هاهي الوفود الكريمة قد وصلت بعد لأيٍ ومشقّة، وحطت رحالها على أعتاب الجنة تنتظر أن يستفتحها سيد الخلق ﵊ ففي الحديث: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يوم الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فيقول الْخَازِنُ من أنت فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ فيقول بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» (^١).
فيدخلونها بعده جماعاتٍ جماعاتٍ لا يتقدمُ أحدُهم على الآخَرِ لقوةِ شدِّه، أو لسرعةِ ركضِه، بل لصلاحِه وتقواه.
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
قال ابن كثير: (زُمرا، أي جماعة بعد جماعة، المقربون ثم الأبرار ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضا) (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلم ج ١/ ص ١٨٨ ورقمه ١٩٧.
(٢) تفسير ابن كثير ج ٤/ ص ٦٦.
[ ١٢٥ ]
ويدخلُ كلُّ أهلِ درجةٍ متحاذيةً أكتافُهم، متصافيةً قلوبُهم، صفًا واحدًا لا يتأخرُ أحدُهم عن الآخَرِ، لا يتدافعون ولا يتجاذبون فهم وفودٌ مُكرَمون، ففي الحديث: «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ من أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أو سبعمائة أَلْفٍ - شَكَّ في أَحَدِهِمَا- مُتَمَاسِكِينَ آخذ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حتى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وآخرهم الْجَنَّةَ …» (^١) قال النووي: (ومعنى متماسكين ممسك بعضهم بيد بعض ويدخلون معترضين صفًا واحدًا بعضهم بجنب بعض وهذا تصريحٌ بعِظَم سعة باب الجنة نسأل الله الكريم رضاه) (^٢).
حتى إذا انتهَوْا إلى بابٍ من أبوابِها وجدوا عنده شجرةً يَخرجُ من تحتِ ساقِها عينان تَجريان فعَمَدوا إلى إحداهما كأنَّما أُمروا بها فشربوا منها فأذهبتْ ما في بطونِهم من أذىً أو قذىً أو بأسًا ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهَّروا منها فجرتْ عليهم بنضرة النعيمِ فلن تتغيرَ أبشارُهم بعدَها أبدًا ولن تشعثَ أشعارُهم كأنَّما دهنوا بالدهانِ، على طول آدم ستين ذراعا وعلى حسن يوسف وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثون سنة وعلى لسان محمد ﷺ جردٌ مردٌ مكحلون (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، ج ٥/ ص ٢٣٩٦ ورقمه ٦١٧٧.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ج ٣/ ص ٩٢.
(٣) انظر حادي الأرواح ج ١/ ص ٢٧٧.
[ ١٢٦ ]
فإذا انتهوْا إلى خَزَنَةِ الجنةِ رحّبوا بهم وقالوا ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
نعم .. لقد طابوا الآن وتطهروا من كل خَبَث، وأصبحوا لائقين بدخول دار السلام والنقاء والطهر فإنه لا يدخلها إلا كل طاهر نقيّ.
وفي ساحات الجنة يتلقَّاهم الوِلْدانُ المخلَّدون يُطيفون بهم كما يُطيف وِلدانُ أهلِ الدنيا بالقريبِ الحميمِ يَقدُمُ من غَيْبتِه ويُبشِّرونَه فيقولون أبشِرْ بِما أَعَدَّ اللهُ لك من الكرامةِ. ثم ينطلقُ غلامٌ منهم إلى بعضِ أزواجِه من الحورِ العينِ فيقولُ لها قد جاء فلانٌ باسمِه الذي يُدعَى به في الدنيا فتقولُ أنتَ رأيتَه؟ فيقول أنا رأيتُه وهو ذا بأثَري فيستخِفُّها الفرحُ حتى تقومَ على عتبةِ بابِها تنتظرُه. فإذا انتهى إلى منْزلِه نظرَ إلى أساسِ بُنيانِه فإذا جندلُ اللؤلؤِ فوقَه صرحٌ أخضرُ وأصفرُ وأحمرُ ومن كلِّ لونٍ ثم رفعَ رأسَه فنظرَ إلى سقفِه فإذا مِثلُ البرقِ لولا أن الله قدَّرَ له أن يتحمّلَ ذلك الضوءَ لذهبَ ببصرِه ثم طأطأَ رأسَه فنظرَ إلى أزواجِه وأكوابٍ موضوعةٍ، ونَمارقَ مصفوفةٍ، وزرابِيَّ مبثوثةٍ فنظرَ إلى تلك النعمةِ ثم اتَّكأَ وقالَ ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] ثم ينادي مُنادٍ تَحيَوْن فلا تَموتون أبدًا وتُقيمون فلا تَظعَنون أبدًا وتَصِحُّون فلا تَمرَضون أبدا (^١).
_________________
(١) يؤثر مثل ذلك عن علي ﵁ انظر نصه في الترغيب والترهيب ج ٤/ ص ٢٧٢.
[ ١٢٧ ]
وقد رأينا حال أدنَى أهلِ الجنةِ منْزلةً من غير الجهنميين، وهو الذي كان يحبو على الصراط وما ناله من ملك عظيم .. فكيف بأعلاهم منزلة؟
قال كعبٌ ﵁ (إنَّ الله ﷿ جعلَ دارًا فجعلَ فيها ما شاء من الأزواجِ والثمراتِ والأشربةِ ثم أطبقَها ثم لم يَرَها أحدٌ من خلْقِه لا جبريلُ ولا غيرُه من الملائكةِ ثم قرأ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] قال وخلَقَ دون ذلك جنَّتيْن وزيَّنَهما بما شاء وأراهُما مَنْ شاء من خلقِه ثم قال مَنْ كان كتابُه في عِليِّينَ نزلَ تلك الدارَ التي لم يَرَها أحدٌ حتى إنَّ الرجُلَ من أهلِ عِلَّيِّينَ لَيخرجُ فيسيرُ في مُلكِه فما تبقَى خيمةٌ من خِيَمِ الجنةِ إلا دخلَها من ضوءِ وجهِه فيستبشرون بريحِه فيقولون واهًا لهذا الريحِ هذا رجلٌ من أهل عِلِّيِّينَ قد خرجَ يسيرُ في مُلكِه) (^١).
فياللهِ أيُّ نعيمٍ هذا وأيُّ مُلكٍ .. اللَّهُمَّ إنَّا نسألُك الفردوسَ الأعلَى من غيرِ سابقةِ عذابٍ ولا سابقةِ حسابٍ .. اللَّهُمَّ آمين .. آمين.
* * *
_________________
(١) جزء من حديث انظر صحيح حادي الأرواح ص ٢٨١. وقد صححه الألباني في صحيح الترغيب ورقمه ٣٧٠٤.
[ ١٢٨ ]