مكان معروف، وهى نصف طريق المدينة إلى دمشق.
وهى غزوة العسرة، وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها.
وكانت يوم الخميس فى رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، وذكر البخارى لها بعد حجّة الوداع لعله خطأ من النساخ.
وكان حرّا شديدا، وجدبا كثيرا، فلذلك لم يور عنها كعادته فى سائر الغزوات.
_________________
(١) انظرها فى «السيرة النبوية» لابن هشام (٢/ ٥١٥- ٥٣٧)، وابن سعد فى «طبقاته» (٢/ ١٦٥- ١٦٨)، والطبرى فى «تاريخه» (٣/ ١٤٢)، وابن كثير فى «البداية والنهاية» (٤/ ٣- ٦٨)، وابن القيم فى «زاد المعاد» (٣/ ٥٢٦- ٥٣٧) .
[ ١ / ٤١٨ ]
وفى تفسير عبد الرزاق، عن معمر عن ابن عقيل قال: خرجوا فى قلة من الظهر وفى حر شديد، حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما فى كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة فى الماء وفى الظهر وفى النفقة، فسميت غزوة العسرة.
وسببها أنه بلغهﷺ- من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل. فندبﷺ- الناس إلى الخروج وأعلمهم بالمكان الذى يريد، ليتأهبوا لذلك.
وروى الطبرانى من حديث عمران بن الحصين قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذى خرج يدعى النبوة هلك، وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم.
فبعث رجلا من عظامائهم وجهز معه أربعين ألفا. فبلغ ذلك النبى ﷺ- ولم يكن للناس قوة.
وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام فقال: يا رسول الله، هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية- يعنى من ذهب- قال: فسمعته يقول:
«لا يضر عثمان ما عمل بعدها» «١» .
وروى عن قتادة أنه قال: حمل عثمان فى جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا.
وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عفان بألف دينار فى كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها فى حجرهﷺ-، فرأيت رسول الله ﷺ- يقلبها فى حجره ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» «٢» خرجه الترمذى وقال: حسن غريب.
_________________
(١) أخرجه الطبرانى فى «الكبير» (١٨/ ٢٣١- ٢٣٢) من حديث عمران بن حصينرضي الله عنه-، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (٦/ ١٩١) وقال: رواه الطبرانى، وفيه العباس بن الفضل الأنصارى وهو ضعيف.
(٢) حسن: أخرجه الترمذى (٣٧٠١) فى المناقب، باب: فى مناقب عثمان بن عفان ﵁-، وأحمد فى «مسنده» (٥/ ٦٣)، والحاكم فى «مستدركه» (٣/ ١١٠)، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .
[ ١ / ٤١٩ ]
وعند الفضائلى والملاء فى سيرته، كما ذكره الطبرى فى الرياض النضرة من حديث حذيفة: بعث عثمان- يعنى فى جيش العسرة- بعشرة آلاف دينار إلى رسول اللهﷺ- فصبت بين يديه، فجعلﷺ- يقول بيديه ويقلبها ظهرا لبطن يقول: «غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالى ما عمل بعدها» «١» .
ولما تأهب رسول اللهﷺ- للخروج، قال قوم المنافقين: لا تنفروا فى الحر، فنزل قوله تعالى: وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ «٢» .
وأرسل﵇- إلى مكة وقبائل العرب يستنفرهم.
وجاء البكاؤن يستحملونه، فقال﵇-: لا أجد ما أحملكم عليه.
وهم: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب المازنى، والعرباض بن سارية، وهرم بن عبد الله، وعمرو بن عنمة، وعبد الله بن مغافل، وعبد الله بن عمرو المزنى، وعمرو بن الحمام، ومعقل المزنى، وحرمى بن مازن، والنعمان وسويد ومعقل وعقيل وسنان وعبد الرحمن وهند بنو مقرن. وهم الذين قال الله فيهم: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ «٣» قاله مغلطاى.
وفى البخارى عن أبى موسى قال: أرسلنى أصحابى إلى رسول الله ﷺ-، أسأله الحملان لهم، يا نبى الله، إن أصحابى أرسلونى إليك لتحملهم، فقال «والله لا أحملكم على شىء» فرجعت حزينا من منع النبى
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم عن حسان بن عطية عن أبى موسى الأشعرى كما فى «كنز العمال» (٣٢٨٤٧)، وابن عدى فى الكامل والدار قطنى، وأبو نعيم فى «فضائل الصحابة»، وابن عساكر عن حذيفة بن اليمان كما فى «كنز العمال» (٣٦١٨٩)، وأخرجه ابن أبى شيبة وأبو نعيم فى «فضائل الصحابة» وابن عساكر عن حسان بن عطية كما فى «المصدر السابق» (٣٦٢٤٥) .
(٢) سورة التوبة: ٨١.
(٣) سورة التوبة: ٩٢.
[ ١ / ٤٢٠ ]
- ﷺ-، ومن مخافة أن يكون النبىﷺ- وجد فى نفسه على فرجعت إلى أصحابى فأخبرتهم الذى قال النبىﷺ-. فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادى: أين عبد الله بن قيس، فأجبته، فقال: أجب رسول اللهﷺ- يدعوك. فلما أتيته قال: «خذ هاتين القرينتين وهاتين القرينتين لستة أبعرة ابتاعهم حينئذ من سعد، فانطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله، أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء فاركبوهن» «١» الحديث.
وقام علبة بن زيد، فصلى من الليل وبكى وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندى ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل فى يد رسولك ما يحملنى عليه، وإنى أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابنى فيها، مال أو جسد أو عرض. ثم أصبح مع الناس. فقال النبى:
«أين المتصدق بهذه الليلة» فلم يقم أحد، ثم قال: «أين المتصدق بهذه الليلة؟» فلم يقم أحد، ثم قال: أين المتصدق فليقم، فقام إليه فأخبره، فقال ﷺ-: «أبشر فو الذى نفس محمد بيده لقد كتبت فى الزكاة المقبلة» «٢» رواه يونس والبيهقى فى الدلائل، كما ذكره السهيلى فى الروض له.
وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فى التخلف، فأذن لهم، وهم اثنان وثمانون رجلا.
وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة جرأة على الله ورسوله وهو قوله تعالى: وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ «٣» .
واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة. قال الدمياطى: وهو عندنا أثبت ممن قال استخلق غيره. انتهى.
وقال الحافظ زين الدين العراقى، فى ترجمة على بن أبى طالب من
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٤٤١٥) فى المغازى، باب: غزوة تبوك وهى غزوة العسرة، ومسلم (١٦٤٩) فى الأيمان، باب: ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتى الذى هو خير ويكفر عن يمينه.
(٢) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٥/ ٢١٨، ٢١٩) .
(٣) سورة التوبة: ٩١.
[ ١ / ٤٢١ ]
شرح التقريب: لم يتخلف عن المشاهد إلا تبوك، فإن النبىﷺ- خلفه على المدينة، وعلى عياله، وقال له يومئذ: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى» «١» وهو فى الصحيحين من حديث سعد بن أبى وقاص.
انتهى. ورجحه ابن عبد البر.
وقيل: استخلف سباع بن عرفطة.
وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، منهم، كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وفيهم نزل وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا «٢» . وأبو ذر، وأبو خثيمة، ثم لحقاه بعد ذلك.
ولما رأىﷺ- أبا ذر الغفارى- وكانﷺ- نزل فى بعض الطريق- فقال: «يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده» «٣» . فكان كذلك.
وأمرﷺ- لكل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية.
وكان معهﷺ- ثلاثون ألفا. وعند أبى زرعة سبعون ألفا، وفى رواية عنه أيضا أربعون ألفا. وكانت الخيل عشرة آلاف فرس.
ولما مرﷺ- بالحجر- بكسر الحاء وسكون الجيم- بديار ثمود قال:
«لا تشربوا من مائها شيئا، ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له» ففعل الناس، إلا أن رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر فى طلب بعيره، فأما الذى خرج لحاجته فخنق على مذهبه وأما الذى خرج فى طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلى طيىء. فأخبر بذلك رسول
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٤٤١٦) فى المغازى، باب: غزوة تبوك، ومسلم (٢٤٠٤) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل على بن أبى طالبرضي الله عنه-.
(٢) سورة التوبة: ١١٨.
(٣) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٣/ ٥٢)، من حديث ابن مسعودرضي الله عنه-، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبى قائلا: إنه مرسل، وذلك لأن الراوى عن ابن مسعود، محمد بن كعب القرظى، لم تثبت له رواية عنه بلا واسطة.
[ ١ / ٤٢٢ ]
اللهﷺ- فقال: «ألم أنهكم» ثم دعا للذى خنق على مذهبه فشفى، وأما الآخر فأهدته طيىء لرسول الله حين قدم المدينة «١» .
وفى صحيح مسلم من حديث أبى حميد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول اللهﷺ- «ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله» فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلى طيىء «٢» .
وروى الزهرى: لما مر رسول اللهﷺ- بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون، خوفا أن يصيبكم ما أصابهم» «٣» رواه الشيخان.
ولما كانﷺ- ببعض الطريق ضلت ناقته.. فقال زيد بن اللصيت وكان منافقا-: أليس محمد يزعم أنه نبى ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدرى أين ناقته؟ فقال رسول اللهﷺ-: «إن رجلا يقول» وذكر مقالته، «وإنى لا أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى عليها، وهى فى الوادى فى شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها. فانطلقوا حتى تأتونى بها» «٤» فانطلقوا فجاؤا بها. رواه البيهقى وأبو نعيم.
وفى مسلم من حديث معاذ بن جبل: أنهم وردوا عين تبوك، وهى تبض بشىء من ماء، وأنهم غرفوا منها قليلا قليلا حتى اجتمع فى شن ثم
_________________
(١) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (٥/ ٢٤٠) .
(٢) صحيح: أخرجه البخارى (١٤٨٢) فى الزكاة، باب: خرص التمر، ومسلم (١٣٩٢) فى الفضائل، باب: فى معجزات النبىﷺ-.
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٤٤١٩ و٤٤٢٠) فى المغازى، باب: نزول النبىﷺ- الحجر، ومسلم (٢٩٨٠) فى الزهد والرقائق، باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، من حديث عبد الله بن عمررضي الله عنهما-.
(٤) أخرجه ابن هشام فى «السيرة النبوية» (٢/ ٥٢٣) عن محمود بن لبيد عن رجال من بنى عبد الأشهل بسند رجاله ثقات.
[ ١ / ٤٢٣ ]
غسلﷺ- به وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت بماء كثير، فاستقى الناس «١» . الحديث. ويأتى- إن شاء الله- فى مقصد المعجزات.
ولما انتهىﷺ- إلى تبوك أتاه صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية.
وأتاه أهل جرباء- بالجيم- واذرح- بالذال المعجمة والراء والحاء المهملتين- بلدين بالشام بينهما ثلاثة أميال، فأعطوه الجزية، وكتب لهمﷺ- كتابا.
ووجد هرقل بحمص، فأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك النصرانى، وكان ملكا عظيما بدومة الجندل، فى أربعمائه وعشرين فارسا فى رجب سرية، وقال له﵊-: «إنك ستجده ليلا يصيد البقر»، فانتهى إليه خالد، وقد خرج من حصنه فى ليلة مقمرة، إلى بقر يطاردها، هو وأخوة حسان، وهرب من كان معهما فدخل الحصن، ثم أجار خالد أكيدر من القتل، حتى يأتى به رسول اللهﷺ- على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفى بعير وثمانمائة فرس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح «٢» .
وفى هذه الغزوة كتبﷺ- كتابا فى تبوك إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب. رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث أنس.
وفى مسند أحمد أن هرقل كتب من تبوك إلى النبىﷺ-: أنى مسلم فقال النبىﷺ-: «كذب هو على نصرانيته» «٣» .
وفى كتاب الأموال لأبى عبيد، بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله نحوه ولفظه: فقال: «كذب عدو الله ليس بمسلم» .
ثم انصرفﷺ- من تبوك، بعد أن أقام بها بضع عشرة ليلة. وقال
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٧٠٦) (١٠) فى الفضائل، باب: فى معجزات النبىﷺ-.
(٢) انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (٢/ ٥٢٦)، و«البداية والنهاية» لابن كثير (٤/ ٣٠ و٣١)، و«زاد المعاد» لابن القيم (٣/ ٥٣٨) .
(٣) لم أجده فى المسند.
[ ١ / ٤٢٤ ]
الدمياطى- ومن قبله ابن سعد- عشرين ليلة، يصلى ركعتين، ولم يلق كيدا، وبنى فى طريقه مساجد.
وأقبلﷺ- حتى نزل بذى أوان- بفتح الهمزة بلفظ الأوان: الحين- وبينهما وبين المدينة ساعة جاءه خبر مسجد الضرار من السماء.
فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدى العجلانى فقال: انطلقا إلى مسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه. فخرجا فحرقاه وهدماه.
وذلك بعد أن أنزل الله فيه: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا «١» .
قال الواحدى: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير:
الذين اتخذوا مسجد الضرار كانوا اثنى عشر رجلا، يضارون به مسجد قباء، وذلك أنهم قالوا فى طائفة من المنافقين: نبنى مسجدا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد.
قال المفسرون: ولما بنوا ذلك لأغراضهم الفاسدة عند ذهاب رسول الله ﷺ- إلى غزوة تبوك، ونحن نحب أن تصلى فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال ﵊-: «إنى على جناح سفر، وإذا قدمن إن شاء الله تعالى صلينا فيه» «٢» . فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد، فنزلت هذه الآية.
ولما دناﷺ- من المدينة خرج الناس لتلقيه. وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
_________________
(١) سورة التوبة: ١٠٧.
(٢) الخبر أورده ابن هشام فى «السيرة النبوية» (٢/ ٥٢٩- ٥٣٠)، والبيهقى فى «الدلائل» (٥/ ٢٥٩- ٢٦٠)، وابن القيم فى «زاد المعاد» (٣/ ٥٤٩) .
[ ١ / ٤٢٥ ]
وقد وهم بعض الرواة- كما قدمته- وقال: إنما كان هذا عند مقدمه المدينة، وهو وهم ظاهر، لأن ثنيات الوداع إنما هى من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام- كما قدمت ذلك-.
وفى البخارى: لما رجعﷺ- من غزوة تبوك فدنا من المدينة، قال:
«إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر» «١» وهذا يؤيد معنى ما ورد: نية المؤمن خير من عمله «٢»، فإن نية هؤلاء أبلغ من أعمالهم، فإنها بلغت بهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم، وهم على فرشهم فى بيوتهم. والمسابقة إلى الله تعالى وإلى درجات العلا بالنيات والهمم لا بمجرد الأعمال.
ولما أشرفﷺ- على المدينة قال: «هذه طابة وهذا أحد، جبل يحبنا ونحبه» «٣» .
ولما دخل قال العباس يا رسول الله، ائذن لى أمتدحك قال: قل لا يفضض الله فاك، فقال:
من قبلها طبت فى الظلال وفى مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق
وردت نار الخليل مكتتما فى صلبه أنت كيف يحترق
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخارى (٢٨٣٩) فى الجهاد والسير، باب: من حبسه العذر عن الغزو، وابن ماجه (٢٧٦٤) فى الجهاد، باب: من حبسه العذر عن الجهاد، من حديث أنس بن مالكرضي الله عنه-.
(٢) انظره فى «كشف الخفاء» للعجلونى (٢٨٣٦) .
(٣) صحيح: أخرجه البخارى (٤٤٢٢) فى المغازى، باب: رقم (٨١)، ومسلم (١٣٩٢) فى الحج، باب: أحد جبل يحبنا ونحبه، وفى الفضائل، باب: فى معجزات النبىﷺ-، من حديث أبى حميد الساعدىرضي الله عنه-.
[ ١ / ٤٢٦ ]
حتى احتوى بيتك المهمين من خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأر ض وضاءت بنورك الأفق
فنحن فى ذلك الضياء وفى ال نور وسبل الرشاد نخترق
وقوله: من قبلها طبت إلخ: أى ظلال الجنة، أى إنك كنت طيبا فى صلب آدم حيث كان فى الجنة.
وقوله: من قبلها: أى قبل نزولك إلى الأرض فكنى عنها ولم يتقدم لها ذكر لبيان المعنى.
وقوله: ثم هبطت البلاد لا بشر، أى لما أهبط الله آدم إلى الدنيا، كنت فى صلبه غير بالغ هذه الأشياء.
وقوله: وقد ألج نسرا وأهله الغرق، يريد الصنم الذى كان يعبده قوم نوح وهو المذكور فى قوله تعالى: وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا «١» .
وقوله: حتى احتوى بيتك المهمين إلخ. النطق: جمع نطاق. وهى أعراض من جبال بعضها فوق بعض أى: نواح وأوساط منها شبهت بالنطق التى تشد بها أوساط الناس. ضربه مثلا فى ارتفاعه وتوسطه فى عشيرته وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال وأراد ببيته: شرفه، والمهمين: نعته، أى احتوى شرفه الشاهد إلى فضلك أعلى مكان من نسب خندف- وهو بكسر الخاء المعجمة والدال المهملة- انتهى.
وجاءهﷺ- من كان تخلف عنه، فحلفوا له فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ أمر كعب وصاحبيه حتى نزلت توبتهم فى قوله تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «٢» .
_________________
(١) سورة نوح: ٢٣.
(٢) سورة التوبة: ١١٧، ١١٨.
[ ١ / ٤٢٧ ]
والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع.
وعند البيهقى فى الدلائل، من مرسل سعيد بن المسيب: أن أبا لبابة بن عبد المنذر لما أشار لبنى قريظة بيده إلى حلقه: إنه الذبح وأخبر عنه رسول الله ﷺ- بذلك فقال له رسول اللهﷺ-: «أحسبت أن الله قد غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك»، فلبث حينا ورسول اللهﷺ- عاتب عليه، ثم غزا تبوكا فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله ﷺ- منها جاءه أبو لبابة يسلم عليه فأعرض عنه رسول اللهﷺ-، ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة سبعا وقال: لا يزال هذا مكانى حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله على «١» . الحديث.
وعنده أيضا من حديث ابن عباس فى قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا «٢» . قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبى ﷺ- فى غزوة تبوك، فلما رجعﷺ- أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوارى المسجد وكان ممر النبىﷺ- إذ رجع فى المسجد عليهم، فقال: «من هؤلاء؟» قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم، فقال: «أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذى يطلقهم، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو» فأنزل الله تعالى:
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ «٣» . فلما نزلت أرسل النبىﷺ- فأطلقهم وعذرهم «٤» . الحديث.
قالوا: ولما قدمﷺ- من تبوك وجد عويمر العجلانى امرأته حبلى، فلاعن﵇- بينهما.
_________________
(١) انظره فى «دلائل النبوة» للبيهقى، (٥/ ٢٧٠) .
(٢) سورة التوبة: ١٠٢.
(٣) سورة التوبة: ١٠٢.
(٤) انظره فى المصدر السابق (٥/ ٢٧١- ٢٧٢) .
[ ١ / ٤٢٨ ]