وفي الحديثِ الحسَنِ «.. والربُّ ﵎ أمامَهم حتى يَمرَّ بهم إلى النارِ فيبقى أثرُه كحدِّ السيفِ …» (^١) وهذا هو الصراطُ وسُمكُه أدقُّ من الشعرةِ دَحضٌ مَزَلَّةٌ وعليه كلاليبُ وأشواكٌ، وترسل على جنبيه الأمانة والرّحم (^٢) تتخطفان كل خائنٍ وقاطع.
فإذا مرَّ الرَّبُّ ﷿ عادتْ أرضُ المَحشَرِ فأظلمتْ (والله تعالى أعلمُ) فيبقوْن في ظلامٍ دامسٍ وليلٍ داكنٍ، ليس هناك من نورٍ إلا بقدرِ ما عندَ كلِّ واحدٍ منهم من إيمانٍ وصلاحٍ .. ولنا هنا أن نتخيَّلَ صعوبةَ الموقفِ.
رأيتُ في صحيفة صورةً لهاوٍ مُدرَّب وفي قدميه حذاء خاص يَمشي على حبلٍ قد نُصبَ بين جبلين شاهقين، وبين يديه عصًا طويلة تساعده على الاتزان. ورغم ذلك فقد كان منظره يدعو إلى الرهبة لبعد الهوّة من تحت أقدامه، ولما تخيلت موقفه، حبستُ أنفاسي خوفًا من سقوطِه وطارت نفسي من بين جوانِحي من رهبةِ الموقفِ وتساءلتُ في نفسي
_________________
(١) انظر الحديث بنصه في الترغيب والترهيب ج ٤/ ص ٢١١ ورقمه ٥٤٤٢ وصححه الألباني في صحيح الترغيب ورقمه ٣٥٩١.
(٢) انظر الحديث في صحيح الجامع ورقمه ٨٠٢٧.
[ ١٠٣ ]
ماذا لو اختلَّ توازنُه؟ ماذا لو سقطَ هذا الأحمقُ؟ ماذا لو كنتُ مكانَه والله لو أُعطيتُ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما فعلتُ فعلتَه. وما لبثتُ أن تذكرتُ الصراطَ وكلُّنا سيَعبُرُه مُكرَهًا لا طائعًا.
ولن يكون حبلًا غليظًا بل أدقَّ من الشعرةِ.
لا ولن يكون سميكًا أو مفتولًا بل أحدُّ من السيفِ.
ولن يكون خشِنًا تثبتُ عليه الأقدامُ بل دحضٌ مزَلَّةٌ.
ولن يكون في قدميْك ساعتئذٍ حذاءٌ خاصٌ يساعدُك على العبورِ كما فعل ذلك الرجلُ بل ستكون حافِيَ القدمين.
ولن تستطيعَ يومئذ أن تُمسِكَ بعصًا كما فعل ذلك الشابُّ لتحفظَ توازنَك بل ستجدُ عليه من العقباتِ ما يُعيقُ العبورَ من شوكٍ وحَسَكٍ وكلاليبَ لا يعلمُ قدرَ عظمِها إلا اللهُ، تَخطفُ الناسَ بأعمالِهم، وستجد الرحِم واقفة متربّصة بالقاطع، والأمانةُ تترقب كل خائن مضيّع فإن كان لأحدها منك مُطالِبٌ تشبَّثتْ بك فأسقطتْك وقد يتشبثون جميعهم نسأل الله السلامة ..
والأدهَى من ذلك أنه لن يكونَ منصوبًا على ارتفاعِ مئات الأقدامِ بل على هوةٍ سحيقةٍ لا يُعلَمُ مُنتهاها ولا يُدرَكُ آخرُها.
لا ولن يكونَ منصوبًا على نَهرٍ جارٍ أو ماءٍ رَقراقٍ بل على نارٍ تلَظَّى، وجحيمٍ تَسَعَّرُ ..
[ ١٠٤ ]
والساقطُ فيها هو مَنْ رجَحتْ سيئاتُه على حسناتِه إلاَّ مَنْ تَجاوزَ اللهُ عنه والساقطُ من الموحِّدين يُعذَّبُ ما شاء اللهُ ثم يَخرجُ بالشفاعةِ (^١).
رُحماك يا ربِّ والمخرَجَ .. والنجاةَ؟
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري ج ١١/ ص ٣٩٩.
[ ١٠٥ ]