هاهي الخلائق كلها قد اجتمعت في الموقف. يطول الانتظار بهم ويطول ويطول .. والشمس الدانية تكاد تغلي منها رؤوسهم، وجهنم التي تتربص بهم تكاد تلتهمهم لولا أزمّتها التي بيد الملائكة الشداد .. يمنعونها من الانقضاض عليهم.
وهاهم عبدة الأوثان واقفون وجاءت أوثانهم معهم، وعبدة النجوم وعبدة عيسى وعبدة عزير وعبدة فرعون مع فرعونهم وكل معبود وعبدته والأمم بأنبيائها وهذه الأمة الكريمة بمحمدها صلوات ربي وسلامه عليه.
في هذه الأثناءِ وفي هذا الموقفِ الرهيب يتفاوتُ الموحّدون في أحوالِهم وانتظارِهم .. وقد ذكرنا أن كل صاحب خطيئة لم تكفر عنه أو لم يتب منها فإنه يأتي وهو يحملها على ظهره.
ويأتي مانعُ الزكاةِ يَجري رُعبًا يَفِرُّ من كنْزِه الذي كان يجمعُ بعد أن رآه وبالًا عليه فقد ربَّاه وسَمَّنه حتى أضحَى وحشًا كاسرًا يَسومُه سوءَ العذابِ.
[ ٦٤ ]
قال ﷺ: «ما من رجلٍ تكونُ له إبِلٌ أو بقرٌ أو غنمٌ لا يؤدِّي حقَّها إلا أُتيَ بها يوم القيامةِ أعظمَ ما تكونُ وأسْمَنَه تَطَؤُه بأخفافِها وتنطحُه بقرونِها كلما جازتْ أُخراها رُدَّتْ عليه أُولاها حتى يُقضَى بين الناسِ» (^١).
وقال: «ما من صاحبِ ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدِّي حقَّها إلا جُعلتْ له يومَ القيامةِ صفائحَ ثم أُحْمِيَ عليها في نارِ جهنَّمَ ثم يُكوَى بها جبينُه وجبهتُه وظهرُه في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ حتى يُقضَى بين الناسِ فيرى سبيلَه إمَّا إلى الجنةِ أو إلى النارِ».
وفي روايةٍ: «… ولا صاحبُ كنْزٍ لا يفعلُ فيها حقَّها إلا جاءتْ يوم القيامةِ شجاعًا أقرعَ [أي ثعبانٌ هائلٌ] يتبعُه فاغرًا فاه فإذا أتاه فَرَّ منه فيناديه خُذْ كنْزَك الذي خبَّأتَه فأنا عنه غنيٌّ [وقال الراوي] فأنا عنه أغنَى فإذا رأى أنَّه لا بُدَّ منه سلَكَ يدَه في فيه فيقضِمُها قَضْمَ الفحْلِ» (^٢).
* * *
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٢/ ص ٥٣٠ ورقمه ١٣٩١.
(٢) المسند المستخرج على صحيح مسلم ج ٣/ ص ٦٩ ورقمه ٢٢٢٨.
[ ٦٥ ]