د - الصبر والثبات والبطولة:
وإن تأنس بالرسل فلتأنس بما كانوا عليه من صبر وثبات وإقدام.
رجل أعزل نازل وحده أمه حتى انقادت له على الإسلام. فبأي سلاح فرق النبي صفوف الخصوم الألداء؟ إنه الصبر والثبات وإني لأحسبه أمضى سلاح في دك أسوار الجاهلية والوثنية.
كانت معركة الرسول ﷺ بين فئتين غير متكافئتين كما قضت حكمة الله أن ينازل الرسول وحده قوة مناوئة ذات عدد، فلابد من الصمود في وجهها صمودًا باسلًا يكشف عن ثبات الحقيقة التي يدعو إليها. ويفضح زيف العقائد التي يتشبث بها الجاهليون وما من نبي إلا جعل الله في عزيمته من الثبات ما تزول منه الجبال وما يزول؛ موقف راسخ، ملءه الحزم والتصميم والإقدام يريد أن يفتح قلوبًا مغلقة، وأن ينفذ إلى ضمائر مظلمة وفي نفسه قوة لا تقهر وإرادة لا تنثني، إذ آمن أن الله معه، هذا التحدي نجده في إنذار هود قومه: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ٤ هود: ٥٦.
[ ١٩٤ ]
فالصبر إذا ميدان التجربة، وهو الكاشف الحقيقي للأفكار المتصارعة وفائدتها الكبرى هو هذا الالتحام والنزال بين العقيدتين وكان من الهين على رسول الله أن ينسحب بالفكرة، والرسالة إلى أرض، لا يلقي فيها مقاومة ولكنه عندئذ لا يربح المعركة، وما يكون كسب المعركة إلا باللقاء، ولهذا أمر محمد ﷺ بنوع خاص من الصبر هو الصبر الجميل. وهذا الصبر جميل في أسلوبه وفي عواقبه اتصال بالمناوئين وهجوم على قلوبهم بالعقيدة ومجابهتهم بالحق، بما لدى الرسول من الحكمة والموعظة الحسنة حتى إذا طاشت أحلامهم وثاروا به ثبت لهم ولم يتراجع حتى يرهبهم صبره وتهزمهم عقيدته ولا أبلغ من تصوير هذا الواقع من انهزام الكفار انهزام عقيدة ونفس من قوله تعالى فيهم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ ١.
ومن ثم تبدو مواقف النبي ﷺ خارجة عن طاقة أي إنسان، ولو كان شديدا ولعل هذه البطولة هي التي تكسبه الأنصار بل تنتزع الرجال من صفوف الخصوم إلى صفوف الأنصار تأخذهم روعة الموقف البطولي، فيعبرون البرزخ إلى معسكر النبي ﷺ. ألم يعبر عمر وخالد وغيرهما البرزخ جهارا.
إن هذه المواقف الخالدة في عالم البطولة فرضت احترام النبي على الأعداء، فقال فيه أحد معارضيه: "هو القرم الذي لا يقدع أنفه"٢ وهي التي بعثت الإعجاب في عمه أبي طالب وعشيرته، فاحتملوا من أجله ما احتملوا.
ولكني - معذرة - إذا أطلقت اسم البطولة على صبر النبي ﷺ، فلم أظفر بكلمة أبلغ في الدلالة منها، فإن بطولة محمد والأنبياء ﵈، ليست كبطولة الرجال الممتازين الأقوياء ليست كبطولة القياصرة والأباطرة، وقادة الجيوش من قيصر روما ونابليون إلى مونتغمري ورومل وغيرهم، فإن أمثال هؤلاء كانوا أبطالًا لأنفسهم. صفق لهم الناس لحظات، فما زالوا أو سقطوا لم يبق منهم إلا أشباح باهتة، ولم يبق من بطولاتهم إلا ذكرى كالصدى الضائع في مجاهيل الأرض، أما محمد صلى الله عليه
_________________
(١) ١ المدثر: ٥٠. ٢ ينسب هذا القول لأبي سفيان قبل إسلامه وينسبه بعضهم لورقة بن نوفل وكان من المشجعين للرسول. انظر لسان العرب ق. ع.
[ ١٩٥ ]
وسلم فلم يكن بطلًا لنفسه، وإنما لخير الإنسانية وهداها، فما في بطولته صلف، ولا كبرياء، ولا طغيان ولا تمجيد لذاته بل كانت بطولته العدالة، والحق والإنصاف والتقوى. ولذلك ما زالت مواقف صبره وجهاده، تفيض من القيم الإنسانية البطولية، ولم تستطع العصور، ولن تستطيع أن تفقدها من جدارتها شيئًا.
وخير من كلمة البطولة اسم النبوة؛ فالنبوة فوق البطولة، وما بينهما، كما بين الأرض والسماء، ولأمر ما لقبه أحد كتاب الغرب "بطل الأبطال"١.
_________________
(١) ١ هو توماس كارليل مؤلف كتاب الأبطال.
[ ١٩٦ ]