إذا وصلوا إلى أرضِ المحشرِ عِطاشًا يتلمَّظون يكون الأنبياءُ قد سبقوا أُمَمَهم إليها، فيستقبلُ كلُّ نبيٍّ أُمتَه، وكلُّ نبيٍّ له حوضٌ وأكبرُ الأحواضِ حوضُ نبيِّنا محمد ﷺ حيث قال: «إنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا وإنهم ليتباهوْن أيُّهم أكثرُ واردة؟! وإنِّي أرجو أن أكونَ أكثرَهم واردة» (^١).
وهناك يقفُ رسولُ الله ﷺ على مِنبرِه حيث يُرفَع منبرُه الشريفُ الذي كان يخطبُ عليه فيُنصبُ على حوضِه (^٢) ينادي أمتَه وكأنَّه يلوِّح إليهم بيده ألا هَلُمُّوا .. ألا هَلُمُّوا. وها هي أمَّتُه الآن قادمةٌ إليه حثيثةٌ بعضُهم يركبُ وبعضُهم يمشي وبعضُهم يمشي على وجهه.
- وكلٌ يدَّعي وصْلًا بليلَى - كلٌّ يدَّعي أنه من هذه الأمةِ والحوضُ واسعٌ، والقومُ قد بلغ بهم العطشُ مبلغَه قال ﷺ: «لَتزدَحِمَنَّ هذه الأمةِ على الحوضِ ازدحامَ إبِلٍ وردتْ لخمسٍ» (^٣).
_________________
(١) الترمذي وقال حديث غريب وصححه الألباني في الصحيحة ورقمه ٢٤٤٣.
(٢) ففي الحديث «ومنبري على حوضي» البخاري ورقمه ٦٢١٦.
(٣) صحيح الجامع وحسنه الألباني. (وردت لخمس أي حُبست عن شرب الماء خمسة أيام).
[ ٤٠ ]
وعلى الحوضِ حراسةٌ مشددَّةٌ فحُرّاسُه كرامٌ برَرةٌ لا يَعصُون الله ما أمرَهم قد وُكِّلوا بكلِّ من لا يستحقُّه أن يَنبذوه، ويدفعونه عن الحوضِ بعصيٍّ من نارٍ وبكلِّ من هو أهلٌ له أن يَحتفُوا به ويُكرموه فيراهم الرسولُ ﵊ وهم يَدفعون أقوامًا فيقولُ أمتي .. أمتي، فيقولون إنَّهم ليسوا من أمَّتِك لا تدري ما أحدَثوا بعدك فيقول: سُحقًا سُحقًا.
ففي الحديث: «إني فَرَطُكُمْ على الْحَوْضِ من مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لم يَظْمَأْ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ ويعرفونني ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي» (^١).
حسنًا .. هاهو الحوض يلوح من بعيد، وتتفاوت سرعة القادمين إليه فهذا الذي كان يمشي متباطئًا إلى الصلاةِ سيكون كذلك في الوصولِ إليه، وذاك الذي كان يُسارعُ لإدراكِ تكبيرةِ الإحرامِ، فمن شدةِ حرصِه على طاعةِ ربِّه تجدُه راكبًا في المقدمةِ فمنهم من يصلُ سريعًا ومنهم من يستغرقه الوقت.
وها هو الوفدُ الكريمُ، وفد السابقين وهم السبعون ألفًا الذين يدخلون الجنةَ بغيرِ حسابٍ ومنهم فقراءُ المهاجرين لا ينْزِلون عن رواحلِهم منذ خرجوا من قبورِهم فيكونون أول الشاربين وفي مقدَّمتِهم
_________________
(١) صحيح البخاري ورقمه ٦٢١٢.
[ ٤١ ]
صحابةُ الرسولِ وزوجاتُه الكريمات .. وقد وردت بعض الآثار لا ترقى إلى الصحة منها قوله ﷺ لأبي بكر:
«أنت صاحبي على الحوضِ وصاحبي في الغارِ» (^١)، وفي شأنِ السيدةِ خديجةِ ﵂ قال: «أوَّلُكم واردًا على الحوضِ أوَّلُكم لي إسلامًا» (^٢).
وهاهم اللئامُ يُذادون عن الحوضِ ويُضرَبون بالسياطِ.
* * *
ولنتوقفْ عند حوض نبينا قليلًا ولنتفرسْ فيه
ونتمعنْ في شكله وحجمه وصفة مائه
قال ﷺ: «إني فَرَطٌ لكم (^٣) وأنا شهيدٌ عليكم وإنِّي والله لأنظرُ إلى حوضي الآن ..» (^٤).
فيصفه النبي ﵊ فيقول:
«حوضي مسيرةُ شهرٍ ماؤُه أبيضُ من اللبنِ ورِيحُه أطيبُ من المسكِ وكيزانُه كنجومِ السماءِ مَنْ شربَ منها فلا يظمأ أبدًا» (^٥).
_________________
(١) رواه الترمذي وقال حسن صحيح وضعفه الألباني ورقمه في السنن ٣٦٧٠.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك برقم ٤٦٦٢.
(٣) أي أنا متقدمكم إليه.
(٤) جزء من حديث في صحيح البخاري ج ٤/ ص ١٤٩٨ ورقمه ٣٨٥٧.
(٥) صحيح البخاري ج ٥/ ص ٢٤٠٥ ورقمه ٦٢٠٨.
[ ٤٢ ]
ويقول:
«حوضي مسيرةُ شهرٍ وزواياه سواءٌ وماؤُه أبيضُ من الوَرِقِ [أي من الفّضة] …» (^١).
وفي رواية: «عرضُه مثلُ طولِه» (^٢).
إذن حوضُ نبيِّنا مربَّعُ الشكلِ عظيمُ الاتساعِ كأحدِ المحيطاتِ الهائلةِ لا يُدرَكُ منتهاه فقد جاءت روايات عدّة منها: «إنَّ حوضي أبعدُ من أَيْلَة من عدَن» (^٣) وجاء: «ما بين ناحيتَيْ حوضي كما بين صنعاءَ والمدينةِ» وفي رواية «ما بين الكعبةِ وبيتِ المقدس» (^٤). وفي الحديث: «هو ما بين البيضاءِ إلى بُصْرَى ثم يَمُدُّني اللهُ فيه بكراعٍ فلا يَدري بشرٌ ممن خلقَ اللهُ أيَّ طرفيْه» (^٥).
أما ماؤُه فورَدَ أنه أبيضُ من اللبنِ، وأبيضُ من الوَرِقِ (أي الفضة)، في الصفاءِ والنقاءِ، وريحُه أطيبُ من المسكِ وطعمُه أحلى من العسلِ، وأبردُ من الثلجِ.
_________________
(١) صحيح مسلم ج ٤/ ص ١٧٩٣ ورقمه ٢٢٩٢.
(٢) سنن الترمذي ج ٤/ ص ٦٣٠ ورقمه ٢٤٤٥. وقال حديث حسن صحيح وقال الألباني صحيح.
(٣) صحيح مسلم، ج ١ ص ٢١٧، ورقمه ٢٤٧.
(٤) ابن ماجة، باب ذكر الحوض ورقمه ٤٣٠١، وقال الألباني صحيح.
(٥) كتاب السنة، ورقمه ٧١٥ وقال الألباني صحيح.
[ ٤٣ ]
إننا قد لا يسوغ لنا - لقصور فهمِنا- بعضَ الصفاتِ ولكننا نأخذ من مُجملِها أنه ماءٌ لذيذٌ طعمه، حلوٌ مذاقه، شهيّةٌ رائحته، جميلٌ لونه .. فماءُ الدنيا لا طعمَ له ولا لونَ ولا رائحةَ ..
تخيلْ حالك وأنت صائم في يومٍ شديدِ الحرّ إذا قُدّم لك كأسٌ من الشرابِ الباردِ وفيه قطعٌ من الثلجِ أو كوبٌ من المثلوج (الآيس كريم) لذيذٌ طعمُه، زكيةٌ رائحتُه، فإن تلك الرائحةَ تزيدُه في الطعمِ لذّةً وتُنعشُ شاربَه. فكيف بحوضٍ ماؤُه من الجنةِ وكيف بمن يَرِدونه عِطاشًا كإبِلٍ حُبستْ عن الماءِ خمسةَ أيامٍ.!
وهذا الماءُ المبارك لا يجري على الطينِ، ولا على الترابِ، بل يجري على المسكِ الخالصِ .. مسكِ الجنةِ وتُربتِها.
* * *
[ ٤٤ ]