جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت!!
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت!!
وسأبقى سائرا إن شئت هذا أم أبيت!!
_________________
(١) الفؤاد والقلب مكان عملية التعقل.
[ ٥ ]
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟!
لست أدري!!
ولماذا لست أدري؟!
لست أدري!!
لماذا لا يدري هذا الحائر المتخبط؟
لأنه لم يعرف رسول ربه، ولم يتلق الهدى منه، فعاش تائها يتخبط في الطلاسم «١» .
والعلم بالرسول وصدقه هو: مفتاح العلم ومفتاح الهدى والفوز في الدنيا والآخرة.
لكن إيماننا بالرسولﷺ- لا يتحقق إلا إذا عرفنا أدلة صدقه وبراهين رسالته.
وأمّا الكفار فلن يتركوا ماهم عليه من الكفر حتى تأتيهم البينة المصدقة للرسول ﷺ، كما قال ﷾: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) [البينة: ١- ٣] .
ولقد جعل الله البيّنات والمعجزات شهادات إلهية أيّد الله بها رسله حتى لا يكذبهم الناس، قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ [الحديد: ٢٥] .
ويتحدى الرسول قومه أن يأتوا بمثل ما جاءهم به من المعجزات التي يعجز أمامها البشر، فتخضع رقابهم لبينة الرسول ومعجزاته، ويعلموا أنه مرسل من الله خالقهم.
_________________
(١) الطلاسم هي: المعميات وهي اسم القصيدة التي منها هذه الأبيات للشاعر «إليا أبو ماضي» .
[ ٦ ]
وهذه البينات والمعجزات التي يؤيد الله بها رسله هي: التي حولت سحرة فرعون الذين كانوا يقولون لفرعون قبل مواجهتهم مع موسى﵇-: أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) [الشعراء: ٤١- ٤٢] فوعدهم فرعون بما طلبوا، وزادهم أن يجعلهم من الحاشية، ولما ألقوا حبالهم وعصيّهم، وجاؤا بسحر عظيم استرهبوا به أعين الناس، أمر الله موسى أن يلقى عصاه فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) [الشعراء: ٤٥] .
ُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ
(٤٨) [الشعراء: ٤٦- ٤٨] .
فانقلب السحر على الساحر، وأسقط أمر فرعون، فتوعد السحرة: قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) [الشعراء: ٤٩] .
فكان رد الإيمان الذي وقر في قلوب السحرة بعد أن رأوا البينة والمعجزة أن قالوا: قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) [طه: ٧٢] .
رأوا البينة والمعجزة، فامنوا بالرسول، وصدّقوه، فهانت الدنيا أمام وعد الآخرة، وصغر فرعون في أعين السحرة المؤمنين، وهان الموت أمام الإيمان.
وبينات الرسول ومعجزاته هي: القنطرة التي عبر عليها الصحابة من الكفر والتكذيب إلى الإيمان واليقين. فبعد أن كانوا من المكذبين الذين يرمون الرسول بالسحر والكهانة والشعر والافتراء، صاروا يتسابقون لامتثال أمره ويهتفون قائلين: " فداك أبي وأمي يا رسول الله".
[ ٧ ]
والعلم ببينات الرسول ومعجزاته هو: العلم الذي يجب أن يأخذ منه كل مسلم ما يثبت له صدق الرسول ﷺ، وأنه قد جاء بالحق من ربه، قال تعالى:
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) [الرعد: ١٩] .
وعلى كل مسلم أن يبلّغه أهله وأقاربه وجيرانه والناس جميعا؛ ليخرج الناس من العمى إلى الهدى.
والعلم ببينات الرسول ومعجزاته يثمر التصديق للرسول، والإيمان بالوعد والوعيد، فيثمر المحبة لله، والحرص على مرضاته، والفوز بجناته، كما يثمر الخوف من الله ومن عذاب النار.
وبهذا يتولد الدافع القوي في نفوس المؤمنين إلى فعل الطاعات واجتناب المحرمات، فيفيض الخير في المجتمع فيضا، ويغيض الشر غيضا. وتسعد البشرية بحياة مصبوغة بالفضيلة، بعيدة عن الرذيلة والجريمة.
وبينات الرسول ومعجزاته هي: العروة الوثقى التي يعتصم بها المؤمن أمام أمواج الفتن والشبهات التي لا يصمد أمامها من اكتسب إيمانه تقليدا للأباء أو مسايرة للمجتمع.
كما أنها العصمة أمام تيارات العلمانية، والثقافات المعادية للدين التي تغزو الناس بوسائل الإعلام، التي تدخل عليهم البيوت والغرف.
فكان لا بد من نشر الدواء الوافي من أمراض الشكوك ومزالق الفتن.
فرأينا أن نقدم خلاصة مفيدة لبعض بينات الرسولﷺ- ومعجزاته التي أيّده الله بها، وأقام بها الحجّة على عباده.
ولما كان رسول اللهﷺ- هو رسول الله إلى الناس كافة، فقد جعل الله بينات رسالته ومعجزاته باقية متجددة مع كل عصر؛ تكفي كل أصناف البشر
[ ٨ ]
على اختلاف علومهم وثقافاتهم ومداركهم.
فمن أراد البينة وجدها وشاهدها، في عصر النبي ﷺ، وما بعده، وإلى يومنا هذا، وإلى ما شاء الله.
فالقرآن هو المعجزة الكبرى الباقية بين أيدينا.
معجز في فصاحته وبلاغته.
ومعجز في علومه.
وهو سجل موثوق لمعجزات الرسالة الموثّقة بأعلى درجات التوثيق التي أقر بها المؤمن والكافر.
ومعجز في أخباره. ويمكن للناس التأكد من كل أوجه إعجازه.