هل نخوضُ فيه بأقدامِنا وننحني لنشربَ كما يشربُ الفلاحُ من جدولِ بستانِه أم أنَّ هناك تكرمةً خاصةً، .. نعم .. ما ظنُّك بحفاوةِ أكرمِ الأكرمين بهذه الأمَّةٍ المُصطفاةِ .. فهناك كؤوسٌ وأكوابٌ وأباريقُ وأقداحٌ وكيزانُ .. فتعدُّدُ الرواياتِ يُفيد أن هناك أحجامًا وأشكالًا بحسب صلاحِ العبدِ المؤمنِ. أما ما انتشر بين الناس: عن الشرب من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدًا، فهذا قول لا أصل له.
وفي روايةٍ لمسلم: «تُرى فيه أباريقُ الذهبِ والفضةِ» (^١).
إنَّ ملوكَ الدنيا يشربون في كؤوسِ الذهبِ والفضةِ والزجاجِ المعشَّقِ والمُموَّهِ بماء الذهبِ. فهؤلاء ملوكُ الآخرة، أفلا يليقُ بهم أن يشربوا في مثل هذه الكؤوسِ الناعمةِ؟ .. بلى إنه يومُهم .. يومُ ظهورِهم ورفاهيتِهم.
حسنًا، هذه الكؤوسُ قد بانتْ على حوافِّ الحوضِ تتلألأُ كنجومِ السماءِ عددًا وإشراقًا. وقد قال النبي ﷺ: «لَتزدحِمَنَّ هذه الأمةُ على الحوضِ …» (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلم ج ٤/ ص ١٨٠١ ورقمه ٢٣٠٣.
(٢) حسنه الألباني في صحيح الجامع.
[ ٤٥ ]
فقد يتصوّر البعض أنهم يَنكبُّون على الكؤوسِ من شدةِ الازدحامِ والتنافسِ كما كانوا ينكبّون في الدنيا ويقفون صفوفًا في قيظ الصيف للحصول على صِهريجٍ للماء من مصلحة المياه.
أوكما كانوا يتزاحمون إذا ذهبوا إلى مأدُبةٍ أو وليمةِ عُرسٍ فقد تنتهي تلك الأطباقُ المتراصَّةُ وأدواتُ الطعامِ بل الطعامُ نفسه فيقعد أحدهم ملومًا محسورًا، هكذا هو الازدحام في الدنيا. فلا تحسبنّ أن هذا بفتوّتِه سيحوز على أكبرِ الكؤوسِ، وذاك لضعفه قد يحصل على أصغرِها أو من شدةِ الكظيظِ والتدافُعِ قد لا يجدُ أحدُهم موطئَ قدمٍ؟ كلا .. فهذه الخواطرُ قد ترِدُ على عقولِ أهلِ الدنيا لمحدوديتِها، أما هنا فالأمر أرقى من ذلك، أشدُّ تنظيمًا وأعظمُ ترتيبًا .. كيف لا وهم وُفودُ الرَّحمنِ إلى حوضِ خليلِه ورسولِه ﵊.
فلا تخفْ ولتطمئنَّ .. فأنت هنا في ضيافةٍ من نوعٍ آخرَ .. ضيافةٌ القائمُ عليها هو أشرفُ الخلقِ ﵊. فكيزانُ الحوض وأكوابُه بعددِ نجومِ السماءِ، وكلُّ عبدٍ كوبُه مقدَّرٌ له، فهو في انتظارِه لا يأخذُه أحدٌ سواه، ويحتمل أنهم إذا اقتربوا من الحوضِ وقعَت الأكوابُ في أيديهم كما هو الحال في الجنة إذا اشتهوا الشراب (^١)، فهي مقدَّرةٌ تقديرًا
_________________
(١) ففي الحديث «إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الشراب من شراب الجنة فيجيئ الإبريق فيقع في يده، فيشرب ثم يعود إلى مكانه» حسنه الألباني في صحيح الترغيب ورقمه ٣٧٣٨. وهذا الحوض من الجنة وتجري عليه أحكامها والله تعالى أعلم.
[ ٤٦ ]
دقيقًا، فهذا الكوبُ لفلان ويقع بين يديْه، والإبريقُ لفلانٍ، والكوزُ لفلانٍ، والقدحُ لهذا، والكأسُ لذاك بحسب صلاحهم؛ وهذا التفاوتُ في الحجمِ يبينُ أنه ليس لأحدٍ أن يَعُبَّ من الماء بلا حسابٍ. وقد يكونون مسيَّرين في نيل أكوابِهم غير مخيَّرين. بل إن التفاوت أيضًا في جمالِ الكأسِ وفخامتِه فالإبريقُ أكبرُ من الكوزِ، وإبريق الذهب أجمل من مثله من الفضة والكأسُ أكبر من الكوبِ (^١).
والسَّبقُ في الشربِ والأولويةُ لأول السابقين وهم المهاجرون الذين كانوا من أوائلِ المؤمنين باللهِ ورسولِه. ووالله إنَّ مقدارَ شربةٍ واحدةٍ منه لَكافٍ لحصولِ ارتواءٍ لا ظمأَ بعدَه أبدًا ففي الحديث:
«… من شَرِبَ منه شَرْبَةً لم يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا …» (^٢).
إذن أكبرُ الأكوابِ وأجملُها لمن هم أكثرُ صلاحًا .. الذين بلغتْ محبتُهم للنبي ﷺ أن يُتابعوه في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
فلننظر هل نحن ممن يتابعه ويتأسى بسنته؟
_________________
(١) إن ناموس الله تعالى وعدله في الحساب يقتضي هذا التفاوت فحسابه ﷿ على مثقال الذرة، كما أنه لابد من أن كل كوب مقدر لصاحبه بعلم الله السابق وليس للإنسان بعد موته سباق في مصالحه أو أخذٍ لحق غيره والله أعلم.
(٢) مسند أحمد بن حنبل ورقمه ٦١٦٢ وقال الأرناؤوط صحيح لغيره وهو ضعيف.
[ ٤٧ ]
كان ﷺ إذا وقعَت اللقمةُ على الأرض ينفضُها ويأكلُها ولا يدَعُها للشيطانِ ما دامت نظيفةً وإن منا اليوم من يُلقي بالموائد العامرة في سلال المهملات.
ومن سنَّته الأكلُ باليمين، وإن أقوامًا من حبهم لما يسمونه بالإتيكيت الغربي أصبحوا يأكلون باليد اليسرى أو باليدين كليْهما وما ذاك من سنَّته.
- ومن سُنّته السلام بتحيةِ الإسلام. وإن منّا اليوم من يستبدلها بالدُّون فيقول: هاي وباي ومرحبًا.
- ومن سنَّته الحياءُ وسترُ العورةِ بل من الواجباتِ. وما أكثرَ المدَّعين والمدَّعياتِ حبَّ رسولِ الله ﷺ ثم تراهم لا يستطيعون مفارقةَ ذلك البنطالِ الضيق المحدد لعوراتِهم والمتشبهين في لُبسِه بأهلِ الفسق والضلالِ.
- ومن سنته ﷺ تقليمُ الأظفارِ، ألا ما أكثرَ المدَّعيات حُبَّه وأظفارُهن كمخالب الطير يتّبعْنَ سنن الغربِ.
قال ﷺ: «مَنْ تشبَّه بقومٍ فهو منهم» (^١) قال العلماء: حتى في أدقِّ الأمورِ كإطالةِ الأظفارِ وقَصةِ الشعرِ. ألا يخشى هؤلاء الذين يفضلون سنن الغربِ والتشبه بهم أن يُذادوا عن الحوضِ.
_________________
(١) سنن أبي داوود، باب لبس الشهرة، ورقمه ٤٠٣١ وقال الألباني حسن صحيح.
[ ٤٨ ]
فعن عَدِيِّ بن حاتم ﵁ قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ وفي عنقي صليبٌ من ذهبٍ فقال: «يا عديُّ اطرحْ هذا الوثنَ من عُنُقِك. قال فطرحتُه وانتهيتُ إليه وهو يقرأ في سورة براءة فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال قلت: يا رسولَ الله إنا لسنا نعبدُهم. فقال: أليس يُحرِّمون ما أحلَّ اللهُ فتُحرمونه ويُحِلُّون ما حَرَّمَ اللهُ فتُحِلُّونَه؟ قال قلت: بلى. قال: فتلك عبادتُهم» (^١).
أليس هؤلاء المتشبهون والمتشبهاتِ يُتابعون الغرب والشرق ويتشبهون بهم في أمورٍ حرَّمها الإسلامُ فهؤلاء يُخشى عليهم أن يكون ذلك نوعٌ من العبادة لهم: يلبسون الملابسَ الكاسيةَ العاريةَ التي حرَّمها الإسلامُ ويُتابعون سُنَنَ الغربِ، يخالفون بذلك الأمر والنهي ومن ذلك ما يفعلُه معظم نسائِنا اليوم من نمصِ الحاجبِ وتغييرِ خلْقِ الله بما يفعلنَه من تصغيرٍ وتكبيرٍ للشفايفِ وما شابه ذلك وانتشارُ الوشمِ بينهنَّ بطريقةٍ حديثةٍ وهو ما يسمُّونه بالمكياج الدائم والتاتو. ومن احتفال بأعيادهم وغير ذلك والله المستعان.
وانظر إلى حجاب بعض النسوة من ارتداء ما يسمّى بالعباءةَ المخصّرة والمزركشة التي تُزينُ أكثرَ من كونِها تسترُ.
_________________
(١) تفسير الطبري ج ١٠/ ص ١١٤.
[ ٤٩ ]
وتلك التي تختلط بالرجال في كلِّ مجالٍ. وتخضع بالقول، وتميل بها الحال، ثم تدَّعي بأنها محبةٌ لرسول الله! .. هذا مُحال .. إنه تباينٌ بين الأقوال والأفعال.
ينبذون سننَ الحبيبِ المصطفى ويخالفون أمره ونهيه وهم يعلمون! كيف إذن وبأيِّ وجهٍ يتزاحمون على الحوضِ بعد ذلك؟
للهِ دَرُّ عبد الله بن عمر ﵄ فقد بلغتْ محبتُه أن يتتبعَ أثرَ الدُّبَّاءِ لأنه رأى النبي يفعلُه مع أنها سنة جِبِلِّيّةٌ غير تعبديّة فلنتَّقِ الله أن نكون على هذه الحالِ من البُعد عن الدينِ ثم نناديه عند الحوضِ فيقول: سُحقًا سُحقًا.
* * *
[ ٥٠ ]