بعد جوازِ أمَّةِ محمدٍ ﵊ على الصراطِ ينجُو كلُّ من زادتْ حسناتُه على سيئاتِه ولو بحسنةٍ واحدةٍ ولذلك فهم يتفاوتون في سرعتِهم على الصراطِ كما ذُكرَ سابقًا فمنهم مَنْ لا يشعرُ بِحَرِّها من سرعتِه ومنهم من تَلفَحُه ومنهم من يُشوَى ويتقلقلُ بِحَرِّها ولَهَبِها. أما مَنْ رجحتْ سيئاتُهم فمُكردَسون في بطنِها عياذًا باللهِ، إلاَّ أنْ يعفُوَ اللهُ عنهم أو يخرجون بعد ذلك بالشفاعة. ويبقَى قومٌ تساوتْ حسناتُهم مع سيئاتِهم حتى ينظرَ اللهُ فيهم وهم أصحابُ الأعرافِ فيقفون على سورٍ بين الجنةِ والنارِ قيل هو سورُ الأعرافِ فإذا رأَوْا أصحابَ الجنةِ ونجاتَهم غَبِطوهم وسألوا اللهَ أن يُدخلَهم معهم ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] فيَبقوْن على هذه الحالِ حتى يعفوَ اللهُ عنهم بشفاعةِ محمدٍ ﷺ.
فعن حذيفةَ ﵁ قال: (أصحابُ الأعرافِ قومٌ تجاوزتْ بهم حسناتُهم النارَ وقَصُرتْ بهم سيئاتُهم عن الجنةِ) (^١).
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين، ج ٢/ ص ٣٥٠ وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[ ١١٨ ]
وقال ابن عباس ﵁: (السابقُ بالخيراتِ يدخلُ الجنةَ بغيرِ حسابٍ والمقتصدُ يدخلُ الجنةَ برحمةِ اللهِ والظالِمُ لنفسِه وأصحابُ الأعرافِ يدخلون الجنةَ بشفاعةِ محمدٍ ﷺ (^١).
يا له من موقف رهيب يوم تنظر عن يمينك فترى الجنة وأهلها ينعّمون فيها، وتنظر ذات الشمال فترى النار وأهلها يعذّبون فيها، ولا تعلم من أي الفريقين أنت .. بل وتخيَّل كيف يكون موقفك في أرض المحشر وقد تساوتْ حسناتُك مع سيئاتِك وبِتَّ تبحثُ عمَّن يتصدقُ عليك بحسنةٍ واحدةٍ .. هذه الحسناتُ التي كانت في الدنيا بضاعةً كاسدةً وكان الرجلُ منّا يزهدُ فيها وكأنَّه في غنىً عنها .. ها أنت اليوم تتوسلُ إلى أُمِّك (إنْ وجدْتَها في تلك الظلمةِ وذلك الزحام الشديد) فتقولُ لك نفسي نفسي، لا أوثِرُك اليومَ على نفسي.
فتبحثُ عن أبيك .. وتبحثُ .. وتسألُ، وكلٌّ في شغلٍ عنك، كلٌّ يريدُ أن ينجوَ بنفسِه وكلٌّ يبحثُ عمَّا أنت باحثٌ عنه، تخيلْ كم ستستغرقُ من الزمن كي تجدَه بين هؤلاء البشرِ في تلك الظلمةِ، وإن وجدته .. كم ستكونُ فرحتُك غامرةً وكأنَّك وجدْت كنْزًا، وتظنُّ أنَّ كُربتَك قد فُرجَتْ، فها قد وجدت والدَك العطوفَ الذي كان يُغدقُ عليك ويبذلُ من أجلِك كلَّ غالٍ ونفيسٍ، إنه لن يبخلَ عليك الآن بتلك الحسنةِ .. ولكن يالَخيبةِ أملِك؛ فما تلبثُ أنْ يَدبَّ اليأسُ إلى قلبِك من جديدٍ
_________________
(١) المعجم الكبير ج ١١/ ص ١٨٩.
[ ١١٩ ]
بعد أن تسمعَ منه تلك العبارةَ (نفسي … نفسي) فتتذكرُ زوجتك الحبيبةَ، أمَّ أولادِك، التي طالما أغدقت عليها من الدلالِ والملبسِ والمأكلِ، فكم ستستغرقُ أيضًا في سبيلِ البحثِ عنها، كم من السنين الطوالِ التي تساوي أضعافَ عمرِك في الدنيا في سبيلِ البحثِ عن تلك الزوجةِ، ولكن ما إن تجدْها حتى تسمعَ منها الإجابةَ نفسَها، فتذهبُ إلى كلِّ مَنْ يَخطرُ ببالِك تستنجدُ به، إلى ولدِك، فلذةِ كبدك، إلى ابنتك، إلى أخيك، وأختِك، وخالِك، وعمِّك، ثم إلى سائرِ عشيرتِك فتسمعُ الإجابةَ اليائسةَ في كلِّ مرةٍ: (نفسي … نفسي).
لقد مضَى عليك أكثرُ من عمرِك في الدنيا، بل أضعافُه، خمسون ألفَ سنةٍ وأنت تبحثُ عن حسنةٍ، كان بإمكانِك الحصولُ عليها بل على العديدِ من الحسناتِ في الدنيا في أقلَّ من الجزءِ من الدقيقةِ.
إنَّ احتمالَ عثورِك على أبيك أو أمِّك أو أحدٍ من أقربائِك في ذلك الوقت بين ملياراتِ البشرِ احتمالٌ ضئيلٌ جدًا، يستغرقُ آلافَ السنين من الخمسين ألف سنة، وذلك في علمِ الاحتمالاتِ كمن يبحثُ عن كرةٍ ذاتِ نقطةٍ سوداءَ بين ملايينِ الكراتِ المماثلةِ بدونِ النظرِ إليها، وذلك بالطبعِ سوف يستغرقُ من الوقتِ ما لا يُحصَى. هذا مع احتماليةِ فرارِهم منك ومحاولةِ التخفِّي عن أنظارِك خشيةَ أن تكونَ لك مظلمةٌ عليهم يومَ لا يتحملُ أحدٌ عن أحدٍ وزنَ جناحِ بعوضةٍ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ
[ ١٢٠ ]
مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٣٧﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].
أرأيتَ كيف أصبحتْ سوقُ الحسناتِ الآن غاليةً؛ تلك التي لم تكن تأبَهُ لقيمتِها في الدنيا، لم تكن تساوي عندَك سيجارةً واحدةً من التي ينفثُها صاحبُها لدقائقَ ثم ما يلبثُ أن يسحقَها تحت قدميْه، كم كان يستغرقُ من الوقتِ في شربِها، إن ما استغرقَه في شربِها ونفْثِ دخانِها كنتَ تستطيعُ أنت الحصولُ فيه على آلافٍ مؤلَّفةٍ من الحسناتِ، نعم واللهِ آلافٌ مؤلفةٌ من الحسناتِ.
ولنفترضْ جدلًا أنك قد تَحصَّلت على تلك الحسنةِ عند أحدِهم كم كنت على استعدادٍ لأن تدفعَ في سبيلِ امتلاكِها؟ أليس كنت ستدفعُ كلَّ ما تملك من غالٍ ونفيسٍ، نعم، كيف لا؟ فبها بعد رحمةِ اللهِ يترجح ميزانك فتدخل الجنةَ وتُعتَقُ من النارِ؛ يقولُ الله تعالى في شأنِ الكفارِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]، وينطبقُ عليك هذا القولُ: إنْ لم يرحَمْك ربُّك فلن يُقبلَ منك لو كنت تملكُ ما في الأرضِ جميعًا ومثلَه معه، لأنَّ سوقَ المالِ والمادةِ الآن لا قيمةَ له ولا وزنَ .. وبضاعتُه اليومَ أصبحتْ كاسدةً وحتمًا سوف تبحثُ عن شيءٍ آخرَ، تفتدي به في سبيلِ الحسنةِ الغاليةِ؛ يقول تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ
[ ١٢١ ]
لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ١١ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ١٢ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ١٣ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ١٤﴾ [المعارج: ١١ - ١٤].
إذن تلك الحسنةُ تساوي مَنْ في الأرضِ وما في الأرضِ جميعًا؛ لو أنَّهم ملكٌ لك لبذلتهم جميعًا فداءً في سبيلِ الحصولِ عليها.
لعلك لا تكادُ تصدِّقُ أن تلك الحسنةَ التي كانت حقيرةً في عينيْك سوف يأتي عليها يومٌ من الأيامِ وإذا بقيمتِها ترتفعُ في (بورصةِ) الأسعارِ يومَ العرضِ الأكبرِ حتى تساوي الدنيا وما فيها.
أرأيتَ، يا من كنت تَعُدُّ نفسَك من الأذكياءِ، أمَا اتَّضحتْ لك (الجدوى الاقتصاديةُ) للحسنةِ بعد هذه الدراسةِ المسهَبةِ والأكيدةِ التي لا احتمالَ فيها ولا مُخاطَرةَ؟ لقد كنتَ تُخاطِرُ بأموالِك في تجارةٍ غيرِ مؤكدةِ الربحِ، فهذه مضمونةُ الأرباحِ سليمةٌ من الخسارةِ.
سارعْ يا رعاك الله قبلَ أن يُغلقَ بابُ العرضِ والطلبِ فلا يعودُ لما تملكُ قيمةٌ إلا الحسناتُ، سارعْ باقتنائِها فإن التجارةَ رابِحةٌ والسوقَ يومئذٍ رائجةٌ وأبوابَها اليومَ لا حصرَ لها.
* * *
[ ١٢٢ ]