وهو الفلاس. وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (^١): " المؤرخين لم يختلفوا أن مولده كان بعد الهجرة، وقصة خطبة علي كانت بعد مولد المسور بنحوٍ من ست سنين أو سبع سنين". ومن كان في هذا السن فالغالب أنه لا يضبط.
والجواب أولًا: أن ما ادَّعَوا إطباقَ المؤرخين عليه لم نجد نقلَه بطريق صحيح متصل بالمسور نفسه، أو بمن يعرف شأنه من معاصريه. ويحيى بن بكير وعمرو بن علي بين مولدهما وبين وفاة المسور نحو مئة سنة، ولم يبيِّنا مستندهما. وقد عُرِف تسامحُ المؤرخين وتهاونُ السلف في ضبط الولادة، وحسبك أن المؤرخين لم يضبطوا مولد النبي - ﵌ - ولا تاريخ وفاته على التحقيق، بل قال أكثرهم ١٢ ربيع الأول، وتبيَّن أنه خطأ.
هذا، وقد ثبت في "الصحيحين" (^٢) و"مسند أحمد" (^٣) عنه في هذه القصة نفسها عن المسور قال: "فسمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذٍ محتلم".
رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٣٢٦) (^٤) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن المسور. ومن طريق الإمام أحمد
_________________
(١) (١٠/ ١٥١).
(٢) البخاري (٣١١٠) ومسلم (٢٤٤٩/ ٩٥).
(٣) رقم (١٨٩١٣).
(٤) رقم (١٨٩١٣).
[ ١٨ / ٥٧١ ]
أخرجه مسلم في "صحيحه" (^١)، وكذلك أخرجه البخاري في "صحيحه" (^٢) عن سعيد بن محمد الجرمي عن يعقوب. ووقع عند بعض رواة البخاري "وأنا يومئذٍ المحتلم" (^٣). أخرج البخاري (^٤) الحديث ــ وفيه الكلمة المذكورة ــ في أبواب فرض الخمس عقب كتاب الجهاد: باب ما ذكر من دِرْع النبي - ﷺ -.
ونقل الحافظ في "الفتح" (^٥) عن ابن سيد الناس أنه خطأ، لِما حكاه المؤرخون في عمر المِسور، وأن الصواب "كالمحتلم"، وأنه كذلك وقع في "مستخرج" الإسماعيلي من طريق يحيى بن معين عن يعقوب.
أقول: حكاية المؤرخين قد تقدم حالُها. ورواية الإمام أحمد بالمتابعة وتخريج صاحبي "الصحيح" أرجح، وعلى فرض أن الصواب "كالمحتلم" فهذا لا يقال لابن سبع أو نحوها، بل يكون فوق العشر. فالرد على المؤرخين بحاله. ولعل المسور وُلِد قبل الهجرة بسنتين"، فأخطأ سلف المؤرخين فقال: "بعد الهجرة بسنتين"، وتبعه غيره.
وتخريج الإمام أحمد الحديث في "مسنده" والشيخين في "صحيحيهما" بدون إنكار لهذه الكلمة "وأنا محتلم" يدلُّ دلالةً ظاهرةً على أن ما حكاه المؤرخون لا يُعرف له أساس ثابت. ويؤيِّد ذلك إضراب البخاري في
_________________
(١) رقم (٢٤٤٩/ ٩٥).
(٢) رقم (٣١١٠).
(٣) انظر "الفتح" (٩/ ٣٢٧).
(٤) رقم (٣١١٠).
(٥) (٩/ ٣٢٧).
[ ١٨ / ٥٧٢ ]
"تواريخه" عن حكاية كلامهم في ذلك.
وفيما ذكرناه ما يُغني عن بيان أن ابن السبع أو الثمان قد يضبط كما هو معروف في الصحابة وغيرهم.
وأما قول ابن حجر (^١) إن القصة كانت بعد مولد المسور بست سنين أو سبع سنين، فبيانه أن القصة كانت بعد فتح مكة يقينًا؛ لأن آل أبي جهل إنما أسلموا يوم الفتح، فهي بين مرجع النبي - ﵌ - إلى المدينة وبين وفاته، وكان مرجعه إلى المدينة في أواخر سنة ثمان.
والذي يتجه أن تكون القصة تأخرت، فإنه يبعد أن يكون عقبَ إسلام القوم، وعليه فإنها تكون قُربَ وفاة النبي - ﵌ -. والمسور ــ لو صحَّ كلام المؤرخين ــ ابن ثمان سنين أو فوقها، إذا جوَّزنا أن يكون وُلِد بعد سنة الهجرة بسنة وشيء، فقالوا "بسنتين" بجبر الكسر كما هو معروف من عادتهم. وفي "الفتح" (^٢) في كتاب النكاح في باب ذبّ الرجل عن ابنته ما يلاقي هذا. والله الموفق.
_________________
(١) في "تهذيب التهذيب" (١٠/ ١٥١).
(٢) (٩/ ٣٢٧).
[ ١٨ / ٥٧٣ ]