روى أنه لما انكسرت السفينة فى نواحى جدّة خرج اليها الوليد ابن المغيرة فى نفر من قريش فاشتروا خشبها كما مرّ وكلموا رئيس السفينة وكان اسمه باقوم الرومى* وفى سيرة مغلطاى ان باقوم النجار النبطى الذى قيل انه هو الذى عمل منبره ﵇ من طرفاء الغابة وقيل الذى عمل منبره ﵇ اسمه مينا وقيل ابراهيم وقيل صباح وقيل باقول وقيل ميمون وقيل قبيصة فيما ذكره ابن بشكوال وكان بناء حاذقا فقالوا له لو بنينا بيت ربنا وقدم الباقوم معهم فأمروا بالحجارة فجمعت ورسول الله ﷺ يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة كما جزم به ابن اسحاق وغير واحد من العلماء وقيل ابن خمس وعشرين كما جزم به موسى بن عقبة فى مغازيه وابن جماعة فى منسكه وكان ﷺ ينقل معهم الحجارة وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة عليها ففعل رسول الله ﷺ فسقط على الارض من قيام فنودى عورتك وكان ذلك أوّل ما نودى فقال أبو طالب يا ابن أخى اجعل ازارك على رأسك فقال ما أصابنى الا فى تعرىّ فما رؤيت لرسول الله ﷺ عورة رواه البخارى* وفى سيرة ابن هشام قال ان قريشا تجزأت الكعبة واقترعوا عليها فكان شق الباب لبنى عبد مناف وبنى زهرة وكان ما بين الركن الاسود والركن اليمانى لبنى مخزوم وتيم وقبائل من قريش انضموا اليهم وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وسهم ابنى عمرو بن هصيص بن كعب
[ ١ / ١١٤ ]
ابن لؤى وكان شق الحجر وهو الحطيم لبنى عبد الدار بن قصىّ ولبنى أسد بن عبد العزى بن قصى ولبنى عدى بن كعب بن لؤى* وفى سيرة ابن هشام ثم ان الناس هابوا هدمها وفزعوا منه فقال لهم الوليد بن المغيرة أنا أبدأكم فى هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول اللهم لم نرع ويقال لم نزغ اللهم لا نريد الا الخير ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة فقالوا ننظر فان أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وان لم يصبه شىء فقد رضى الله بما صنعنا هدمنا فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم بهم الى الاساس أساس ابراهيم فوصلوا الى حجارة خضر كالاسنمة آخذ بعضها بعضا* وفى رواية لما بلغوا الاساس الذى رفع عليه ابراهيم واسماعيل ﵉ القواعد من البيت فأبصروا الحجارة كأنها الابل الخلف لا يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا وقد تشبك بعضها ببعض فأدخل الوليد بن المغيرة عتلته بين حجرين انفلقت منه فلقة فأخذها وهب بن عمرو ابن عائذ بن عمران بن مخزوم ففرّت من يده حتى عادت مكانها وطارت من تحتها برقة كادت أن تخطف الابصار ورجفت مكة بأسرها* وفى رواية أدخل الوليد بن المغيرة عتلته بين حجرين ليقلع بها أحدهما فلما تحرّك الحجر رجفت مكة بأسرها فلما رأوا ذلك أمسكوا عن أن ينظروا الى ما تحت ذلك* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق وحدثت أن قريشا وجدوا فى الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود فاذا هو أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات والارض وصوّرت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لاهلها فى الماء واللبن وقال ابن اسحاق وحدثت أنهم وجدوا فى المقام كتابا فيه مكة بيت الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل لا يحلها رجل من أهلها* ثم قلت بهم النفقة فلم تبلغ عمارة البيت كله فتشاوروا فى ذلك فأجمع رأيهم على أن يقصروا من قواعد ابراهيم ويحجروا ما يقدرون عليه من بناء البيت ويتركوا بقيته فى الحجر عليه جدار مدار يطوف الناس من ورائه ففعلوا ذلك وبنوا فى بطن الكعبة أساسا يبنون عليه من شق الحجر وتركوا من ورائه من فناء البيت سبعة أذرع أو ستة وشبرا فبنوا على ذلك فلما وضعوا أيديهم فى بنائها قالوا ارفعوا بابها من الارض حتى لا تدخلها السيول ولا ترقى الا بسلم ولا يدخلها الا من أردتم وان كرهتم أحدا دفعتموه ففعلوا ذلك ويقال ان الذى قال لهم ذلك أبو حذيفة بن المغيرة* قال ابن اسحاق ثم ان قبائل قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة على حدة فبنوا سافا من حجر وسافا من خشب بين الحجارة فكان الخشب خمسة عشر مدماكا والحجارة ستة عشر مدماكا وجعلوا طولها فى السماء ثمانية عشر ذراعا* وفى سيرة ابن هشام كانت الكعبة على عهد النبىّ ﷺ ثمانية عشر ذراعا فلما بلغوا موضع الركن الاسود اختصمت قريش فى أنّ أىّ القبائل يلى رفعه وكثر الكلام فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا فاقتضى الحال بينهم أن يحكموا أوّل من يطلع من هذا السفح* وفى المنتقى ثم اتفقوا على أن أوّل رجل يدخل من باب بنى شيبة يكون هو الذى يضعه موضعه فاذا رسول الله ﷺ قد طلع فقالوا هذا الامين قد رضينا بحكمه ثم أخبروه الخبر فبسط رداءه ثم وضع الحجر الاسود فيه ثم أمر سيد كل قبيلة أن يأخذ طرفا من الثوب* وفى سيرة ابن هشام قال رسول الله ﷺ هلم الىّ ثوبا فأتى به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوا جميعا ففعلوا حتى اذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ثم بنى عليه انتهى فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبىّ ﷺ حجرا يشدّ به الحجر الاسود فقال العباس بن عبد المطلب لا ونحاه وناول العباس رسول الله ﷺ حجرا فشدّ به الركن فغضب النجدى حين نحى فقال رسول الله ﷺ ليس يبنى معنا فى البيت الامنا ثم بنى حتى انتهوا الى موضع الخشب وسقفوا البيت وجعلوا فيه
[ ١ / ١١٥ ]
ست دعائم فى صفين فى كل صف ثلاث دعائم من الشق الشامىّ الذى يلى الحجر الى الشق اليمانى وجعلوا درجة من خشب فى بطنها من الركن الشامى يصعد فيها الى ظهرها وزوّقوا سقفها وجدر انها من بطنها ودعائمها وجعلوا فى دعائمها صور الانبياء والملائكة والشجر ولما كان يوم الفتح أمر النبىّ ﷺ بطمس تلك الصور فطمست وجعلوا لها بابا واحدا فكان يغلق ويفتح وكانوا قد أخرجوا ما كان فى البيت من حلى ومال وجعلوه عند أبى طلحة وأخرجوا هبلا ونصبوه عند المقام حتى فرغوا من بناء البيت وربطوا ذلك المال فى الجب ونصبوا هبلا مكانه كما كان قبل ذلك وكسوها حين فرغوا من بنائها خبرات يمانية* وفى سيرة ابن هشام وكانت الكعبة تكسى القباطى ثم كسيت البرود وأوّل من كساها الديباج الحجاج بن يوسف ثم بنى الكعبة بعد قريش عبد الله بن الزبير بعد أن هدمها كلها وسببه توهن الكعبة من حجارة المنجنيق التى اصابتها حين حوصر ابن الزبير بمكة اذ تحصن فى المسجد الحرام أوّل مرّة قبل حصار الحجاج حاصره الحصين بن نمير السكونى فى أوائل سنة أربع وستين من الهجرة بأمر يزيد بن معاوية كما سيجىء فى الموطن الثانى فى خلافة عبد الله بن الزبير روى أن أوّل حجر منها لما وقع على الكعبة سمع لها أنين كأنين الريض آه آه ومما أصابها من ذلك من الحريق بسبب النار التى أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير فى خيمة له فصارت الرياح تلهب تلك النار فأحرقت كسوة الكعبة والساج الذى جعل فى سافات جدارها حين عمرتها قريش فضعفت جدران الكعبة حتى انها لتنقضّ من أعلاها الى أسفلها ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها ولما زال الحصار عن ابن الزبير لأدبار الحصين بن نمير من مكة بعد أن بلغه خبر موت يزيد بن معاوية رأى ابن الزبير أن يهدم الكعبة ويبنيها فوافقه على ذلك نفر قليل منهم جابر بن عبد الله وجبير بن عمير وكره ذلك نفر كثير منهم عبد الله بن عباس ولما أجمع على هدمها خرج كثير من أهل مكة الى منى فأقاموا بها ثلاثا مخافة أن يصيبهم عذاب بسبب هدمها وأمر ابن الزبير جماعة من الحبشة فهدمتها رجاء أن يكون فيهم الذى أخبر النبىّ ﷺ أنه يهدمها فهدمت الكعبة أجمع حتى بلغت الارض وكان هدم ابن الزبير لها يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين* وفى رواية لما أمر ابن الزبير بهدمها ما اجترأ على ذلك أحد فلما رأى ذلك علاها هو بنفسه وأخذ المعول وجعل يهدمها ويرمى أحجارها فلما رأوا أنه لا يصيبه شىء اجترءوا فصعدوا وهدموا حتى بلغوا الاساس الاوّل فقال لهم زيدوا فقالوا قد رأينا صخورا معمولة أمثال الابل الخلف قال يزيد بن رومان شهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحجر وقد رأيت أساس ابراهيم كأسنمة الابل فقال ابن الزبير زيدوا واحفروا فلما زادوا بلغوا هواء من نار تلقاهم فقال ما لكم قالوا لسنا نستطيع أن نزيد رأينا أمرا عظيما فقال لهم ابنوا عليه قال عطاء يرون أن ذلك الصخر من بناء آدم ﵇* وفى العرائس هدم عبد الله بن الزبير الكعبة حتى ساواها بالارض وكان الناس يطوفون بها من وراء الاساس ويصلون الى موضعها وجعل الحجر الاسود فى صندوق عنده وقفل عليه وكان قد تصدّع وانكسر بثلاث فرق من الحريق الذى أصاب الكعبة فانشطت منه شطية كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك بدهر طويل فشدّه ابن الزبير بالفضة الا تلك الشطية من أعلاه بين موضعها فى أعلى الركن فلما بلغ البناء موضع الركن جاء ابن الزبير حتى وضعه بنفسه وقيل وضعه ابنه عياد وشدّه بالفضة وذكر الازرقى ان عبد الله بن الزبير أمر ابنه عبادا وجبير بن شيبة أن يجعلا الركن فى ثوب واحد ويخرجانه وهو يصلى بالناس فى صلاة الظهر فى يوم شديد الحرّ لئلا يعلم الناس بذلك فيتنا فسوا فى وضعه فيه ففعلا ذلك وقيل وضعه حمزة بن عبد الله بن الزبير بأمر أبيه* وفى تاريخ الازرقى كان ابن الزبير ربط الركن الاسود بالفضة لما أصابه من الحريق وكانت الفضة قد تزلزلت وتقلقلت
[ ١ / ١١٦ ]
حول الحجر حتى خافوا عليه أن ينقض فلما اعتمر هارون الرشيد وجاور فى سنة تسع وثمانين ومائة أمر بالحجارة التى هى بينها وبين الحجر الاسود فثقبت بالماس من فوقها ومن تحتها ثم أفرغ فيها الفضة كذا فى شفاء الغرام وجعل لها بابين شرقيا وغربيا يدخل من الشرقى ويخرج من الغربى وبناها على قواعد ابراهيم وأدخل فيها ما نقصته قريش من الحجر وزاد فى طولها فى السماء تسعه أذرع أخرى فضار ارتفاعها سبعا وعشرين ذراعا ولم تزل كذلك حتى قتل ابن الزبير ولما فرغ من بنائها خلقها من داخلها وخارجها ومن أعلاها الى أسفلها بالمسك والعنبر* وفى ايضاح المناسك أن ابن الزبير خلق حول الكعبة كله وعن عائشة لأن أطيب الكعبة أحب الىّ من أن أهدى لها ذهبا أو فضة وكساها القباطى والديباج وقال من كانت لى عليه طاعة فليخرج وليعتمر من التنعيم فمن قدر على أن ينحر بدنة فليفعل ومن لم يقدر فليذبح شاة ومن لم يقدر فليتصدّق بقدر قدرته وخرج ماشيا وخرج الناس معه مشاة حتى اعتمروا من التنعيم شكرا لله تعالى ولم ير يوم أكثر عتيقا ولا أكثر بدنة منحورة ولا شاة مذبوحة ولا صدقة منه فى ذلك اليوم ونحر ابن الزبير مائة بدنة* وأما بناء الحجاج ابن يوسف الثقفى فما روى أنه بناها بأمر عبد الملك بن مروان حين أرسله الى حرب عبد الله بن الزبير فحاصره الحجاج بمكة وقتله وصلبه بالحجون سنة أربع وسبعين وولى الحجاج الحجاز من قبل عبد الملك بن مروان كذا فى العرائس وسيجىء فى الفصل الثانى من الموطن الاوّل وأن الحجاج بعد ما حاصر ابن الزبير وظفر به كتب الى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد فى الكعبة ما ليس منها وأحدث فيها بابا آخر واستأذنه فى ردّ ذلك على ما كانت عليه فى الجاهلية فكتب اليه عبد الملك أن يسدّ بابها الغربى ويهدم ما زاد فيها ابن الزبير من الحجر ففعل ذلك الحجاج فبناؤه فى الكعبة الجدار الذى من جهة الحجر بسكون الجيم والباب الغربى المسدود فى ظهر الكعبة عند الركن اليمانى وما تحت عتبة الباب الشرقى وهو أربعة أذرع وشبر على ما ذكره الازرقى وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير وكان ذلك فى سنة أربع وسبعين من الهجرة على ما ذكره ابن الاثير كذا فى شفاء الغرام* وفى العرائس فنقض الحجاج بنيان الكعبة الذى بناه ابن الزبير بأمر عبد الملك وأعادها الى بنائها الاوّل بمشهد من مشايخ قريش فهى اليوم على ما بناه الحجاج*