثوم بن الحصين بسهم فوقع فى نحره فبصق عليه ﷺ- فبرىء.
وانقطع سيف عبد الله بن جحش، فأعطاهﷺ- عرجونا فعاد فى يده سيفا، فقاتل به وكان ذلك السيف يسمى العرجون، ولم يزل يتوارث حتى بيع من بغا التركى من أمراء المعتصم بالله فى بغداد بمائتى دينار.
وهذا نحو حديث عكاشة السابق فى غزوة بدر إلا أن سيف عكاشة كان يسمى العون، وهذا يسمى العرجون.
_________________
(١) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٣/ ٢٥٢) .
[ ١ / ٢٤٩ ]
واشتغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم، يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون وهم يظنون أنهم أصابوا رسول اللهﷺ- وأشراف أصحابه.
وكان أول من عرف رسول اللهﷺ- كعب بن مالك، قال عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتى: يا معشر المسلمين، هذا رسول اللهﷺ-، فلما عرفوه نهضوا ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر وعمر وعلى ورهط من المسلمين، فلما أسند رسول اللهﷺ- فى الشعب أدركه أبى بن خلف وهو يقول: أين محمد، لا نجوت إن نجا، فقالوا: يا رسول الله، يعطف عليه رجل منا؟ فقالﷺ-: دعوه، فلما دنا تناولﷺ- الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه﵇- انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله ﵊-، فطعنه طعنة وقع بها عن فرسه ولم يخرج له دم فكسر ضلعا من أضلاعه.
فلما رجع إلى قريش قال: قتلنى والله محمد، أليس قد كان قال لى بمكة: أنا أقتلك، فو الله لو بصق على لقتلنى. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة «١» . رواه البيهقى وأبو نعيم ولم يذكر: فكسر ضلعا من أضلاعه.
قال الواقدى: وكان ابن عمر يقول: مات أبى بن خلف ببطن رابغ، فإنى لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا نار تأجج لى لهبها فهبتها، وإذا رجل يخرج منها فى سلسلة يجتذبها يصيح العطش، وإذا رجل يقول:
لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول اللهﷺ-، هذا أبى بن خلف، ورواه البيهقى.
ولما انتهىﷺ- إلى فم الشعب ملأ على بن أبى طالب درقته من
_________________
(١) أخرجه البيهقى فى «الدلائل» (٣/ ٢٥٨) .
[ ١ / ٢٥٠ ]
المهراس- وهو صخرة منقورة تسع كثيرا من الماء، وقيل هو اسم ماء بأحد فجاء به إلى رسول اللهﷺ- وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول: اشتد غضب الله على من رمى وجه نبيه «١» .
وصلى النبىﷺ- الظهر يومئذ قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا.
قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول اللهﷺ- يجد عن الأذان والأنف، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها.
ولما أراد أبو سفيان الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل «٢» .
وكان أبو سفيان حين أراد الخروج إلى أحد، كتب على سهم نعم، وعلى آخر: لا، وأجالها عند هبل، فخرج سهم نعم، فخرج إلى أحد، فلما قال: أعل هبل، أى زد علوّا.
فقال رسول اللهﷺ- لعمر أجبه فقل: «الله أعلى وأجل» «٣» .
فقال أبو سفيان: أنعمت فعال، أى اترك ذكرها فقد صدقت فى فتواها وأنعمت، أى أجابت بنعم.
فقال عمر: لا سواء، قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار.
فقال: إن لنا عزى ولا عزى لكم.
_________________
(١) صحيح: أخرجه بنحوه البخارى (٤٠٧٣) فى المغازى، باب: ما أصاب النبىﷺ- من الجراح يوم أحد، ومسلم (١٧٩٣) فى الجهاد والسير، باب: اشتداد غضب الله على من قتله رسول اللهﷺ-، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-.
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٤٠٤٣) فى المغازى، باب: غزوة أحد، من حديث البراء ﵁-.
(٣) صحيح: وهو تتمة الحديث السابق.
[ ١ / ٢٥١ ]
فقالﷺ-: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» «٣» .
ولما انصرف أبو سفيان وأصحابه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقالﷺ- لرجل من أصحابه: «قل نعم، هو بيننا وبينكم موعد» «١» .
وذكر الطبرانى: أنه لما انصرف المشركون، خرج النساء إلى الصحابة يعنهم فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما لقيت النبىﷺ- اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير أحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم «٢» .
ثم أرسل﵊- محمد بن مسلمة- كما ذكره الواقدى- فنادى فى القتلى: يا سعد بن الربيع، مرة بعد أخرى، فلم يجبه، حتى قال إن رسول اللهﷺ- أرسلنى إليك، فأجابه بصوت ضعيف، فوجده جريحا فى القتلى وبه رمق فقال: أبلغ رسول اللهﷺ- عنى السلام، وقل له: يقول لك، جزاك الله عنا خير ما جزى به نبيّا عن أمته، وأبلغ قومك عنى السلام وقل لهم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم (عين) تطرف، ثم مات «٣» .
وقتل أبو جابر، فما عرف إلا ببنانه «٤» - أى أصابعه، وقيل أطرافها، واحدتها. بنانه.
وخرجﷺ- يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادى، قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فنظر﵇- إلى شىء لم ينظر إلى شىء أوجع لقلبه منه فقال: «رحمة الله عليك، لقد كنت فعولا للخير، وصولا للرحم، أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك» قال: فنزلت عليه خواتيم سورة
_________________
(١) انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (٣/ ١٠٠) .
(٢) قلت: هو عند مسلم (١٧٩٠) فى الجهاد والسير، باب: غزوة أحد، من حديث سهل بن سعدرضي الله عنه-.
(٣) أخرجه الحاكم فى «مستدركه» (٣/ ٢٢١)، من حديث زيد بن ثابترضي الله عنه- وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٤) صحيح: والخبر أخرجه البخارى (٤٠٤٨) فى المغازى، باب: غزوة أحد، ومسلم (١٩٠٣) فى الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد، من حديث أنسرضي الله عنه-، إلا أن المقتول عمه أنس بن النضررضي الله عنه-، ولم أقف على رواية أبى جابر.
[ ١ / ٢٥٢ ]
النحل وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ «١» الآية، فصبر وكفر عن يمينه وأمسك عما أراد «٢» .
وممن مثل به كما مثل بحمزة عبد الله بن جحش، ابن أخت حمزة، ولذا يعرف بالمجدع فى الله، وكان حين قتل ابن بضع وأربعين سنة، ودفن مع حمزة فى قبر واحد.
ولما أشرفﷺ- على القتلى قال: «أنا شهيد على هؤلاء وما من جريح يجرح فى الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون دم والريح ريح المسك» «٣» .
وفى رواية عبد الله بن ثعلبة قالﷺ- لقتلى أحد: «زملوهم بجراحهم» .
وروى أبو بكر بن مردويه أن رسول اللهﷺ- قال: «يا جابر ألا أخبرك: ما كلم الله تعالى أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا، فقال سلنى أعطك، فقال أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب ﷿: إنه سبق منى أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قال: أى رب فأبلغ من ورائى، فأنزل الله وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا «٤»» «٥» الآية.
_________________
(١) سورة النحل: ١٢٦.
(٢) إسناده ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٦/ ١١٩) من حديث أبى هريرةرضي الله عنه- وقال: رواه البزار والطبرانى وفيه صالح بن بشير المزنى، وهو ضعيف، ا. هـ. قلت: وكذا ضعفه الحافظ ابن حجر فى «الفتح» (٧/ ٣٧١) .
(٣) صحيح بنحوه: أخرجه البخارى (٢٣٧) فى الوضوء، باب: ما يقع من النجاسات فى السمن والماء، ومسلم (١٨٧٦) فى الإمارة باب: فضل الجهاد والخروج فى سبيل الله، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، بنحوه، وهو عند البيهقى فى «الدلائل» (٣/ ٢٩٠) بهذا اللفظ، ولكن من طريق آخر.
(٤) سورة آل عمران: ١٦٩.
(٥) حسن: أخرجه الترمذى (٣٠١٠) فى التفسير، باب: ومن سورة آل عمران، وابن ماجه (١٩٠) فى المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، و(٢٨٠٠) فى الجهاد، باب: فضل الشهادة فى سبيل الله، وأحمد فى «مسنده» (٣/ ٣٦١)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
[ ١ / ٢٥٣ ]
وعن ابن عباس قال رسول اللهﷺ-: «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب فى ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا فى الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، قال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله ﷿ هذه الآيات وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا «١»» «٢» .
قال بعض من تكلم على هذا الحديث: قوله: ثم تأوى إلى قناديل، يصدقه قوله تعالى وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ «٣» وإنما تأوى إلى تلك القناديل ليلا وتسرح نهارا، وبعد دخول الجنة فى الآخرة لا تأوى إلى تلك القناديل، وإنما ذلك فى البرزخ.
وقال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنة وليسوا فيها.
وقد رد هذا القول، ويشهد له ما وقع فى مسند ابن أبى شيبة وغيره:
أن رسول اللهﷺ- قال: «الشهداء بنهر أو على نهر يقال له بارق عند باب الجنة، فى قباب خضر يأتيهم رزقهم منها بكرة وعشيّا» «٤» .
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: كأن الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم فى الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح.
قال: وقد روينا فى مسند الإمام أحمد حديثا فيه بشرى لكل مؤمن بأن
_________________
(١) سورة آل عمران: ١٦٩.
(٢) حسن: أخرجه أبو داود (٢٥٢٠) فى الجهاد، باب: فى فضل الشهادة، وأحمد فى «مسنده» (١/ ٢٦٥)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .
(٣) سورة الحديد: ١٩.
(٤) حسن: أخرجه أحمد فى «مسنده» (١/ ٢٦٦)، وابن حبان فى «صحيحه» (٤٦٥٨)، والحاكم فى «مستدركه» (٢/ ٨٤)، والطبرانى فى «الأوسط» (١٢٣)، وفى «الكبير» (١٠/ ٣٣٣)، من حديث ابن عباسرضي الله عنهما- بسند حسن.
[ ١ / ٢٥٤ ]
روحه تكون فى الجنة أيضا وتسرح فيها وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة.
قال: وهو إسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد رواه عن الشافعى عن مالك بن أنس عن الزهرى عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه يرفعه: «نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» «١» .
وقوله يعلق، أى يأكل، وفى هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر فى الجنة، وأما أرواح الشهداء ففى حواصل طير خضر، فهى كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها. فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.
وقد استشهد يوم أحد من المسلمين سبعون- فيما قاله مغلطاى. وغيره- وقيل خمسة وستون وأربعة من المهاجرين.
وروى ابن منده من حديث أبى بن كعب قال: استشهد من الأنصار يوم أحد أربعة وستون ومن المهاجرين ستة وصححه ابن حبان من هذا الوجه.
وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا، وقتلﷺ- بيده أبى بن خلف.
وحضرت الملائكة يومئذ، ففى حديث سعد بن أبى وقاص عند مسلم فى صحيحه: «أنه رأى عن يمين رسول اللهﷺ- وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعنى جبريل وميكائيل يقاتلان كأشد القتال» «٢» .
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد فى «مسنده» (٣/ ٤٥٥)، وهو عند النسائى (٤/ ١٠٨) فى الجنائز، باب: أرواح المؤمنين، وابن ماجة (٤٢٧١) فى الزهد، باب: ذكر القبر والبلى، ومالك فى «موطئه» (١/ ٢٤٠)، وأحمد فى «مسنده» (٣/ ٤٥٥ و٤٥٦ و٤٦٠) والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (٤٠٥٤) فى المغازى، باب: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما..، ومسلم (٢٣٠٦) فى الفضائل، باب: فى قتال جبريل وميكائيل عن النبىﷺ-، واللفظ له.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وفيه- كما قدمناه فى غزوة بدر- أن قتال الملائكة معهﷺ- لا يختص بيوم بدر، خلافا لمن زعمه، كما نص عليه النووى فى شرح مسلم كما قدمته والله أعلم.
ولما بكى المسلمون على قتلاهم سر بذلك المنافقون وظهر غش اليهود.
ذكر القاضى عياض فى الشفاء عن القاضى أبى عبد الله بن المرابط من المالكية أنه قال: من قال إن النبىﷺ- هزم يستتاب فإن تاب وإلا قتل، لأنه تنقص، إذ لا يجوز ذلك عليه فى خاصته، إذ هو على بصيرة من أمره ويقين من عصمته. انتهى.
وهذا موافق لمذهبنا. لكن قال العلامة البساطى من المالكية: هذا القائل إن كان يخالف فى أصل المسألة، أعنى حكم الساب، فله وجه، وإن وافق على أن الساب لا تقبل توبته فمشكل انتهى.
وقد كان فى قصة أحد، وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة.
منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهى، لما وقع من ترك الرماة موقعهم الذى أمرهم رسول اللهﷺ- ألايبرحوا منه.
ومنها: أن عادة الرسل أن تبتلى ثم تكون لهم العافية، والحكمة فى ذلك أن لو انتصروا دائما لدخل المسلمين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره ولو انكسروا دائما لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميز الصادق من الكاذب. وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيّا عن المسلمين فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول حتى عاد التلويح تصريحا، وعرف المسلمون أن لهم عدوّا فى دارهم، واستعدوا لهم وتحرزوا منهم.
ومنها: أن فى تأخير النصر فى بعض المواطن هضما للنفس وكسرا لشماختها فلما ابتلى المسلمون صبروا وجزع المنافقون.
[ ١ / ٢٥٦ ]
ومنها: أن الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل فى دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها.
ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليها.
ومنها: أنه أراد هلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التى يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم فى إيذاء أوليائه، فمحص ذنوب المؤمنين ومحق بذلك الكافرين.