١ - الحسناتُ والسيئاتُ: يأتي الحفَظةُ الذين يكتبون أعمالَ العبادِ يومَ القيامةِ معهم سجلاتُهم تَنوءُ بما فيها فتتحولُ تلك الأمورُ العرَضيةُ إلى أشياء حسيةٍ ملموسةٍ فتظهرُ الحسناتُ في أبْهَى صورةٍ وأجملها، وتبدو السيئاتُ في أسوءِ صورةٍ وأقبحِها.
ووزنُ الحسناتِ يتفاوتُ من عبدٍ لآخَرَ؛ فمن الناسِ من تُوزَنُ حسناتُه الحسنةُ بعشرِ أمثالِها ومنهم من توزن حسنتُه الواحدةُ بأكثرَ من ذلك، ومنهم من تُوزنُ الحسنةُ من حسناتِه بسبعمائةِ ضعفٍ ومنهم من تصلُ إلى ألفيْ ألفٍ وأكثرَ وأكثرَ والله يضاعفُ لمن يشاءُ. ونحن نجدُ ذلك التفاوتَ في الدنيا فقد يصدُرُ العملُ من رجلين ولكنَّ الأولَ يكون معروفًا بين الناسِ بصلاحِه أو شهرتِه بالخيرِ فيحمدُه الناسُ ويُثنون عليه أما الآخَرُ فيعملُ العملَ نفسَه لا يجدُ من الثناءِ والشكرِ ما وجدَه الأولُ لقِصَرِ باعِه وقلةِ إنتاجِه.
وقد يكونُ تضعيفُ الحسناتِ لسببٍ آخرَ فلا يكونُ التضعيفُ بحسبِ صلاحِ العاملِ بل بصلاحِ العملِ ذاتِه، فقد يصعدُ العملُ إلى اللهِ خالصًا لوجهِه من رجلٍ لم يبلغْ من الصلاحِ ما يجعل جميعَ أعمالِه
[ ٨٨ ]
تُضاعفُ فيضاعَفُ له العملُ الذي وَجدَ من اللهِ الرضا والقبولَ فيُثيبُه عليه بما لم يكنْ في حسبانِه وفي ذلك قال حسانُ بن عطية:
(إن الرجلين ليكونان في الصلاةِ الواحدةِ وإن ما بينهما في الفضلِ كما بين السماءِ والأرضِ وذلك أن أحدَهما مُقبلٌ على اللهِ ﷿ والآخَرُ ساهٍ غافلٌ) (^١).
ومن الأعمالِ التي يُضاعفُ الله لصاحبِها الثوابَ إذا أدَّاها على وجهِها المطلوبِ أجرُ الصبرِ، فالصابرُ المحتسبُ موعودٌ من الله بالثوابِ الجزيلِ بغير حسابٍ، فلا يدخلُ ذلك في المضاعَفاتِ المعروفةِ بل تُكالُ له الحسناتُ من لدُنْ أكرمِ الأكرمين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. ومثلُ ذلك أجرُ الصومِ فحسناتُه لا تُحسَبُ بعشرٍ ولا سبعمائةِ ضعفٍ بل يُضاعفُها بكرمِه وجودِه وبما هو أهلُه ﷾.
قال رسول الله ﷺ: «قال اللهُ كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامُ فإنَّه لي وأنا أجزي به» (^٢).
٢ - الصحائفُ والسجلاتُ التي تُكتب بها الأعمالُ:
توزن الصحائف والسجلات ففي الحديث: «إنَّ اللهَ سيخلصُ رجلًا من أمتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ فينشرُ عليه تسعةً وتسعين
_________________
(١) الوابل الصيب ج ١/ ص ٣٦.
(٢) صحيح البخاري ج ٢/ ص ٦٧٣ ورقمه: ١٨٠٥.
[ ٨٩ ]
سجلًا كلُّ سجلٍ مثلُ مَدِّ البصرِ ثم يقولُ أتُنكرُ من هذا شيئًا؟ أظلَمَك كَتَبَتِي الحافظون؟ فيقولُ لا يا ربِّ. فيقولُ أفلَك عذرٌ؟ فيقول لا يا ربِّ. فيقولُ بلى إنَّ لك عندَنا حسنةً فإنَّه لا ظلمَ عليك اليومَ؛ فتخرجُ بطاقةٌ فيها أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. فيقولُ أحضرْ وزنَك، فيقول يا ربِّ ما هذه البطاقةُ مع هذه السجلاتِ؟ فقال إنك لا تُظلم. قال فتوضَعُ السجلاتُ في كِفةٍ والبطاقةُ في كفةٍ فطاشت السجلاتُ وثقُلت البطاقةُ فلا يثقلُ مع اسم الله شيءٌ» (^١).
٣ - الأعمالُ: تُوزَنُ الأعمالُ كذلك فتأتي الأعمالُ الحسَنةُ والخصالُ الحميدةُ مشرقةً وضيئةً وتأتي القبائحُ سوداءَ مظلمةً، قال ﷺ: «ما من شيءٍ يوضعُ في الميزانِ أثقلُ من حُسنِ الخُلُقِ، …» (^٢) وقال:
«كلمتان خفيفتان على اللسانِ ثقيلتان في الميزانِ حبيبتان إلى الرحمنِ سبحانَ اللهِ وبحمدِه سبحان اللهِ العظيمِ» (^٣).
٤ - وهناك وزنٌ آخَرُ فالإنسانُ بذاتِه يُوزنُ ولكنه وزنٌ مُخالفٌ لما عهِدناه في الدنيا فلا يوزنُ منه شَحمُه ولَحمُه بل لا يُنظرُ إلى ذلك، فقد يأتي السمينُ البادنُ العظيمُ فلا يَزِنُ عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ قال ﷺ:
«إنَّه لَيأتي الرجلُ العظيمُ السمينُ يومَ القيامةِ لا يزِنُ عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ،
_________________
(١) صحيح الجامع وقال الألباني صحيح.
(٢) صحيح الجامع وقال الألباني صحيح.
(٣) صحيح البخاري ج ٦/ ص ٢٤٥٩.
[ ٩٠ ]
وقال اقرأوا إنْ شئتم ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنا﴾ (^١). إذنْ كيف يكون الوزنُ؟ .. يكون الوزنُ يومئذٍ بصلاحِ العبدِ فكلَّما امتلأَ العبدُ صلاحًا وإيمانًا زادَ وزنُه وثَقُلَ في ميزانِ الله، فهذا عبد الله بنَ مسعودٍ رضي الله عنهرآهُ الصحابة وهو يصعدُ شجرةً ليجتني سواكًا من أراك فجعلت الرياحُ تَكفؤُه وتُميلُه ذات اليمينِ وذاتَ الشمالِ فضحكوا فقال رسول الله ﷺ ممَّ تضحكون؟ قالوا يا نبيَّ الله من دقةِ ساقيْه. فقال: «والذي نفسي بيدِه لَهُما أثقلُ في الميزانِ من أُحُدٍ» (^٢).
* * *
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٤/ ص ١٧٥٩ ورقمه ٤٤٥٢.
(٢) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج ١/ ص ٤٢٠ ورقمه ٣٩٩١. وقال الأرناؤوط صحيح لغيره.
[ ٩١ ]