إذا شفع الملائكة والأنبياء والمؤمنون قالوا: (… رَبَّنَا قد أَخْرَجْنَا من أَمَرْتَنَا فلم يَبْقَ في النَّارِ أَحَدٌ فيه خَيْرٌ، قال ثُمَّ يقول الله شَفَعَتِ الملَائِكَةُ وَشَفَعَ الأَنْبِيَاءُ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وبقي أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ قال فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ أو قال قَبْضَتَيْنِ نَاسٌ لم يَعْمَلُوا لِلَّهِ خَيْرًا قَطُّ قَدِ احْتَرَقُوا حتى صَارُوا حُمَمًا قال فَيُؤْتَى بِهِمْ إلى مَاءٍ يُقَالُ له مَاءُ الْحَيَاةِ فَيُصَبُّ عليهم فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ فَيَخْرُجُونَ من أَجْسَادِهِمْ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ في أَعْنَاقِهِمُ الْخَاتَمُ عُتَقَاءُ اللَّهِ قال فَيُقَالُ لهم ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فما تَمَنَّيْتُمْ أو رَأَيْتُمْ من شيء فَهُوَ لَكُمْ، عندي أَفْضَلَ من هذا قال فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وما أَفْضَلُ من ذلك قال فيقول رضائي عَلَيْكُمْ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا» (^١).
_________________
(١) جزء من حديث في مسند أحمد بن حنبل ج ٣/ ص ٩٤ ورقمه ١١٩١٧ وقال الأرناؤوط صحيح على شرط الشيخين. إن الله تعالى قد حرم على الكفرة الجاحدين الجنة بقوله ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. أما هؤلاء فيحتمل أن لا يكونوا جاحدين ولكن أعاقهم عائق أو سوّفوا ففاتهم قول الشهادتين أو خافوا الله = = تعالى في مقام أو غير ذلك والله أعلم. وقال ابن القيم في كتابه حادي الأرواح ج ١/ ص ٢٦٩. (إن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة ومن هذا رحمته سبحانه وتعالى للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه وتعالى فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا قال له ما حملك على ما صنعت قال خشيتك وأنت تعلم فما تلافاه إن ﵀ فلله سبحانه وتعالى في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر وقد ثبت في حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يقول الله ﷿ اخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام قالوا ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من أولها إلى آخرها لم يذكر به يوما واحدا ولا خافه ساعة واحدة …)
[ ١١٦ ]
وعند معاينة الكفار من أهل النار خروج جميع الموحّدين ونجاتهم يعضّون أصابع الندم ويتقطعون حسرة وندامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ٢٩﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
فهم اليوم يتلاعنون ذهبت عنهم مودة الدنيا وصداقتها، فكل خليل يلعن خليله وكل صديق يلعن صديقه، ويتبرأ بعضهم من بعض .. قد سقطت كل محبة زائفة، ودعوى باطلة، ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضا﴾ [العنكبوت: ٢٥] ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
* * *
[ ١١٧ ]