رأينا كيف كان علماء النهضة العلمية الحديثة في أوروبا يتخبطون في أوهام متعددة؛ طوال ثلاثة قرون؛ أثناء دراستهم لتخلق الجنين البشري من أهمها:
* توهمهم أن الإنسان يخلق من دم الحيض، ولم يتخلصوا من هذا الوهم إلا في القرن السابع عشر الميلادي.
[ ١٧٢ ]
* وتوهموا أن الإنسان يخلق خلقا تاما من بداية تكوينه؛ ولم يعرفوا بطلان ذلك إلا في القرن الثامن عشر الميلادي.
* وتوهموا في عام ١٦٩٤- بعد اكتشاف المجهر- أن الإنسان يخلق خلقا تاما في المنوي؛ ولم يرجعوا عن هذا إلا بعد اكتشاف بييضة المرأة عام ١٨٢٧ م أي:
بعد مئة وخمسين سنة من اكتشاف المنوي.
* وبعد اكتشاف البييضة توهموا أن الإنسان يخلق خلقا تاما فيها؛ ولم يتبدد وهمهم هذا إلا في الربع الأخير من القرن الثامن عشر عام ١٧٧٥ م.
* وكان علماء الأجنة إذا حسبوا عمر الجنين- قبل اكتشاف بييضة المرأة- يقعون في خطأ يتراوح ما بين زائد أو ناقص ٢١ يوما، ولم يتمكنوا من تحديد عمر الجنين في مراحله المختلفة إلا في القرن العشرين.
* وكان علماء الأجنة يعجزون عن تتبع التطورات التي تحدث على جسم الجنين البشري، وزمن حدوثها؛ إلى بعد الأربعينات من القرن العشرين، وبخاصة بعد أن تمكنوا من النظر إلى الجنين بوضوح، بل وتمكنوا من النظر إلى داخل أجزاء الجنين؛ وذلك بما تيسر لهم من آلات للتصوير والتكبير ووسائل الكشف عن المواد المختلفة.
لكن الله الذي يعلم ما في الأرحام، ويعلم السر في السموات والأرض؛ أخبر رسوله النبي الأمي، في الأمة الأمية؛ قبل ألف وأربعمائة عام، بالليلة المحددة التي يبدأ بعدها الجنين البشري في أخذ صورته الآدمية، والتي يأخذ بعدها في تشكيل وتكوين أعضائه الآدمية المعروفة لنا؛ وحجم الجنين لا يزيد في تلك الليلة عن (١١ مم) .
واليوم وبعد أن تمكن العلم في القرن العشرين من مشاهدة ما يحدث للجنين
[ ١٧٣ ]
من تطورات، وحساب الزمن لكل تطور يظهر على جسم الجنين، يمكننا أن نعتبر الخبر النبوي الذي جاءنا قبل ألف وأربعمائة عام؛ بمثابة اختبار لصدق نبوة ورسالة محمدﷺ- القائل: " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا، فصورها، وخلق سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها. ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؛ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك" «١» .
ففي هذا الحديث يقرر الرسول ﷺ عشر حقائق من حقائق علم الأجنة هي:
[١] خلق الإنسان من النطفة المنوية- من ماء الرجل وبييضة المرأة- كما سبق بيانه- وقد أشار إلى ذلك الحديث النبوي: " إذا مر بالنطفة" أي أن الإنسان يخلق من النطفة لا من دم الحيض- كما كان شائعا بين الأطباء إلى القرن السابع عشر.
[٢] حدد الحديث ليلة معينة من عمر الجنين؛ يدخل بعدها الملك" إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا".
ويقوم الملك بعد هذه الليلة بما يلي:
[٣] " صورها" أي أن الصورة الآدمية للجنين تبدأ بالظهور بعد الليلة الثانية والأربعين.
[٤] " وخلق سمعها" وكذلك يبدأ ظهور الأذن وجهاز السمع.
[٥] " وبصرها" أي وخلق بصرها؛ فيبدأ ظهور العين وجهاز البصر.
_________________
(١) صحيح مسلم- كتاب القدر ج ٤ ص ٢٠٣٧ ح ٣/ ٢٦٤٥، وله طريق آخر عنده عن حذيفة بن أسيد، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٣/ ١٧٨ ح ٣٠٤٤، والطحاوي في مشكل الآثار ٣/ ٢٧٨، وأبو داود في كتاب القدر ورقة ٤٤/ ٤٥، وجعفر الفرياني انظر: فتح الباري ١١/ ٤٨٣.
[ ١٧٤ ]
[٦] " وجلدها" ويخلق الملك الجلد بعد الليلة الثانية والأربعين.
[٧] " ولحمها" ويخلق الملك اللحم (العضلات) بعد نفس الليلة.
[٨] " وعظامها" ويخلق الملك العظام (الهيكل العظمي) بعد نفس الليلة.
[٩] " ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى" أي أن الملك يبدأ بتشكيل الأعضاء التناسلية الخارجية (الفرج) في الذكر والأنثى، والتي بها يتم التمييز بين الذكر والأنثى وذلك بعد الليلة الثانية والأربعين أيضا.
[١٠] يمر الجنين بأطوار قبل الليلة الثانية والأربعين؛ وهو ليس في صورة آدمية، ولا توجد فيه الأعضاء والأجهزة التي ذكر الحديث خلقها بعد الليلة الثانية والأربعين.
وهيا بنا إلى عدد من قادة علم الأجنة في عصرنا نسألهم عن شهادتهم حول ما قاله النبي ﷺ قبل ألف وأربعمائة عام.