قال ابن القيم: والمقبولُ من العملِ قسمان:
أحدُهما أن يصلِّيَ العبدُ ويعملَ سائرَ الطاعاتِ وقلبُه متعلقٌ باللهِ ﷿ ذاكرٌ للهِ ﷿ على الدوامِ فأعمالُ هذا العبدِ تُعرَضُ على اللهِ ﷿ حتى تقفَ قُبالتَه فينظرُ الله ﷿ إليها فإذا نظر إليها رآها خالصةً لوجهه مَرضيةً قد صدرتْ عن قلبٍ سليمٍ مخلصٍ مُحِبٍّ للهِ ﷿ ومتقرِّبٍ إليه أحبَّها ورضِيَها وقبلَها.
والقسمُ الثاني أن يعملَ العبدُ الأعمالَ على العادةِ والغفلةِ وينويَ بها الطاعةَ والتقربَ إلى اللهِ فأركانُه مشغولةٌ بالطاعةِ وقلبُه لاهٍ عن ذكرِ اللهِ وكذلك سائرُ أعمالِه فإذا رُفعتْ أعمالُ هذا إلى الله ﷿ لم تقفْ تُجاهَه ولا يقعُ نظرُه عليها ولكنْ توضعُ حيث توضعُ دواوينُ الأعمالِ حتى تُعرَضَ عليه يومَ القيامةِ فتُميَّزُ فيُثيبُه على ما كان له منها ويَرُدُّ عليه ما لَم يُرِدْ وجهَه به منها فهذا قبولُه لهذا العملِ إثابتُه عليه بمخلوقٍ من مخلوقاتِه من القصورِ والأكلِ والشربِ والحورِ العينِ وإثابةُ الأولِ
[ ٩٦ ]
رضا العملِ لنفسِه ورضاه عن عاملِه وتقريبُه منه وإعلاءُ درجتِه ومنْزلتِه فهذا يُعطيه بغيرِ حسابٍ فهذا لونٌ والأولُ لونٌ) (^١).
تلك هي الفئةُ المتميزة .. الفئةُ التي تستحق أن تُدعى بفئة المهمِّين للغايةِ .. أصحابِ الهممِ العاليةِ، والعزائمِ الصادقةِ، هؤلاء كان الرحمن ﷿ يتقبَّلُ أعمالهم بيمينِه ويُربِيها ويُنَمِّيها فاليومَ يُنادَى عليهم ليَطرقوا بابَ الجنةِ قبلَ بدءِ الحسابِ، وأولُ هؤلاء الأوَّلون الْمُقِلُّون من مَلَذَّاتِ الدنيا وأولُهم فقراءُ المهاجرين يدخلون الجنةَ قبل الناس بأربعين سنةً، قال ﷺ لعبد الله بن عمروٍ ﵄: «أتعلمُ أولَ زُمرةٍ تَدخلُ الجنةَ من أمتي؟ فقراءُ المهاجرين يأتون يومَ القيامةِ إلى بابِ الجنةِ ويستفتحون فتقولُ لهم الخزَنةُ أَوَقَدْ حُوسبْتُم قالوا بأيِّ شيءٍ نُحاسَبُ وإنَّما كانت أسيافُنا على عواتقِنا في سبيلِ اللهِ حتى مِتْنا على ذلك قال فيُفتَحُ لهم فيَقِيلون فيه أربعين عامًا قبل أن يدخلَ الناسُ» (^٢).
ومن تلك الفئةِ المتميزةِ، فئةُ الأغنياءِ الصالحين الذين كانوا يقولون بالمالِ هكذا وهكذا في وجوهِ الخيرِ، ومنهم ذوو السلطانِ وغيرُهم حيث ينادَى عليهم ليُظلَّهم الرَّبُّ ﷿ بظلِّ عرشِه حتى يفرغوا من الحسابِ .. إننا في الدنيا نرى فئةً خاصة يقالُ لها فئةُ المهمِّين للغاية (vip) .. هؤلاء .. إذا مشَوْا فُرشتْ تحت أرجلِهم البُسُطُ، وإذا جلسوا
_________________
(١) الوابل الصيب ص ٣٨.
(٢) صحيح الجامع، وقال الألباني صحيح.
[ ٩٧ ]
أُحضرتْ لهم المياثرُ، وإن أشرقتْ على رؤوسِهم الشمسُ نُصبتْ لهم المظلاتُ ووُضعتْ بين أيديهم أدواتُ الترفيهِ والراحةِ. ذلك فضلُهم في الدنيا أما الآن فقد ذهبَ كلُّ ما ليس للهِ وفي الله أدراجَ الرياحِ، وليس على الغبراءِ اليومَ عَلَمٌ لأحدٍ؛ فهذا يومُ الفائزين بحقٍّ، وظلُّ عرشِ الرحمنِ اليومَ من نصيبِهم.
منهم شابٌّ نشأَ في طاعةِ اللهِ، ورجُلٌ قلبُه معلَّقٌ بالمساجدِ، والمتحابُّون فيه، والذي يُخفي صدقتَه والمتعفِّفُ الذي حَمَى نفسَه من فتنةِ النساءِ والذي يذكرُ اللهَ حتى تفيضَ عيناه بالدموعِ .. وغيرُهم كمَن أَنظَرَ مُعسِرًا ومن نفَّسَ عن أخيه كُربةً .. فيناديهم في ظلِّ العرشِ حيث لا يشعرون بِحَرِّ جهنمَ ولا سمومِ الشمسِ ولا كُرُباتِ القيامةِ فيكونُ عليهم ذلك اليومُ الثقيلُ كصلاةِ ظهرٍ أو كصلاةِ عصرٍ ففي الحديثِ: قيل لرسولِ اللهِ ﷺ: يومًا كان مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ ما أطولَ هذا اليومَ؟ فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيدِه إنَّه ليُخفَّفُ على المؤمنِ حتى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبةٍ يصلِّيها في الدنيا» (^١).
وفي الحديث: «تجتمعون يوم القيامة فيقال أين فقراء هذه الأمة ومساكينها؟ فيقومون فيقال لهم: ماذا عملتم؟ فيقولون: ربنا ابتلينا
_________________
(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج ٣/ ص ٧٥ ورقمه ١١٧٣٥. وضعفه الأرناؤوط وذكر الألباني نحوه في صحيح الجامع وصححه بلفظ «يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر».
[ ٩٨ ]
فصبرنا، ووليت الأموال والسلطان غيرنا، فيقول الله جلّ وعلا: صدقتم، قال: فيدخلون الجنة قبل الناس، وتبقى شدة الحساب، على ذوي الأموال والسلطان، قالوا: فأين المؤمنون يومئذٍ؟ قال توضع لهم كراسيُّ من نور، ويظلّلُ عليهم الغمامُ، يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار» (^١).
وفي مقابلِ هذه الفئةِ الراضيةِ المرضيّةِ هناك فئةٌ ملعونةٌ - عياذًا بالله - عليها سَخَطٌ من الله وغضبٌ.
قال رسول الله ﷺ: «يَخرجُ عُنُقٌ من النارِ يومَ القيامةِ له عينان يبصران، وأذنان يسمعان ولسانٌ ينطقُ، يقول إنِّي وُكِّلتُ بثلاثةٍ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ وبكلِّ مَنْ ادَّعَى مع اللهِ إلهًا آخَرَ وبالمصوِّرين» (^٢) فيلتقطُهم فيكونون في طليعة المقذوفين في جهنمَ قبل الناسِ بخمسمائة عام.
وفي رواية قال ﷺ: «يخرُجُ عُنقٌ مِنَ النار يتكَلَّمُ يقولُ: وُكِّلتُ اليوم بثَلاثَةٍ: بكلِّ جَبَّارٍ عنيدٍ، وَمَنْ جعلَ مع الله إلهًا آخَر، ومَنْ قَتَل نَفْسًا بغيرِ حقٍّ، فَينْطَوي عليهِم، فيقْذِفُهُم في غمرات جَهَّنمَ» (^٣).
* * *
_________________
(١) صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ج ٣/ ورقمه ٣٥٩٠.
(٢) صحيح الجامع، وقال الألباني صحيح.
(٣) صححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب برقم ٢٤٥١.
[ ٩٩ ]