وبعد عبور الصراط وبعد نجاة من نجا، وسقوط من سقط في النار من الموحّدين (^١)، يؤذن للشفعاء بالشفاعة بما فيهم الملائكة فقد كانوا يحضرون مجالس الذكر ويحفّون أهلها بالسكينة والرحمة أفلا يشفعون اليوم لمن رأوه هناك ولو لمرة. ويشفع الرُّسل والشهداء والعلماء والصالحون .. ومن الناس من يُحرم الشفاعة (^٢).
ويشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته وعشيرته (^٣) والعلماء لمن حضروا مجالسهم ومن يعرفونهم، ومن الصالحين من يشفع في
_________________
(١) الموحدون هم من قالوا لا إله إلا الله.
(٢) إنهم اللعانون ففي مسلم: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ ولا شُفَعَاءَ يوم الْقِيَامَةِ» وفي رواية «لا يكون الطعانون واللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة» قال ابن القيم في الصواعق المرسلة: ومن يكون كثير الطعن على الناس وهو الشهادة عليهم بالسوء وكثير اللعن لهم وهو طلب السوء لهم لا يكون شهيدا عليهم ولا شفيعا. وقال النووي: فمعناه لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار ولا شهداء، فيه ثلاثة أقوال: أصحها وأشهرها لا يكونون شهداء يوم= = القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات، والثاني لا يكونون شهداء في الدنيا أي لا تقبل شهادتهم لفسقهم، والثالث لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله. فاحترس يا رعاك الله ..
(٣) انظر الحديث في صحيح الجامع وطرفه (يشفع الشهيد …
[ ١١٣ ]
الفئام من الناس ومنهم خير التابعين أويس القرني ففي الحديث:
«ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجلٍ ليس بنبيّ مثل الحيَّين: ربيعةَ ومُضَر» (^١) ويرى المؤمنون أن لهم إخوانا ورفاقا كانوا معهم في الدنيا فسقطوا في النار فيجادلون الله تعالى فيهم. ومن الناس من يحظى بالشفاعة من الصالحين لحضوره مجالسهم وإن لم يكن منهم .. فإنهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.
قال ﷺ: «إذا خَلَّصَ الله الْمُؤْمِنِينَ من النَّارِ وَأَمِنُوا فما مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ لِصَاحِبِهِ في الْحَقِّ يَكُونُ له في الدُّنْيَا أَشَدَّ مُجَادَلَةً من الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ في إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ قال يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ فيقول اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا من عَرَفْتُمْ منهم فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ فَمِنْهُمْ من أَخَذَتْهُ النَّارُ إلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ من أَخَذَتْهُ إلى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرَجْنَا من قد أَمَرْتَنَا ثُمَّ يقول أَخْرِجُوا من كان في قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ من الْإِيمَانِ ثُمَّ من كان في قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ ثُمَّ من كان في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ» (^٢).
_________________
(١) صحيح الجامع وقال الألباني صحيح. وقيل إنه أويس القرني انظر المستدرك على الصحيحين ج ٣/ ورقمه ٥٧٢١.
(٢) سنن ابن ماجه ج ١ ورقمه ٦٠ وقال الألباني صحيح ورقمه في صحيح ابن ماجه ٥١.
[ ١١٤ ]
فيخرجونهم من النار بعد أن احترقوا وتفحّموا إلا أن النار لا تأكل وجوههم ومواضع السجود منهم فيعرفونهم وفي الحديث قال ﷺ: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فيها ولا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أو قال بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حتى إذا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا على أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عليهم فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحبَّةِ تَكُونُ في حَمِيلِ السَّيْلِ» (^١).
_________________
(١) صحيح مسلم، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار ج ١/ ص ١٧٢ ورقمه ١٨٥.
[ ١١٥ ]