وبعد الفراغِ من الكفَرةِ الفجَرةِ يبقَى محمدٌ ﷺ وأمَّتُه وباقي أمم الرسل بمن فيهم منافقوها والذين بدلوا وابتدعوا. فأمة محمد الأولون على سائر أمم الرسل قال ﷺ «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ» (^١).
وقال: «نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون» (^٢).
وقال: «نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يوم
الْقِيَامَةِ …» (^٣).
قال العلماء: معناه الآخرون في الزمان والوجود، السابقون بالفضل ودخول الجنة فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم (^٤).
* * *
_________________
(١) انظر الحديث بتمامه في صحيح مسلم برقم ٢٠
(٢) صححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٦٧٤٩
(٣) صحيح مسلم، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، ج ٢/ ص ٥٨٥، ورقمه ٨٥٥.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ج ٦/ ص ١٤٢.
[ ١٠٠ ]
ونكمل الأحداث .. فها قد جاء دور هذه الأمة وهي أول أمة تحاسب بعد كبكبة الكفار في النار.
وفي الحديث: «وَيَبْقَى مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ فيتمثَّلُ الرَّبُّ ﵎ فيأتيهم فيقولُ ما لكم لا تنطلِقون كما انطلقَ الناسُ فيقولون إنَّ لنا إلَهًا ما رأيناه بعد، فيقول هل تعرفونه إنْ رأيتُموه فيقولون إنَّ بيننا وبينه علامةً إذا رأيناها عرفناه. فيقولُ ما هي فيقولون يكشفُ عن ساقِه فعند ذلك يكشفُ عن ساقِه فيخرون له سجدا، ويَخِرُّ كلُّ مَنْ كان مُشركًا يُرَائِي لظهرِه ويبقَى قومٌ ظهورُهم كصياصي (^١) البقَرِ يريدون السجودَ فلا يستطيعون وقد كانوا يُدعَوْن إلى السجودِ وهم سالمون (^٢). فيكشف الرب ﵎ عن ساقه وهي علامة معرفة أهل الإيمان لربهم.
فالناسُ في ذلك على ثلاثِ فئاتٍ:
- كلُّ مَنْ كان يسجدُ للهِ خالصًا من قلبِه فإنَّه يسجدُ يومَئذٍ في طمأنينة وسعادة.
- وكلُّ مَنْ كان يسجدُ رياءً ونفاقًا يَخِرُّ على ظهرِه.
- وكلُّ مَنْ كان يَدَّعي الإسلامَ فإذا جاء وقتُ الصلاةِ اختبأَ في مكانٍ حتى يخرجَ المصلُّون من المساجدِ، سيأتي ذلك اليوم الذي
_________________
(١) أي كقرون البقر لصلابتها.
(٢) انظر الحديث بنصه في الترغيب والترهيب ج ٤/ ص ٢١١ ورقمه ٥٤٤٢ وصححه الألباني في صحيح الترغيب ورقمه ٣٥٩١.
[ ١٠١ ]
يَعَضُّ فيه أصابعَ الندمِ يريدُ السجودَ فيجدُ فَقَارَ ظهرِه عظمًا واحدًا لا يستطيعُ الانحناءَ. وواللهِ لقد رأيناهم تقومُ الصلاةُ صلاةُ المغربِ لا تحتملُ التأخيرَ لنُحسنَ الظنَّ بهم ونقول لرُبما يُصلونَها بعد ذلك في منازلِهم .. منهم التاجرُ يعملُ في محلِّه فيغلقُه خشيةَ رجالِ الحسبةِ ومنهم المشتري يتجوَّلُ في السوقِ فإذا قامت الصلاةُ ذهب إلى مكانٍ فانْزوى فيه وأشعل سيجارتَه وراح ينفث دخانَها حتى يَفرغَ الناسُ من الصلاةِ .. ما أشدَّ حماقتَهم يبيعون آخرتَهم .. بلحظاتٍ نحِسة .. ونفثاتٍ مسمومةٍ.
فهنا يتميزُ الصالِحُ من الطالِحِ وينادى عليهم أن تميزوا عن المؤمنين وكونوا على حدة ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]
ثم يُقال للساجدين ارفعوا رؤوسَكم فيرفعون رؤوسَهم فيُعطيهم نورَهم على قدرِ أعمالِهم.
* * *
[ ١٠٢ ]