ويبدأ القِصاصُ بين الدوابِّ والبهائمِ والطيورِ والوحوشِ فإذا فُرغَ منها قيل لها كوني ترابًا فعندئذٍ يَغبِطُها الكافرُ فيقولُ يا ليتَنِي كنتُ ترابًا.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّت الأرضُ مَدَّ الأديمِ وحشرَ اللهُ الخلائقَ الإنسَ والجنَّ والدوابَّ والوحوشَ فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاصَ بين الدوابِّ حتى تقصَّ الشاةُ الجمَّاءُ من القرناءِ بنطحتِها فإذا فَرغَ اللهُ من القصاصِ بين الدوابِّ قال لها كوني ترابًا فتكون ترابًا فيراها الكافر فيقول يا ليتَنِي كنتُ ترابًا) (^١).
فيومئذٍ يقف الكافر بائرًا حاسرًا، ولات ساعة مندم.
هاهم وقد جا دورهم ينادَى عليهم أفواجا وأمما مع معبوداتهم ففي الحديث:
: «ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَيُّهَا النَّاسُ: أَلَمْ تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ، وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا أَنْ
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين ج ٤/ ص ٦١٩ ورقمه ٨٧١٦ وذكر الحاكم نحوه برقم ٣٢٣١ في المستدرك وقال احتج به مسلم وهو صحيح على شرطه ولم يخرجه.
[ ٧١ ]
يُوَلِّي كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ في الدُّنْيَا، أَلَيْسَ ذَلِكَ عَدْلًا مِنْ رَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلَى، فَيَنْطَلِقُ كُلُّ قَوْمٍ إِلى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَيَتَوَلَّوْنَ فِي الدُّنْيَا، قالَ: فَيَنْطَلِقُونَ وَيُمَثَّلُ لَهُمْ أَشْبَاهُ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُنْطَلِقُ إِلى الشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلى الْقَمَرِ وَالأَوْثَانِ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَأَشْبَاهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. قالَ: وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ، وَيَبْقَى مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ » (^١).
ويحهم ينطلقون إلى أين … إلى أمهم الهاوية يتقدم كل أمة معبودها يقودها إلى غياهب جهنم والعياذ بالله
ويُرى فرعون يتقدّم شرذمته من وفد الفراعنة عليهم الصّغار والمهانة فيكون فَرَطٌ لهم إلى أمِّه الهاويةِ. بعد أن كان يقول لهم - أنا ربكم الأعلى -،، قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]
فها هي اليوم تلعنه وتشكوه إلى الله ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]
_________________
(١) انظر الحديث بتمامه في صحيح الرغيب والترهيب للألباني برقم ٣٥٩١
[ ٧٢ ]
فيكبكَبون في جهنمَ زُرافاتٍ ووحدانًا لا ينفعُهم يومئذٍ أنهم في العذابِ مشتركون فلا يجدون في ذلك عزاءً ولا سلوانًا فمقولة (الموتُ مع الجماعةِ رحمةٌ) مقولةٌ خاطئةٌ يرُدُّ عليها الله ﵎ في كتابه الكريم ﴿وَلَن يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]،
فيُكَبُّون فيها على وجوهِهم ومناخرهم وتدفعهم زبانية العذاب دفعا إليها قال تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ٩٤ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ٩٥﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥] وقال: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]
فيدفعون إليها بقوة وعنف وهم عطاش ظماء. فهذه الوفود التي غلبت عليها شقوتها ليس لها صراطٌ، إنما الصراطُ للموحِّدين وقد نُصبَ لتمحيصِهم من الْخَبَثِ وتنقيَتِهم منه كما يُصَفِّي الكيرُ خبثَ الحديدِ والذهبِ.
فبكفرهم حبطت أعمالهم فليس لهم يومئذ حسنة توزن. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنا﴾ (^١) [الكهف: ١٠٥]
* * *
_________________
(١) هذه الآية تحتمل معنيين لا يتعارضان، أن الكفار لا ميزان لهم أو أنهم لا وزن لهم ولا قيمة.
[ ٧٣ ]