يقومون أول ما يقومون عُراةً .. حُفاةً .. غُرْلًا (أي بدون ختان).
عِطاشٌ أعطشَ ما كانوا عليه قَطُّ. وجِياعٌ أجْوَعَ ما كانوا عليه قطُّ.
فإذا قاموا على تلك الحال، يُبعَثُ كلٌّ منهم على ما ماتَ عليه.
قال ﷺ: «يُبعَثُ كلُّ عبدٍ على ما ماتَ عليه» (^١).
ولذلك يُستحبُّ تلقينُ الميتِ الشهادة لعله يُبعثُ على التوحيدِ ناطقًا بها.
فمن مات مُحرِمًا قام وهو يُلبِّي، يَمشي إلى أرضِ المحشرِ وكأنه ذاهبٌ إلى مكة.
ففي الحديث أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وهو مُحْرِمٌ فقال النبي ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، ولا تَمَسُّوهُ بطِيب، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإن اللَّهَ يَبْعَثُهُ يوم الْقِيَامَةِ ملبيًا» (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلم، باب الأمر بحسن الظن، ورقمه ٢٨٧٨.
(٢) صحيح البخاري، باب سنة المحرم إذا مات، ورقمه ١٨٥١.
[ ٢٧ ]
والشهيدُ يُبعثُ والدمُ يَقطُرُ من جُرحِه، اللونُ لونُ الدمِ والرِّيحُ ريحُ المسكِ (^١).
ومن مات على الغناءِ يُبعَثُ وهو يُدندنُ، وهذا لا ينافي خوفَه وفزعَه ساعتئذٍ بل قد يجدُ لسانَه يردِّد تلك العباراتِ رغمًا عنه وبغير إرادةٍ منه وهو في الحقيقةِ خائفٌ مذعورٌ يريدُ أن يتوقفَ ويذكرَ ربَّه فلا يقوَى على ذلك عياذًا بالله.
ويبعث ذو الوجهين وله لسانان من نار. ففي الحديث: «مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢).
ويأتي الذي يبصقُ تُجاه القبلة في صلاته ونخامتُه في وجهِه. «مَنَ تفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلَتُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» (^٣).
وذلك المتكبِّرُ المتعجرفُ الذي كان منتفشَ الريشِ كالطاووسِ يأتي وأشباهُه حقيرًا صغيرًا كأمثال الذَّرِّ يطؤُه الناسُ بأقدامهم؛ ففي الحديث:
_________________
(١) قال ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ إلا جاء يوم الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» صحيح البخاري ج ٣/ ص ١٠٣٢ ورقمه ٢٦٤٩.
(٢) صحيح ابن حبان ورقمه ٥٧٥٦ وقال الأرناؤوط صحيح على شرط مسلم.
(٣) صحيح ابن حبان ورقمه ١٦٣٩ وقال الأرناؤوط صحيح على شرط مسلم. وفي صحيح الجامع قال ﷺ: «تبعث النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجه صاحبها». وفي الأمر تفصيل عند أهل العلم يُرجع إليه.
[ ٢٨ ]
«يجاء بالجبارين والمتكبرين رجال في صورة الذر يطؤهم الناس من هوانهم على الله ﷿ حتى يُقضى بين الناس قال ثم يُذهب بهم إلى نار الأنيار قال: قيل يا رسول الله وما نار الأنيار قال عصارة أهل النار» (^١).
ويقوم مانعُ الزكاةِ كالهاربِ من الخطرِ يجري .. يحاولُ الفرارَ .. ويتمثّل له كنْزُه الذي منع زكاتَه على شكل شجاعٍ أقرعَ وهو ثعبانٌ عظيمٌ ينهشُه بفمه حتى يُقضَى بين الخلائقِ (^٢).
ويُبعثُ الْمُرابي كالمجنونِ من قُبحِ حاله وسوءِ قيامه
ك ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ …﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وتأتي النائحةُ شعثاءَ كالحةَ الوجهِ من غضبِ الله وعليها سربالٌ من قطِرانٍ، وثوب من جَرَب (^٣).
ويأتي الذي كان يسأل الناس وعنده ما يغنيه وفي وجهه كدوح وخدوش أو يأتي وليس في وجهه مزعة لحم بحسب مسألته (^٤).
_________________
(١) الزهد لابن حنبل ج ١/ ص ٢٢ وذكر نحوه الترمذي وصححه وحسنه الألباني وذكر نحوه الإمام أحمد في مسنده وحسنه الأرناؤوط ولم ترد جملة يطؤهم الناس.
(٢) سيأتي ذكر الحديث في فقرة (وفي الموقف).
(٣) في صحيح مسلم برقم ٩٣٤ قال ﷺ: «النَّائِحَةُ إذا لم تَتُبْ قبل مَوْتِهَا تُقَامُ يوم الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ من قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ من جَرَبٍ» وفي رواية «درع من لهب».
(٤) في صحيح البخاري برقم ١٤٠٥ قال ﷺ: «ما يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ الناس حتى يَأْتِيَ يوم الْقِيَامَةِ ليس في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» وقال «من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا أو كدوحًا في وجهه …» الصحيحة برقم ٤٩٩.
[ ٢٩ ]
وفوق تلك الحالِ المفزعةِ وذلك الكرب للعاصِين فإنَّهم يومئذٍ يَحملون أوزارَهم على ظهورِهم ذاهبين بها إلى أرضِ المحشرِ ويقفون بين يديْ ربِّهم في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ وظهورُهم تنوءُ بتلك الأحمالِ وتراهم الخلائقُ على تلك الحال المزرية، عياذًا بالله، فيالَفضيحتِهم ويالَخزْيِهم يومئذ.
فتمثّل لهم أعمالهم في أقبحِ شيءٍ صورةً وأنْتنِها ريحًا فيقول هل تعرفُني فيقول لا، إلا أن الله قد قبَّح صورتَك وأنتَنَ ريحَك، فيقول كذلك كنتَ في الدنيا أنا عملُك السيئُ طالما ركبْتَني في الدنيا فأنا اليوم أركبُك ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] (^١) فتراه يحمل نمائمهُ التي مشى بها بين الناس، وكذبه الذي أوقد به النائرة في قلوبهم، وغِشه وحقده وسائر ما لم يكفّر من ذنبه .. ينْفِر الناس منه لنتن ريحه ودنَس حِمله.
هذا ومن أخذَ شيئًا بغير حقٍّ يقومُ يوم القيامةِ وهو يحملُه على ظهرِه. قال ﷺ: «لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه بعيرٌ لها رُغاء يقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه فرسٌ له حمحمةٌ يقول يا رسولَ
_________________
(١) انظر تفسير الطبري ج ٧/ ص ١٧٩.
[ ٣٠ ]
الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه شاةٌ لها ثُغاء، يقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه نفسٌ لها صياح، فيقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه رقاعٌ تخفق (^١)، فيقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه، صامتٌ (^٢) فيقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا قد أبلغتك» (^٣).
من اغتصبَ أرضًا جاء يوم القيامة يحملُها في عنقه طوقا من عمقِ سبعِ أرضينَ (^٤).
_________________
(١) أي الثياب تتحرك وتضطرب إذا حركتها الرياح، انظر فتح الباري ج ٦ ورقمه ٢٩٠٨.
(٢) على رقبته صامت أي: يحمل على رقبته ما سرقه مما ليس له صوت من صنوف المال والذهب والفضة وغيرها، انظر المرجع السابق.
(٣) صحيح الجامع وقال الألباني صحيح وذكر نحوه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
(٤) قال ﷺ: «من ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ من الأرض طُوِّقَهُ من سَبْعِ أَرَضِينَ» صحيح البخاري ورقمه ٢٣٢١ قال ابن عثيمين ﵀ في شرح رياض الصالحين ج ١ ص ٤٠٦: يكون في عنقه طوق من سبع أرضين يحمله في يوم المحشر.
[ ٣١ ]
ويأتي الوالي الظالم مغلولة يده إلى عنقه ففي الحديث «مامن أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولا، حتى يفكه العدل أو يُوبقه الجور» (^١).
ويجيءُ المقتولُ متعلقًا بقاتلِه (^٢).
ثم أدهَى من ذلك وأعظم ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣].
إلهنا ومُغيثنا .. أما يكفى حمل كل تلك الأوزار .. أفنحمل فوق ذلك أوزار غيرنا ..؟
نعم .. إنه ميزان العدل الإلهيّ الذي لا يُغادر مثقال ذرة.
قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
تخيَّل الآن .. يقومُ الناسُ إلى أرضِ المحشرِ، هذا يمشي على وجهِه أعمَى وأصمَّ وأبكمَ كالكفرةِ الفجرةِ وبعضُهم يمشي على قدميه ولكنهم خائفون مضطربون من الخطايا والكبائرِ التي كانوا يبارزون بها العظيم الجبار ولم يتوبوا منها .. فيقوم أحدُهم مُثقَلًا مجهدًا يحملُ
_________________
(١) صححه الألباني في صحيح الجامع وفي الحديث «ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه» صحيح الجامع.
(٢) قال ﷺ: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ يوم القيامة متعلقا بِقَاتِلِهِ فيقول الله: فيم قتلت هذا؟ فيقول في ملك فلان» صحيح/ صحيح الجامع.
[ ٣٢ ]
أوزارَه وسيئاتِه على ظهرِه وأوزارَ كلِّ مَنْ دلَّهم على ضلالةٍ في يومٍ من الأيامِ.
قد يدلُّ شخصٌ صاحبَه على تجارةٍ محرمة.
وقد يُهدي شخص لصاحبِه مجلةً ماجنةً أو شريطًا إباحيًا.
وقد يُزَيِّنُ شخصٌ لغيرِه العملَ ببدعةٍ أو شُبهةٍ أو شركٍ.
ومنهم الذي يُعلن في الصحف عن قناة ماجنة، أو أفلام فاسقة، مزيّنا تجارته البائرة بكل حيلة وحيلة، وصورٍ مائلة مميلة.
ومنهم من صمم زيًا خاصا لموظفات مؤسسة أو شركة يتنافى مع الحجاب الساتر للمرأة المسلمة فيجمعُ على ظهرِه ما يكسبنه من أوزارٍ جرَّاءَ ارتدائه.
وذلك الموظف في أحدِ البنوكِ الرِّبويةِ يتّصل بمئاتِ العملاءِ لإقناعِهم بالاستفادةِ من أحدِ العروضِ الربويةِ. فيالَقبحِ مقامِهم بين يدي ربِّهم.
وفوق ذُعرِ هؤلاء وفزعِهم يَفِرُّ كلُّ واحدٍ من الآخَرِ يخافُ أن يطالبَه بحسنةِ أو بحقٍّ كان له في الدنيا ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٣٧﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧]. إنه يومُ الفضيحةِ الكبرى للعاصي ويومُ التكريمِ والتشريفِ للطائعِ.
[ ٣٣ ]
تطالعنا الصحف المحلية كل يوم عن تحقيق في اختلاس لمبالغ طائلة من إحدى الوزارات أو الدوائر الحكومية أو إحدى المؤسسات، أو عن ما يسمونه بهامور الأسهم الذي اختلس مبلغ كذا وكذا ثم هرب من البلاد ..
وكم من رجلٍ اغتصب أرضًا بغير حقٍّ وبنى دارًا مُنيفةٍ يسكنُها والله مُسبِلٌ عليه سِترَه. وكم من ظالمٍ أخذَ حقًّا أو هتكَ عِرضًا، أو استباحَ دمًا، أو غدَرَ بشخصٍ واحتالَ عليه .. لا يعلمهم إلا الله.
سيأتي اليومُ الذي تنكشفُ فيه عيوب هؤلاء، ويُظهِر قبح عوراتهم، ويُفتضَحُ فيه كلُّ من كان يُمثِّلُ نفسَه كإنسانٍ محترمٍ، وشخصٍ شريفٍ، وهو يُخفي ما يُخفي .. ستظهرُ فيه الحقائقُ جليةً، ويكشف الله كلّ ما يُخفون من سوء طويّة.
قال الرسول ﷺ:
«ألا إنَّه يُنصبُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ بقدرِ غَدْرتِه ولا غَدرةَ أعظمَ من غدرةِ إمامِ عامةٍ يركزُ لواءه عند استِه» (^١) (أي على مؤخّرته) مكتوبٌ عليه هذه غَدْرةُ فلانٍ .. فيالَلخزيِ والعارِ.
ومن رحمةِ اللهِ بعبادِه المؤمنين يومَ القيامةِ تكفيرُ ذنوبِهم وخطاياهم بهذا العذابِ قبل ولوجِ جهنَّمَ فمن هؤلاء من تتساقطُ عنه ذنوبُه لمسافةٍ
_________________
(١) الترغيب والترهيب، وصححه الألباني في صحيحه ج ٣ ورقمه ٢٧٥١ وروى نحوه البخاري والترمذي وابن حنبل.
[ ٣٤ ]
معينةٍ بحسب جرمِهم وخطاياهم ومنهم من قد يصلُ إلى الحوضِ وقد تساقطَ ما عليه من ذنوبٍ، ومنهم من يُمنع من الحوض لعِظَم جُرمه فلا يكفّر عنه إلا في الموقف، ومنهم من لا تُكفِّر جرائمه إلا نار السموم وهذا ما أشار إليه ابنُ القيمِ ﵀ في طرقِ التمحيصِ والتخليصِ من الذنوبِ.
ولعلنا نوردُها هنا كاملةً للمنفعة:
قال ابن القيم ﵀: (فإذا طالع [العبدُ] جنايتَه شَمَّرَ لاستدراكِ الفارطِ بالعلمِ والعملِ وتخلَّصَ من رقِّ الجنايةِ بالاستغفارِ والندمِ وطلب التمحيصِ وهو تخليصُ إيمانِه ومعرفتِه من خَبَثِ الجنايةِ كتمحيصِ الذهبِ والفضةِ وهو تخليصُهما من خبَثِهما ولا يمكن دخولُه الجنةِ إلا بعد هذا التمحيصِ فإنها طيِّبةٌ لا يدخلُها إلا طيبٌ ولهذا تقولُ لهم الملائكةُ سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢] فليس في الجنةِ ذرةُ خَبَثٍ.
وهذا التمحيصُ يكونُ في دار الدنيا بأربعةِ أشياءٍ: بالتوبةِ والاستغفارِ وعملِ الحسناتِ الماحيةِ والمصائبِ المكفِّرةِ، فإنْ مَحَّصتْه هذه الأربعةُ وخلَّصتْه كان من الذين تتوفاهم الملائكةُ طيبين يُبشِّرونَهم بالجنةِ وكان من الذين تتنَزَّلُ عليهم الملائكةُ عند الموتِ ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ٣٠ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ
[ ٣٥ ]
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ٣٢﴾ [الصف: ٣١ - ٣٢].
وإنْ لم تفِ هذه الأربعةُ بتمحيصِه وتخليصِه فلم تكن التوبةُ نَصوحًا وهي العامةُ الشاملةُ الصادقةُ ولم يكن الاستغفارُ كاملًا تامًا وهو المصحوبُ بمفارقةِ الذنبِ والندمِ عليه وهذا هو الاستغفارُ النافعُ لا استغفار مَنْ في يده قَدحُ السُّكْرِ وهو يقولُ أستغفرُ اللهَ ثم يرفعُه إلى فيه ولم تكن الحسناتُ في كميتِها وكيفيتِها وافيةً بالتكفيرِ ولا المصائبِ وهذا إمَّا لعِظَمِ الجنايةِ وإما لضعفِ الْمُمَحِّصِ وإما لهما مُحِّصَ في البرزخِ بثلاثةِ أشياءٍ:
أحدها صلاةُ أهلِ الإيمانِ الجنازةَ عليه واستغفارُهم له وشفاعتُهم فيه.
الثاني تمحيصُه بفتنةِ القبرِ وروْعةِ الفتَّانِ والعصرةِ والانتهارِ وتوابعِ ذلك.
الثالث ما يُهدِي إخوانُه المسلمون إليه من هدايا الأعمالِ من الصدقةِ عنه، والحجِّ، والصيامِ عنه وقراءةِ القرآنِ عنه والصلاةِ وجعلِ ثواب ذلك له، وقد أجمعَ الناس على وصولِ الصدقةِ والدعاءِ، قال الإمام أحمد لا يختلفون في ذلك وما عداهما فيه اختلاف والأكثرون يقولون بوصولِ الحجَّ، وأبو حنيفة يقولُ إنَّما يصلُ إليه ثوابُ الإنفاقِ، وأحمدُ ومَن وافقه مذهبُهم في ذلك أوسعُ المذاهب يقولون يصلُ إليه
[ ٣٦ ]
ثوابُ جميعِ القُرَبِ بدَنيِّها وماليِّها والجامع للأمرين واحتجُّوا بأن النبي ﷺ قال لمن سأله يا رسولَ الله هل بقيَ من بِرِّ أبويَّ شيءٌ أبَرُّهما به بعد مماتِهما؟ قال نعم فذكر الحديث وقد قال ﷺ: «من ماتَ وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه» (^١).
فإن لم تفِ هذه بالتمحيصِ مُحِّصَ بين يدي ربِّه في الموقفِ بأربعةِ أشياءٍ أهوالِ القيامةِ وشدةِ الموقفِ وشفاعةِ الشفعاءِ وعفوِ اللهِ ﷿.
فإن لم تفِ هذه الأربعة بتمحيصِه فلا بدَّ له من دخولِ الكِيرِ رحمةً في حقِّه ليتخلَّصَ ويتمحَّصَ ويتطهَّرَ في النارِ فتكون النار طُهْرةً له وتمحيصًا لخَبَثِه ويكون مُكثُه فيها على حسبِ كثرةِ الخبَثِ وقلَّتِه وشدَّتِه وضعفِه وتراكمِه، فإذا خرجَ خبَثُه وصُفِّيَ ذهبُه وصارَ خالصًا طيبًا أُخرجَ من النارِ وأُدخلَ الجنة) انتهى (^٢).
وانظر إلى حال تلك الفئة الخاصة فئة المقربين فإنهم إذا قاموا من قبورهم كما أسلفنا يركبون نُوقًا بيضاءَ من نُوقِ الجنةِ عليها رِحالُ الذهبِ خَطْوُها مدُّ بصرِها، لا يركبونَها وهم عُراةٌ، فانظر إلى الكرامةِ والمنزلةِ العاليةِ، يُكسَوْن وغيرُهم عُراةٌ، يُحملون وغيرُهم حُفاة، يتلقوْن البُشرياتِ من الملائكةِ. وأولُ من يُكسَى منهم خليل
_________________
(١) رواه مسلم، باب قضاء الصيام عن الميت، ج ٢ ورقمه ١١٤٧.
(٢) مدارج السالكين لابن القيم ج ١ ص ١٤١.
[ ٣٧ ]
الله إبراهيمُ ﵇ (^١)، يُكسَى حُلةً بيضاءَ تَكرِمةً من الله لأنه جُرّد في ذات الله حينما قذفه قومه في النارِ بالمنجنيقِ وقيل لأنه أول من لبس السراويل. ثم خليله محمدٌ ﵊ يُكسَى حُلةً خضراءَ (^٢) ثم النبيون، وأهلُ القرآن يكسون حلّة الكرامة (^٣) اللهم اجعلنا منهم ويكسى المؤذنون وأهل الحسبة والصلاح. هذه الزمرة المباركة (^٤) قال الله تعالى في حقِّهم: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا﴾ [مريم: ٨٥].
عن النعمانِ بن سعدٍ قال كنا جلوسًا عند عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ فقرأ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا﴾ قال: لا واللهِ ما على أرجلِهم يُحشَرون ولا يُساقون سَوْقًا ولكنهم يُؤتَوْن بنُوقٍ من نوقِ الجنةِ لم تنظر الخلائقُ إلى مثلِها، رِحالُها الذهبُ وأزِمَّتُها الزَّبَرجدُ فيقعدون عليها حتى يَقرعوا بابَ الجنةِ (^٥).
_________________
(١) لحديث «أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم …» رواه البخاري في صحيحه ٣١٧١.
(٢) قالَ ﷺ: «يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ فَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْرَاءَ …» رواه ابن حبان وقال الأرناؤوط صحيح على شرط مسلم ورقمه ٦٤٧٩.
(٣) ففي الحديث «يجيء صاحب القرآن يوم القيامة ثم يقول يا رب حَله فيلبس تاج الكرامة فيقول يا رب زده فيلبس حُلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه ثم يقال له اقرأ وارقأ ويزاد بكل آية حسنة» صحيح الجامع.
(٤) قال الحسن البصري: (أهل الصلاة والحسبة من المؤذنين أول من يكسى يوم القيامة) كنز العمال ج ٨/ ص ١٦٥، لعله يريد من أول من يكسى.
(٥) المستدرك على الصحيحين ج ٤/ ص ٦٠٩ وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وضعفه الأرناؤوط في مسند أحمد.
[ ٣٨ ]
وكما أن أصحابَ المعاصي يَحملون أوزارَهم على ظهورِهم، فإن أهلُ الطاعاتِ تحملُهم طاعاتُهم فلعلها تُشكَّلُ لهم في هذا اليوم على هيئةِ النُّوقِ فيركبونَها والله أعلم.
ففي تفسير الطبري: (إن المؤمنَ إذا خرجَ من قبرِه استقبلَه عملُه في أحسنِ صورةٍ وأطيبِها رِيحًا فيقول له هل تعرفُني فيقول لا، إلاَّ أنَّ الله قد طيَّبَ رِيحَك وحَسَّنَ صورتَك، فيقول كذلك كنتَ في الدنيا أنا عملُك الصالحُ طالما ركبتُك في الدنيا فاركبْنِي أنت اليومَ وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا﴾ (^١).
وهنا تكرمة خاصة أيضًا لأهل القرآن يستقبلهم ويُطمئنهم ففي الحديث: «يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول لصاحبه هل تعرفني؟ أنا الذي كنت أسهر ليلك وأظمئ هواجرك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنا لك اليوم من وراء كل تاجر، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا وما فيها فيقولان يارب أنى لنا هذا؟ فيقال بتعليم ولدكما القرآن …» (^٢).
* * *
_________________
(١) تفسير الطبري ج ٧/ ص ١٧٩.
(٢) الأحاديث الصحيحة للألباني ورقمه ٢٨٢٩.
[ ٣٩ ]