إذنْ يبقَى الخلقُ في ذلك الانتظارِ أربعين سنةً حتى يبلغَ منهم الكربُ مبلغَه فيتشاورون فيمَن يشفعُ لهم عند الله فيقولون نذهب لآدمَ فيذهبون إليه فيقولون يا آدمُ أنت أبو البشر خلقَكَ الله بيدِه ونفخَ فيك من روحِه وأمرَ الملائكةَ فسجدوا لك وأسكنك الجنةَ، ألا تشفعُ لنا إلى ربِّك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغَنا فيقول ربِّي غضبَ غضبًا لم يغضبْ قبله مثلَه ولا يغضبُ بعدَه مثلَه ونهانِي عن الشجرةِ فعصيتُه، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوحٍ. فيأتون نوحًا فيقولون يا نوحُ أنت أولُ الرسلِ … والحديث معروف في صحيح البخاري وكلُّ نبيٍّ يقول نفسي نفسي ويُحيلُهم إلى من بعده حتى يأتوا نبيَّنا محمدًا ﵊ فيقول أنا لها فيسجدُ تحت العرشِ ويفتحُ الله عليه بمحامدَ وحسنِ ثناءٍ فيُقالُ يا محمدُ ارفعْ رأسَك واشفعْ تُشَفَّعْ وسلْ تُعْطَه: فيسألُه فصلَ القضاءِ وهي الشفاعةُ العظمى لأهلِ المحشرِ كافة مؤمنِهم وكافرِهم، إنسِهم وجنِّهم.
وفي هذا المقام المحمود الذي لا يكون إلا له صلوات الله وسلامه عليه حيث ينسى كل حميم حميمه وكل نبي أمته فالكل يقول نفسي نفسي،
[ ٦٨ ]
يسألُ نبينا الكريم محمدٌ ﷺ ربه كذلك شفاعةً خاصةً لأمتِه قائلًا: «أمتي يا ربّ أمتي يا ربّ. فيُقال يا محمدُ أَدخِلْ من أمتِك مَنْ لا حسابَ عليهم من البابِ الأيمنِ من أبوابِ الجنةِ وهم شركاءُ الناس فيما سوى ذلك من الأبوابِ» (^١) فيدخل بشفاعته السبعون ألفًا أو السبعمائة ألف وفي رواية «مع كل ألف سبعون ألفا» وبحساب ذلك يكون عددهم أربعة ملايين وتسعمائة (^٢) بل وأكثر من ذلك بكثير فإن من فضل الله تعالى وكرمه الذي لا يحدّ أن يحثو بكفيه سبحانه حثيات ثلاث من أمة الحبيب المصطفى ﷺ فيدخلهم معهم بغير حساب قبل أن يبدأ الفصل بين الناس (^٣)، اللهم اجعلنا منهم ففي الحديث: «وَعَدَنِي رَبِّي سُبْحَانَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ من أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عليهم ولا عذاب مع كل أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ من حَثَيَاتِ رَبِّي ﷿» (^٤).
وبعد الشفاعة العظمى ينْزل اللهُ ﷿ لفصل القضاء في ظُلَلٍ من الغَمامِ من العرشِ إلى الكرسيِّ ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ
_________________
(١) جزء من حديث في صحيح البخاري ج ٤/ ص ١٧٤٦ ورقمه ٤٤٣٥.
(٢) لحديث: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا، لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا». صحيح/ صحيح الجامع.
(٣) يحتمل أن يكون دخولهم هذا أي تنعّمهم في مكان عند أبواب الجنة لأنه ثبت في الصحيح أن أول من يدخل الجنة هو الرسول ﷺ ..
(٤) سنن ابن ماجه ج ٢: ص ١٤٣٣ ورقمه ٤٢٨٦ وقال الألباني صحيح. وذكره الترمذي وصححه.
[ ٦٩ ]
الْكِتَابُ وَجِايءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩]، فعند نزول الربِّ جلَّ وعلا تُشرقُ الأنوارُ على الأرضِ من جديدٍ.
* * *
[ ٧٠ ]