من الناسِ من يأتون بحسناتٍ أمثالِ جبالِ تهامةَ بيضاءَ مشرقة فيجعلُها الله هباءً منثورًا .. ! ماذا فعلوا يا ترى؟ وما الْجُرمُ الذي اقترفوه فذهبَ بحسناتِهم وخسِروا من جرّائِه كلَّ ما جمعوا؟
تخيلْ كم من الناسِ أصابتْهم انهياراتٌ عصبيةٌ، وأزماتٌ قلبيةٌ، وذبحاتٌ صدريةٌ، إذا داهمتْهم جائحةٌ في أموالِهم وممتلكاتِهم ومنهم مَنْ حاول الانتحارَ عياذًا باللهِ كما حدث عند انْهيارِ بورصةِ الأسهمِ (^١) المفاجئِ بعد أن جمعوا من الأموالِ ما جمعوا مع أنَّ ذلك بالإمكانِ تعويضُه مع الأيامِ المقبلةِ .. أما انهيارُ سوقِ الحسناتِ فلا يمكنُ أن يُعوَّضَ ولا يمكنُ أن تجدَ له بديلًا، فلنحذرْ من أسبابِه كلَّ الحذرِ قال ﷺ: «لأَعلَمَنَّ أقوامًا من أمتي يأتون يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالِ جبالِ تهامةَ بِيضًا فيجعلُها اللهُ ﷿ هباءً منثورًا. قال ثوبانُ يا رسولَ اللهِ صِفْهم لنا جَلِّهِمْ لنا أن لا نكونَ منهم ونحن لا نعلمُ. قال أمَا إنَّهم
_________________
(١) وهذا النوع من التجارة في وضعه الحالي وفي كثير من حالاته حرّمه العلماء؛ لأنه نوع من القمار. فانتبه يا رعاك الله.
[ ٩٢ ]
إخوانُكم ومن جلدتِكم ويأخذون من الليلِ كما تأخذون ولكنهم أقوامٌ إذا خَلَوْا بمحارمِ اللهِ انتهَكوها» (^١).
يخلو بتلك الصورِ المرسلةِ إليه سرًا عبر هاتفِه أو حاسبِه الشخصيِّ .. أو بمحطاتِ الدعارةِ الفضائيةِ في جُنْحِ الليلِ فلا يأتي الصباحُ إلاَّ وقد خسِرَ دينَه وما جمع. وقد قِيلَ إنَّ اللهَ خبَّأَ سَخَطَه في معاصيه فلا تدري أيَّ معصيةٍ خبأَ اللهُ سخطَه فيها، وخبَّأَ رضاه في طاعتِه فلا تدري أيَّ طاعةٍ خبأَ الله رضاه فيها .. فاتَّقِ الله يا رعاك الله وإياك ومُحَقَّراتِ الذنوبِ.
ومن آكلاتِ الحسناتِ الاعتداء على الغير فقد قال الرسولُ ﷺ: «هل تدرون ما المفلسُ؟ قالوا يا رسولَ الله المفلسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. قال إنَّ المفلسُ من أمتي من يأتي يوم القيامةِ بصيامٍ وصلاةٍ وصدقةٍ ويأتي وقد ظلمَ هذا وأكلَ مالَ هذا وضربَ هذا وشتمَ هذا فيقعد فيُقتَصُّ لهذا من حسناتِه ولهذا من حسناتِه فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يَقضيَ الذي عليه من الخطايا أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه ثم طُرِحَ به في النارِ» (^٢) فإياك والاعتداءَ على حقوقِ الغيرِ وإياك والغِيبةَ
_________________
(١) سنن ابن ماجه ج ٢/ ص ١٤١٨ ورقمه ٤٢٤٥. وصححه الألباني.
(٢) المعجم الأوسط ج ٣/ ص ١٥٦ ورقمه ٢٧٧٨. وذكر نحوه الإمام أحمد في مسنده ورقمه ٨٠١٦ وقال عنه الأرناؤوط إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٩٣ ]
والنميمةَ والحسدَ؛ ففي الحديث: «إيَّاكم والحسدَ فإنَّ الحسدَ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ» (^١).
وفي الحديث: قيل لرسولِ الله ﷺ إنَّ فلانةَ تُصلِّي الليلَ وتصومُ النهارَ وفي لسانِها شيءٌ يؤذي جيرانَها [أي سليطةُ اللسانِ] قال: «لا خيرَ فيها هي في النارِ». وقيل له إن فلانةَ تُصلي المكتوبةَ وتصومُ رمضانَ وتتصدقُ بالأثوارِ وليس لها شيءٌ غيرَه ولا تُؤذي أحدًا قال «هي في الجنةِ» (^٢).
فلنبتعدْ عن آكلاتِ الحسناتِ ولنحاولْ أن نثقِّلَ موازينَنا بالطاعاتِ والذكرِ والخلُقِ الحسَنِ، ولنحرصْ على الاستثمارِ في الأعمالِ الجاريةِ المستمرةِ الأجورِ.
قال رسول الله ﷺ: «إنَّ مما يلحقُ المؤمنَ من عملِه وحسناتِه بعد موتِه علمًا علَّمَه ونشرَه، وولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورّثَه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيلِ بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجَها من مالِه في صحتِه وحياتِه تلحقُه من بعد موتِه» (^٣) ومن مضاعفاتِ
_________________
(١) سنن أبي داود ج ٤/ ص ٢٧٦ ورقمه ٤٩٠٣. وضعفه الألباني وذلك لا ينافي صحة معناه.
(٢) المستدرك على الصحيحين ج ٤/ ص ١٨٣ ورقمه ٧٣٠٤ قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكر نحوه الإمام أحمد في مسنده ورقمه ٩٦٧٣ وحسنه الأرناؤوط.
(٣) الترغيب والترهيب ج ١/ ص ٥٥ ورقمه ١٢٣. وحسنه الألباني.
[ ٩٤ ]
الأجورِ قوله ﷺ: «مَنْ احتبسَ فرسًا في سبيلِ اللهِ إيمانًا بالله وتصديقًا بوعدِه فإنَّ شِبَعَه ورِيَّه ورَوْثَه وبولَه في ميزانِه يومَ القيامةِ» (^١) وفي يومِنا هذا يُمكن استبدالُ الفرسِ بالسيارةِ فإنَّ وقودَها وزيْتَها وماءَها وكلَّ لفَّةِ من عجلاتِها حسناتٌ في ميزانِه يومَ القيامةِ، ومن ذلك من يُوقفُ عربةً للمُقعَدين لوجهِ اللهِ في المسجدِ الحرامِ ليطوفَ عليها ذوو الحاجةِ ويسعَوْن، فإنَّ كلَّ خطواتِها في ميزانِه يومَ القيامةِ.
* * *
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٣/ ص ١٠٤٨ ورقمه ٢٦٨٩.
[ ٩٥ ]