ثم غزوة بنى النضير- بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- قبيلة كبيرة من اليهود، فى ربيع الأول سنة أربع. وذكرها ابن إسحاق هنا.
قال السهيلى: وكان ينبغى أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل بن خالد وغيره عن الزهرى قال: كانت غزوة بنى النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد.
ورجح الداودى ما قاله ابن إسحاق من أن غزوة بنى النضير بعد بئر
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٤٠٨٩) فى المغازى، باب: غزوة الرجيع، ومسلم (٦٧٧) فى المساجد، باب: استحباب القنوت فى جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة.
(٢) انظرها فى «السيرة النبوية» لابن هشام (٢/ ١٩٠- ١٩٥)، وابن سعد فى «طبقاته» (٢/ ٥٧)، وابن كثير فى «البداية والنهاية» (٣/ ١٤٥- ١٥٤)، و«دلائل النبوة» (٣/ ١٧٦) .
[ ١ / ٢٦٧ ]
معونة، مستدلا بقوله تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ «١» .
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واه، فإن الآية نزلت فى شأن بنى قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأما بنو النضير فلم يكن لهم فى الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب فى جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم، فإنه كان من رؤسهم حيى بن أخطب، وهو الذى حسن لبنى قريظة الغدر، وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان فكيف يصير السابق لاحقا. انتهى.
وقد تقدم قريبا أن عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة عن أمه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف رجلين من بنى عامر معهما عقد وعهد من رسول اللهﷺ- لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بنى عامر، فتركهما حتى ناما فقتلهما عمرو، وظن أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول اللهﷺ- بذلك فقال: «لقد قتلت قتيلين لأدينهما» «٢» .
قال ابن إسحاق وغيره: ثم خرجﷺ- إلى بنى النضير ليستعين بهم فى دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية، للجوار الذى كانﷺ- عقده لهما، وكان بين بنى النضير وبين بنى عامر عقد وحلف.
فلما أتاهمﷺ- يستعينهم فى ديتهما قالوا: يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال. وكانﷺ- إلى جنب جدار من بيوتهم.
وقالوا: من رجل يعلو على هذا البيت فيلقى هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقى عليه الصخرة ورسول الله فى نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلىرضي الله عنهم-.
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٢٦.
(٢) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٦/ ١٢٩) وقال: رواه الطبرانى ورجاله ثقات.
[ ١ / ٢٦٨ ]
قال ابن سعد: فقال سلام بن مشكم: لا تفعلوا، والله ليخبرن بما هممتم، وإنه لنقض للعهد الذى بيننا وبينه.
قال ابن إسحاق: وأتى رسول اللهﷺ- الخبر من السماء بما أراد القوم، فقامﷺ- مظهرا أنه يقضى حاجته، وترك أصحابه فى مجلسهم، ورجع مسرعا إلى المدينة.
واستبطأ النبىﷺ- أصحابه، فقاموا فى طلبه حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما أرادت يهود من الغدر به.
قال ابن عقبة: ونزل فى ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ «١» الآية.
قال ابن إسحاق: فأمرﷺ- بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
ثم سار بالناس حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال. قال ابن إسحاق:
فتحصنوا منه فى الحصون فقطع النخل وحرقها وخرب.
فنادوه: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها.
قال السهيلى: قال أهل التأويل: وقع فى نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شىء حتى أنزل الله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ إلى قوله: وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ «٢» واللينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرنى. ففى هذه الآية أنه ﷺ- لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت الناس، وكانوا يقتاتون العجوة، وفى الحديث «العجوة من الجنة وتمرها يغذو أحسن غذاء» «٣»، والبرنى أيضا كذلك. ففى قوله تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ «٤» . ولم يقل
_________________
(١) سورة المائدة: ١١.
(٢) سورة الحشر: ٥.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٢٠٦٦) فى الطب، باب: ما جاء فى الكمأة والعجوة، وابن ماجه (٣٤٥٥) فى الطب، باب: الكمأة والعجوة، وأحمد فى «مسنده» (٢/ ٣٠١ و٣٢٥ و٣٥٦ و٤٨٨ و٤٩٠)، من حديث أبى هريرةرضي الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
(٤) سورة الحشر: ٥.
[ ١ / ٢٦٩ ]
من نخلة على العموم، تنبيه على كراهة قطع ما يقتات ويغذو من شجر العدو إذا رجى أن يصل إلى المسلمين.
قال ابن إسحاق: وقد كان رهط من بنى عوف بن الخزرج منهم عبد الله ابن أبى ابن سلول بعثوا إلى بنى النضير: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا، فقذف الله فى قلوبهم الرعب، فلم ينصروهم فسألوا رسول اللهﷺ- أن يجليهم عن أرضهم ويكف عن دمائهم.
وعند ابن سعد: أنهم حين هموا بغدرهﷺ- وأعلمه الله بذلك، بعث إليهم محمد بن مسلمة: أن اخرجوا من بلدى فلا تساكنونى بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشرا، فمن رؤى منكم بعد ذلك ضربت عنقه.
فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون، وتكاروا من أناس من أشجع إبلا، فأرسل إليهم عبد الله بن أبى: لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا فى حصونكم فإن معى ألفين من قومى من العرب يدخلون حصونكم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيى فيما قاله ابن أبى، فأرسل إلى رسول الله ﷺ-، إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك.
فأظهرﷺ- التكبير، وكبر المسلمون بتكبيره، وسار إليهمﷺ- فى أصحابه، فصلى العصر بفناء بنى النضير، وعلى يحمل رايته، فلما رأوا رسول اللهﷺ- قاموا على حصونهم، ومعهم النبل والحجارة، واعتزلهم ابن أبى ولم يمنعهم، وكذا حلفاؤهم من غطفان، فيئسوا من نصرهم، فحاصرهمﷺ- وقطع نخلهم، وقال لهم﵊-:
«اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة» - وهى بإسكان اللام قال فى القاموس، الدرع- فنزلت يهود على ذلك فحاصرهم خمسة عشر يوما، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم «١» .
_________________
(١) انظر الطبقات الكبرى، لابن سعد (٢/ ٥٧) .
[ ١ / ٢٧٠ ]
ثم أجلاهم عن المدينة وولى إخراجهم محمد بن مسلمة. وحملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ستمائة بعير فلحقوا بخيبر. وحزن عليهم المنافقون حزنا شديدا.
وقبضﷺ- الأموال، ووجد من الحلقة خمسين درعا وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا.
وكانت بنو النضير صفيّا لرسول اللهﷺ- حبسا لنوائبه، ولم يسهم منه لأحد، لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وإنما قذف فى قلوبهم الرعب، وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر، ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم، فقسمهاﷺ- بين المهاجرين ليرفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار، إذ كانوا قد قاسموهم فى الأموال والديار، غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما. وفى الإكليل: وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبى الحقيق، وكان سيفا له ذكر عندهم.