في الحديث قال ﷺ: «… ونبيكم قائم على الصراط يقول يا رب سلّم سلّم، حتى تعجز أعمال العباد، وحتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا، وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة، تأخذ من أُمرت بأخذه فمخدوشٌ ناجٍ، ومَكدوسٌ في النار» (^١).
وهنا يبقى نبينا الرؤوف الرحيم مشفقٌ على أمته يتابع جواز أفرادها على الصراط في لهفةٍ ووجل، وفي الحديث: «لِلأنبياء منابر من ذهَب قال فيجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه أو لا أقعد عليه قائما بين يدي ربي مخافة أن يُبعث بي إلى الجنة ويبقي أمتي من بعدي فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقول الله ﷿ يا محمد ما تريد أن أصنع بأمتك فأقول يا رب عجّل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون فمنهم من يدخل الجنة برحمة الله ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي فما أزال أشفع حتى أُعطى صِكاكا (^٢) برجال قد بُعث بهم إلى النار، وآتي مالكا
_________________
(١) انظر الحديث في صحيح الجامع ورقمه ٨٠٢٧ وقال الألباني صحيح.
(٢) أي صكوك مكتوبة فيها الأمر بالإفراج عنهم.
[ ١٠٨ ]
خازن النار فيقول يا محمد ما تركت للنار لغضب ربك في أمتك من بقية» (^١).
فأول من يمر على الصراط من الموحدين (وهم أمم الأنبياء) أمة نبينا محمد ﷺ وذلك لشفاعته ﵊ بتعجيل حسابها.
* * *
ولنَعُدْ لذلك العبد المسكين الذي أوتي نورَه على إبهام قدمه .. فيا ترى. هل اجتاز الطريق ونجا .. أم ماذا فعل الله به؟ ..
يا لها من ساعاتٍ رهيبةٍ لم يكنْ يَحسِبُ لها أيَّ حسابٍ، إنَّه يَحصدُ الآن ما زرعَه في الدنيا جَرّاء تفريطِه في أوامرِ الله يُقدِّمُ رجلًا ويُؤخِّرُ أخرَى ويَحبُو على وجهِه ويديْه ورجليْه، وتَسفَعُ جوانبَه النارُ وتُلهبُ أعضاءَه حرارتها، حتى يصل إلى نِهايةِ الصراطِ ويضعُ قدمَه على شَفيرِ جهنَّمَ، ويقفُ عليها غير مُصدِّقٍ أنه قد نجا ببدنِه من ذلك الهول، فيكون مُمْتَنًّا للهِ أنْ نَجَّاه منها فيقفُ عليها ويقولُ: الحمدُ للهِ الذي أعطانِي ما لَم يُعطِ أحدًا إذْ نَجَّاني منها بعد إذْ رأيتُها ويبقى هنالك
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين ج ١/ ص ١٣٥ وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد غير أن الشيخين لم يحتجا بمحمد بن ثابت البناني وهو قليل الحديث يجمع حديثه والحديث غريب في أخبار الشفاعة ولم يخرجاه. وانظر تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، تأليف: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ج ٢ ص ٥٢٨.
[ ١٠٩ ]
ما شاء اللهُ أن يبقَى مقبِلًا بوجهِه قبلَ النارِ، وفي الحديث: «فيقولُ يا ربِّ اصرفْ وجهي عن النارِ قد قشَبَنِي ريحُها وأحرقَنِي ذكاؤُها فيقولُ اللهُ تعالى له هل عسيْتَ إن فُعِلَ ذلك بك أنْ تَسألَ غيرَ ذلك فيقولُ لا وعزَّتِك ويُعطي اللهَ ما يشاءُ من عهدٍ وميثاقٍ فيَصرفُ اللهُ وجهَه عن النارِ ثمَّ يُنطَلَقُ به إلى غديرٍ عند بابِ الجنةِ فيَغتسلُ فيعودُ إليه ريحُ أهلِ الجنةِ وألوانُهم فيَرى ما في الجنةِ من خللِ البابِ فيقولُ ربِّ أدخلْنِي الجنةَ فيقول اللهُ له أتسألُ الجنةَ وقد نَجَّيتُك من النارِ؟ فيقولُ ربِّ اجعلْ بيني وبينَها حجابًا لا أسْمَعُ حَسيسَها، قال فيدخلُ الجنةَ. فيرَى أو يُرفَعُ له منْزلٌ أمام ذلك كأنَّما الذي هو فيه إليه حلمٌ ليدخله فيقول ربِّ أعطني ذلك المنْزلَ. فيقولُ: فلعلك إنْ أعطيتُكَهُ تَسألُ غيرَه، فيقولُ لا وعزَّتِك لا أسألُ غيرَه، وأيُّ منْزلٍ يكون أحسنَ منه؟ قال فيعطاه فينزله، قال ويرى أو يُرفعُ له أمام ذلك منْزلٌ آخرُ فيقول ربِّ أعطِني ذلك المنْزلَ فيقول اللهُ ﷿ فلعلك إنْ أعطيتُكَهُ تَسألُ غيرَه قال لا وعزتِك لا أسألُ غيرَه، وأيُّ منْزلٍ يكون أحسنَ منه؟ قال فيُعطاه فينْزلُه قال ويرى أو يُرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما الذي هو فيه إليه حلم، فيقول رب أعطني ذلك المنزل فيقول الله ﷻ: فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره قال لا وعزتك لا أسأل غيره وأي منزل يكون أحسن منه؟! قال فيُعطاه فينزله ثم يسكتُ فيقولُ اللهُ ﷿ ما لك لا تسألُ فيقولُ ربِّ لقد سألتُك حتى استحييْتُك وأقسمتُ لك
[ ١١٠ ]
حتى استحييْتُك فيقولُ الله تعالى: ألا ترضَى أنْ أُعطيكَ مثلَ الدنيا منذُ خلقتُها إلى يومِ أفنيتُها وعشرةَ أضعافِه؟ فيقولُ أتستهزئ بي وأنت ربُّ العزَّةِ فيضحكُ الربُّ ﷿ من قوله (^١) ويقول له لا ولكني على ذلك قادرٌ سَلْ. فيقولُ ألْحِقْني بالناسِ فيقولُ: الْحَقْ بالناسِ. فينطلقُ يَرملُ في الجنةِ حتى إذا دنَا من الناسِ رُفِعَ له قصرٌ من درةٍ فيَخِرُّ ساجدًا فيُقال له ارفعْ رأسَك مالك فيقول رأيتُ ربِّي أو تراءَى لي ربِّي [وهو معذورٌ في ذلك فقد رأَى نعيمًا ومُلكًا كبيرًا لم يَحلمْ به قطُّ ولم يَدُرْ يومًا في مُخَيّلتِه] (^٢) فيُقال له إنَّما هو منْزلٌ من منازلِك قال ثم يَلقَى رجلًا فيتهيأُ للسجودِ له فيقالُ له مَهْ مالَك فيقول رأيتُ أنَّك ملَكٌ من الملائكةِ فيقولُ إنَّما أنا خازنٌ من خُزَّانِك عبدٌ من عبيدِك تحت يديَّ ألفُ قهرمانٍ على مثلِ ما أنا عليه. قال فينطلقُ أمامَه حتى يفتحَ له القصرَ قال وهو في دُرَّةٍ مجوَّفةٍ سقائفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومفاتيحُها منها تستقبلُه جوهرةٌ خضراءُ مبطَّنةٌ بحمراءَ كلُّ جوهرةٍ تُفضي إلى جوهرةٍ على غيرِ لونِ الأخرى في كلِّ جوهرةٍ سُرُرٌ وأزواجٌ ووصائفُ أدناهنَّ حوراءُ عيناءُ عليها سبعون
_________________
(١) وعند هذه الجملة يضحك راوي الحديث أسوة برسول الله ﷺ قال الراوي ﴿فرأيت عبد الله ابن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدث بهذا الحديث مرارا كلما بلغت هذا المكان ضحكت فقال إني سمعت رسول الله ﷺ يحدث بهذا الحديث مرارا كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو أضراسه﴾
(٢) ما بين المعقوفتين ليس من الحديث.
[ ١١١ ]
حُلَّةً يُرَى مُخُّ ساقِها من وراءِ حُلَلِها كَبِدُها مرآتُه وكبدُه مرآتُها إذا أَعرضَ عنها إعراضةً ازدادتْ في عينِه سبعين ضعفًا عمَّا كانت قبل ذلك وإذا أعرضتْ عنه إعراضةً ازدادَ في عينِها سبعين ضعفًا عما كان قبل ذلك فيقولُ لها والله لقد ازددتِ في عيْنَيَّ سبعين ضعفًا وتقول له وأنت والله لقد ازددتَ في عيْنَيَّ سبعين ضعفًا فيُقالُ له أَشرِفْ قال فيُشرِفُ فيُقال له مُلكُك مسيرةُ مائةِ عامٍ يَنفُذُه بصرُك» (^١).
وبعدُ .. فهذا نصيبُ أدنَى أهلِ الجنةِ منْزلةً فكيف بأعلاهم؟
* * *
_________________
(١) جزء من حديث في صحيح حادي الأرواح ص ٢٨٠ وذكر نحوه المنذري في الترغيب والترهيب وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ج ٣ ورقمه ٣٥٩١.
[ ١١٢ ]