في ذلك الحرِّ اللاهبِ يتمنَّى المرءُ ولو شجرةً من شوكٍ تقيه لفحَ الشمسِ وحرَّ جهنمَ ليستظلَّ بظلِّها، والظلُّ هناك ليس من نور الشمسِ وأشعتها فالأجواءُ يومئذٍ مظلمةٌ بل إنَّ الظلَّ يكون عازلًا عن الحرارةِ والله أعلم، فهل هناك ظلٌّ؟
قال ﷺ: «ظِلُّ المؤمنِ يوم القيامةِ صدقتُه» (^١) فقد يكون هناك مظلاتٌ تتفاوتُ في أحجامِها وسماكتِها بحسب طيب الصدقة وقبولها (^٢) يتفيَّأُ تحتَها المؤمنُ ويستظلُّ أو أنه يكون في كنفها وحمايتها.
وقال: «… وَالْمُتَحَابُّونَ في اللَّهِ على مَنَابِرَ من نُورٍ في ظِلِّ الْعَرْشِ يوم لاظل إلا ظِلُّهُ» (^٣).
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة ج ٤/ ص ٩٥ ورقمه ٢٤٣٢. وفي مسند الإمام أحمد ج ٤/ ص ١٤٧ «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس» ورقمه ١٧٣٧١. وذكره الألباني في صحيح الجامع.
(٢) وذلك بحسب الإخلاص فيها والرغبة وهل هي من الفائض أو من جهد المقل.
(٣) مسند أحمد بن حنبل ج ٥/ ص ٢٣٦ ورقمه ٢٢١١٧ وقال الأرناؤوط حديث صحيح.
[ ٦٦ ]
وهذا أشرف ظل وأعلاه، ظل عرش الرحمن ﷿، وفي قوله لا ظل إلا ظله قال القرطبي: فإن قيل حديث المرء في ظل صدقته حتى يقضي الله بين الخلائق وحديث سبعة يظلهم الله يدل على أن في القيامة ظلالا غير ظل العرش بحسب الأعمال تقي أصحابها حر الشمس والنار وأنفاس الخلائق ولكن ظل العرش أعظمها وأشرفها يخص الله به من شاء من عباده الصالحين …
ويحتمل أنه ليس هناك إلا ظل العرش .. ولكن لما كانت تلك الظلال لا تنال إلا بالأعمال وكانت الأعمال تختلف حصل لكل عامل ظل يخصه من ظل العرش بحسب عمله (^١).
وأقول لربما تكون هذه الظلال وقت الانتظار قبل نزول الرب جل وعلا واستظلال البعض بظل عرشه، فإذا استظلوا بظله، استغنوا به عن كل ظل، قال ﷺ فيما يرويه عن رَبِّهِ ﵎:
«حَقَّتْ محبتي على الْمُتَزَاوِرِينَ في وَحَقَّتْ محبتي على المتبَاذِلِينَ فيّ على مَنَابِرَ من نُورٍ يَغْبِطُهُمْ بِمَكَانِهِمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ» (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر شرح الزرقاني ج ٤/ ص ٤٣٦.
(٢) مسند أحمد بن حنبل ج ٥/ ص ٣٢٨ ورقمه ٢٢٨٣٤. وقال الأرناؤوط إسناده صحيح، رجاله ثقات.
[ ٦٧ ]