كان استبسال الرسل في نشر الدعوة، والتمكين، وفاء منهم بعهد الله، ذلك لأنهم قد واثقوا الله على الإخلاص له ومنح حياتهم كلها للرسالة قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ .
وعلى هذا لم يعرفوا لوجودهم معنى ولا غاية غير إنفاذ كلمة الله على أتم وجه وأصدق أداء وهذه المسؤولية في الحفاظ على الدين والاستمساك به ونشره في الأرض، تنتقل إلى المؤمنين من بعدهم قال تعالى بعد تلك الآية: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ .
والمؤمنون الصادقون لا يدخرون جهدًا في اتباع الطريقة المثلى لإعلاء كلمة الله، والوفاء بعهده حتى يفدوا الدين المأثور الخالد والمطلب الأسنى لهم. به يحيون ومن أجله يحيون، فأي تضييع لجانب منه خسارة لا تعوض، فيكون الجهد الإيجابي البناء في حياة الأمة أن يحتفظوا بالدين صافيًا خالصًا لا ينفصلون عنه في صغيرة أو كبيرة من شؤون دنياهم أو آخرتهم حتى لا يرتدوا إلى النقصان وفي النقصان الانحطاط والخسران.
إن العقيدة الإسلامية تبعث في نفوس أتباعها تساميًا رائعًا يدركون به معنى إنسانيتهم وتكاملها الصاعد في سبيل الله، لذلك كان أشد ما يخشاه الأنبياء هو الابتعاد أو التراجع أو انتهاء الحياة على غير شريعة الله، فتكون في ذلك مأساة الإنسان الحقيقية، مأساة ضلاله وضياعه وخسرانه في دار الابتلاء فكانت وصية إبراهيم لأبنائه أن يستمسكوا بالدين حتى الرمق الأخير،
[ ١٩٦ ]
قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١
لقد تمت نعمة الله على الإنسان بالإسلام، به يعرف غاية وجوده وسبيله إلى الفوز والكمال، فإن أنف منه واستعلى على نعمة الله أضاع حقيقته وخسر نفسه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ٢.
وكان مما يقلق بال رسول الله ﷺ أن ينحدر المسلمون في سلم القيم الربانية التي بلغوها بالإسلام فكان يقول: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" ٣.
وربما كان مصدر هذا القلق ما علمه الرسول من أن المؤمنين في موقف دقيق، يتطلب منهم أن يقيموا التوازن العادل بين تعاليم الله ورغبات النفوس، فإن أي ترجيح للأهواء ينتهي إلى تغلب قيم الأرض على قيم السماء فكان ﵊ ينبه إلى الأعراض الخطيرة التي تنشأ من ذلك في حياة المسلمين فقال: "ما نقض قوم عهد الله ورسوله إلا تسلط عليهم عدو من غيرهم، يأخذ بعض ما كان في أيديهم وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله، وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم" ٤. ولا يعوزنا الدليل في حياتنا الحاضرة على صدق الخبر.
فلم كتب علينا أن نقاسي سريعًا مما صنعته أيدينا، وجلبناه على أنفسنا؟ ألسنا بمسلمين، ألسنا أحق الناس برحمة الله ورأفته؟
بلى، ولكن الله قال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٥ وإن الله قد وعد هؤلاء رفيع المنزلة، وسنى الجوائز وعالي المقامات وعظيم الثواب، ولكن ليس وعدًا جزافًا، إن هو إلا جزاء الواجبات العظيمة والمهمات الشاقة التي كلف بها المؤمنين. إننا نجد في شرع الله كله أن
_________________
(١) ١ البقرة: ١٣٢. ٢ البقرة: ١٣٠. ٣ رواه أحمد في مسنده ومسلم والبخاري والنسائي وابن ماجة. ٤ في حديث رواه ابن هشام في السيرة م٢ ص٦٣١ عن عبد الله بن عمر رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس بلفظ مختلف وقال حديث صحيح. وهو خمس بخمس؛ ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنز ل الله إلا فشا فيهم الفقر، وظهرت فيعم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، طففوا المكيال إلا منعوا الثبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر. ٥ الأعراف: ٥٦.
[ ١٩٧ ]
هؤلاء الذين حباهم ربهم بالفضل العظيم والمسؤولية الكبرى في موقف بالغ الدقة والحساسية، وإن أساءوا عوقبوا ضعفين، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا، وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ١.
ذلك أن الله يجعل الثواب والعقاب مكافئًا لأحوال المكلف ومقدار التكليف، والإحسان أو الإساءة فيه.
ألا ترى أن فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٢ لأنه المسؤول عن استخفافه قومه، وإيرادهم النار!، وأن امرأة فرعون بنى الله لها قصرًا في الجنة، إذ استطاعت أن تنجو بقلبها من الوسط الكافر، وهو أمر لا بد فيه من الجهد والعناء، ومكافحة الموانع والحوائل مكافحة مريرة، في سبيل استنقاذ النفس من براثن الكفر الحاكم؟
لقد استبان الأمر، إذ حصحص الحق، إننا عهد إلينا بالقوامة على الناس والشهادة عليهم في اتباع شرع الله، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٣.
لقد كرمنا الله بمسؤولية الشهادة على الناس ما حكمنا بشريعة الله والرسول.
فبذلك نكون من المحسنين ومن رحمة الله قريبين، وأجرنا بإذن الله أجران: أجر الإسلام وأجر القيام على الناس بالإسلام.
فإن أبينا الكرامة وتخلينا عن الواجب وقع علينا ما أنذرنا الله به ورسوله نالتنا عقوبة الله مضاعفة وخسرنا خسرانا كبيرًا خسرنا أنفسنا وخسرنا حق الشهادة على الناس، فلم يعترف لنا به الأمم، بل صرنا موطئ أقدامهم وقصعة أكلهم، وموضع المهانة والإذلال إن اصطفاء الأمة الإسلامية لرسالة الله، تضعها في هذا الموقف الدقيق الحساس، وتجعل منها أمة نسيج وحدها: أمة من شجرة مباركة طيبة لا شرقية ولا غربية تولي وجهها شطر المسجد الحرام، فلا تدور في فلك أحد، بل تدور
_________________
(١) ١ الأحزاب: ٣١. ٢ هود: ٩٨.. ٣ البقرة ١٤٣.
[ ١٩٨ ]
في فلكها الأمم، لأنها منحت دور الشهيد في تنفيذ شرع الله، والقائم بهذه المهمة لا يستوحي من غيره، ولا يقبل خضوعا، ولا تبعية، ولا تتم له الرسالة إلا بالاستقلال عن المؤثرات الغريبة، وبامتلاك قوة التأثير والتوجيه.
[ ١٩٩ ]