فلما بلغ اسماعيل ثلاثين سنة وقيل عشرين وقيل ستا وعشرين وابراهيم يومئذ ابن مائة سنة وهو بالشام أوحى الله ﷿ اليه أن ابن لى بيتا قال ابراهيم رب أين أبنيه فأوحى الله اليه أن اتبع السكينة وهى ريح لها وجه وجناحان ومع ابراهيم الملك والصرد فانتهوا بابراهيم الى مكة فنزل اسماعيل الى الموضع الذى بوّأه الله ﷿ ابراهيم* وفى رواية بعث الله السكينة لتدله على موضع البيت وهى ريح خجوج لها رأسان شبه الحية يتبع أحدهما صاحبه وأمر ابراهيم أن يبنى حيث تستقرّ السكينة فتبعها ابراهيم حتى أتيا مكة فتطوّقت السكينة على موضع
[ ١ / ٩٨ ]
البيت كتطوّق الحية فكنت ما حول البيت عن الاساس هذا قول علىّ* وفى حياة الحيوان قيل لما خرج ابراهيم من الشأم لبناء البيت كانت السكينة معه والصرد دليله على موضع البيت والسكينة بمقداره فلما صار الى الموضع وقفت السكينة على موضع البيت ونادت ابن يا ابراهيم على مقدار ظلّى* وقال ابن عباس بعث الله سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وابراهيم يمشى فى ظلها الى أن وافت مكة ووقفت على موضع البيت فنودى منها يا ابراهيم أن ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص كذا فى الكشاف* وفى رواية أن ابراهيم لما أمر بالبناء أقبل من أرمينية على البراق ومعه السكينة وهى ريح هفافة أى ساكنة طيبة لها وجه يتكلم ومعها ملك يدلها على موضع البيت حتى انتهى الى مكة وبها اسماعيل وهو يومئذ ابن عشرين أو ثلاثين سنة وقد توفيت أمّه قبل ذلك ودفنت فى موضع الحجر* وفى زبدة الاعمال قال ابن جريج ماتت أمّ اسماعيل قبل أن يرفع البيت ابراهيم واسماعيل ودفنت فى موضع الحجر* وفى الاكتفاء وموضع البيت ربوة حمراء مدرة مشرفة على ما حولها فحفر ابراهيم واسماعيل ﵉ وليس معهما غيرهما* وفى العمدة وقيل يعينه سبعة أملاك انتهى فحفرا أساس البيت يريدان أساس آدم الاوّل فحفرا عن ربض البيت يعنى حوله فوجدا صخارا عظاما كل صخرة لا يطيقها الا ثلاثون رجلا وحفرا حتى بلغا أساس آدم ثم بنيا عليه وحلقت السكينة أو قال طوّقت كأنها سحابة على موضع البيت فقالت ابن علىّ فلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبدا نافر ولا جبار الا رؤيت عليه السكينة فكان ابراهيم يبنى واسماعيل ينقل الحجارة على رقبته ويناوله* وفى العرائس كان اسماعيل عربيا وابراهيم عبرانيا فعلم الله هذا لسان هذا فكان ابراهيم يقول لاسماعيل بالعبرانية هات لى كببا أى هات لى حجرا فيقول اسماعيل هاك فخذه فلما ارتفع البناء قرّب له المقام فكان ابراهيم يقوم عليه ويبنى ويحوّله اسماعيل فى نواحى البيت* وفى أنوار التنزيل واسماعيل كان يناوله الحجر لكنه لما كان له مدخل فى البناء عطف عليه فى الآية وهى واذ يرفع ابراهيم للقواعد من البيت واسماعيل وقيل كانا يبنيان فى الطرفين أو على التناوب قال ابن عباس انما بنى البيت من خمسة أجبل طور سيناء وطور زيتاء ولبنان وهو جبل بالشأم والجودى وهو جبل بالجزيرة وبنيا قواعده من حراء وهو جبل مكة كذا فى الكشاف الا أن فيه أسسه من حراء بدل وبنيا قواعده ويروى أنه أسس البيت من ستة أجبل أبى قبيس والطور والقدس وورقان ورضوى وأحد وقيل من خمسة أجبل من حراء وثبير ولبنان والطور والجبل الاحمر والله أعلم* وفى الاكتفاء فبنى ابراهيم واسماعيل البيت فجعل طوله فى السماء تسعة أذرع وعرضه ثلاثين ذراعا وهو خلاف المتعارف وطوله فى الارض اثنين وعشرين ذراعا وأدخل الحجر وهو سبعة أذرع فى البيت وكان قبل ذلك زر بالغنم اسماعيل* وفى البحر العميق ويسمى الحجر حظيرة اسماعيل لان الحجر قبل بناء الكعبة كان زر بالغنم اسماعيل* قال أبو الوليد الازرقى جعل ابراهيم الخليل ﵇ طول بناء الكعبة فى السماء تسعة أذرع وطولها فى الارض ثلاثين ذراعا وعرضها فى الارض ثلاثة وعشرين ذراعا وكانت غير مسقفة كذا فى ايضاح المناسك* وفى تشويق الساجد جعل ابراهيم واسماعيل طول بناء الكعبة فى السماء تسعة أذرع وطولها فى الارض من الركن الاسود الى الركن العراقى الذى عند الحجر من صوب المشرق ويسمى الركن الشامى أيضا اثنين وثلاثين ذراعا وجعل عرض ما بين الركن العراقى الى الركن الشامى الذى عند الحجر من جهة المغرب ويسمى الركن العراقى أيضا اثنين وعشرين ذراعا وجعل طول ظهرها أى من الركن الغربى الى الركن اليمانى أحدا وثلاثين ذراعا وجعل ما بين الركنين اليمانى والاسود عشرين ذراعا فلذلك سميت الكعبة لانها على خلقة الكعب وكذلك بنيان أساس ابراهيم وجعل بابها
[ ١ / ٩٩ ]
ملصقا بالارض غير مبوّب وجعل الى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز وكان زر بالغنم اسماعيل* وفى الاكتفاء وانما بناه بحجارة بعضها على بعض ولم يجعل له سقفا وجعل له بابا وحفر بئرا عند بابه خزانة للبيت يلقى فيها ما أهدى للبيت* وفى البحر العميق قال ابن اسحاق ان البئر التى كانت فى جوف الكعبة كان على يمين من دخلها وكان عمقها ثلاثة أذرع حفرها ابراهيم واسماعيل ليكون فيها ما يهدى للكعبة وكان اسم البئر أخسف وفى رواية هو الجب الذى نصب عليه عمرو بن لحىّ هبل الصنم الذى كان قريش تعبده وتستقسم عنده بالازلام حين جاء به من الهيت أرض الجزيرة* قال ابن هشام حدّثنى بعض أهل العلم أن عمرو بن لحىّ بن قمعة بن الياس خرج من مكة الى الشام فى بعض أموره فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ويقال عمليق بن لاود بن سام بن نوح رآهم يعبدون الاصنام فقال لهم ما هذه الاصنام التى أراكم تعبدون فقالوا له هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال لهم أفلا تعطوننى منها صنما فأسير به الى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه* قال ابن اسحاق يرفعه الى رسول الله ﷺ أنه قال رأيت عمرو بن لحىّ يجرّ قصبه فى النار انتهى وجعل ابراهيم الركن علما للناس فذهب اسماعيل الى الوادى يطلب حجرا ونزل جبريل بالحجر الاسود وكان قد رفع الى السماء حين غرقت الارض كما رفع البيت فوضعه ابراهيم موضع الركن وجاء اسماعيل بالحجر من الوادى فوجد ابراهيم قد وضع الحجر فقال من أين لك هذا ومن جاءك به قال ابراهيم من لم يكلنى اليك ولا الى حجرك* وفى رواية تمخض أبو قبيس فانشق عنه وقد خبئ فيه من أيام الطوفان وكان ياقوته حمراء وقيل ياقوتة بيضاء من الجنة فلما مسته الحيض فى الجاهلية اسودّ كذا فى الكشاف وقد مرّ مثله* وفى رواية وهو يومئذ يتلألأ تلألؤا من شدّة بياضه فأضاء نوره شرقا وغربا ويمينا وشمالا وكان نوره يضىء الى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية من نواحى الحرم* وفى حياة الحيوان عن عبد الله بن عمر قال نزل الركن الاسود فوضع على أبى قبيس كأنه مهاة بيضاء فمكث أربعين سنة ثم وضع على قواعد ابراهيم وعن الواقدىّ أيضا عن ابن الزبير أنه يقول ان ابراهيم ابتغى الحجر فناداه من فوق أبى قبيس ألا أنا هذا وديعة فرقى ابراهيم اليه فأخذه فوضعه فى موضعه الذى هو فيه اليوم وكان الله جل ثناؤه لما غرقت الارض استودع أبا قبيس الركن وقال اذا رأيت خليلى يبنى لى بيتا فأعطه الركن وعن غير ابن الزبير أن أبا قبيس لذلك كان يسمى فى الجاهلية الامين لوفائه بما استودعه الله اياه ويروى أنه كان بين بنائه وبين أن يبعث الله محمدا ﷺ ثلاثة آلاف سنة*