قال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ
[ ١٢٢ ]
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) [النور: ٤٠] .
أثبت القرآن وجود ظلمات في البحر العميق، وقيد وصف البحر بلفظ لُجِّيٍّ ليعلم قارئ القرآن أن هذه الظلمات لا تكون إلا في بحر لجي أي عميق، أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ويخرج بهذا القيد البحر السطحي الذي لا توجد فيه هذه الظلمات.
وقد بين أهل اللغة والتفسير معنى لفظ لُجِّيٍّ، فقال قتادة وصاحب تفسير الجلالين: لجي هو العميق، وقال الزمخشري: اللجي العميق الكثير الماء، وقال الطبري: ونسب البحر إلى اللجة بأنه عميق كثير الماء، وقال البشيري: هو الذي لا يدرك قعره واللجة معظم الماء، والجمع لجج، والتج البحر إذا تلاطمت أمواجه.
وهذه الظلمات تتكون بسبب العمق في البحر اللجي، وهي ظلمات الأعماق التي سبق الإشارة إليها. قال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ.
قال الزمخشري: (بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب)، وقال الخازن: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ أي عميق كثير الماء معناه أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدّا بسبب غمورة الماء)، وقال المراغي: (فإن البحر يكون مظلم القعر جدّا بسبب غور الماء ) .
وذكر القرآن أن للبحر العميق موج يغشاه من أعلاه. قال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ.
وذكرت الآية وجود موج آخر فوق الموج الأول، قال تعالى: يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ. وهذه صفة للبحر وهي: وجود موجين في وقت واحد أحدهما فوق الآخر، وليست أمواجا متتابعة على مكان واحد بل هي
[ ١٢٣ ]
موجودة في وقت واحد، والموج الثاني فوق الموج الأول.
وتشير الآية إلى أن فوقية الموج الثاني على الموج الأول كفوقية السحاب على الموج الثاني. قال تعالى: يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ
ذكرت الآية وجود موج يغشى البحر العميق ويغطيه كما ذكرت وجود موج ثان فوق الموج الأول، وهذا يستلزم وجود بحر فوق (الموج الأول والبحر العميق) وهو البحر السطحي الذي يغشاه الموج الثاني الذي فوقه السحاب.
وأثبت القرآن دور هذه الحوائل الثلاثة في تكوين الظلمات في البحار العميقة، وأن بعضها فوق بعض كما قال تعالى: يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ [النور: ٤٠] وهو ما فهمه بعض المفسرين:
قال الإمام البغوي في تفسيره لهذه الآية: " ظلمة الموج الأول على ظلمة البحر، وظلمة الموج الثاني فوق الموج الأول وظلمة السحاب على ظلمة الموج الثاني".
وقال الإمام ابن الجوزي في تفسيره: " ظُلُماتٍ يعني ظلمة البحر وظلمة الموج الأول، وظلمة الموج الذي فوق الموج، وظلمة السحاب".
اشتملت الآية على ذكر ظلمات الأعماق (السبعة) في أولها وظلمات الحوائل (الثلاثة) في آخرها: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
وذكرت الآية أن هذه الظلمات التي سبق ذكرها بسبب الأعماق أو الحوائل بعضها فوق بعض، واستعمل القرآن لفظ ظلمات الذي تستعمله العرب للدلالة على جمع القلة، من الثلاثة إلى العشرة، فقبلها تقول ظلمة وظلمتان، وبعدها تقول إحدى عشرة ظلمة، ومن ثلاث إلى عشر تقول ظلمات كما هي في الآية، وهذا ما كشفه العلم كما سبق بيانه: سبع ظلمات للألوان متعلقة بالأعماق
[ ١٢٤ ]
وثلاث ظلمات متعلقة بالحوائل (الموج الداخلي، والموج السطحي، والسحاب) .
وبينت الآية التدرج في اشتداد الظلام في البحار العميقة باستعمال فعل من أفعال المقاربة وهو (كاد) وجعلته منفيا. قال تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها.
فدل هذا الاستعمال الدقيق على معنيين:
الأول: أن الذي يخرج يده في هذه الأعماق ليراها لا يراها إلا بصعوبة بالغة كما فهم ذلك بعض المفسرين، ومنهم المبرد والطبري.
الثاني: أن الذي يخرج يده في هذه الأعماق ليراها لا يراها البتة، لأن فعل المقاربة كاد جاء منفيا، فإذا نفيت مقاربة الرؤية دلت على تمام نفي الرؤية، وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين، أمثال الزجّاج وأبو عبيده والفرّاء والنيسابوري.
والآية استعملت تعبيرا يدل على المعنيين معا، فتكون الرؤية بصعوبة في الأعماق القريبة، وتنتفي الرؤية تماما في الأعماق البعيدة، على عمق ١٠٠٠ متر تقريبا كما مر بنا.
فتأمل كيف جاء التعبير القرآني الموجز دالا على المعاني الصحيحة المتعددة.