* قال فى معالم التنزيل لما أراد الله أن يخلق آدم قال لابليس وجنده انى جاعل فى الارض خليفة أى بدلا منكم ورافعكم الىّ فكرهوا ذلك لانهم كانوا أهون الملائكة عبادة والمراد بالخليفة هاهنا آدم سماه خليفة لانه خلف الجنّ أى جاء بعدهم والصحيح أنه خليفة الله فى أرضه لاقامة أحكامه وتنفيذ وصاياه قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك قال انى أعلم ما لا تعلمون* قال النسفى فى بحر العلوم عن وهب بن منبه لما أراه الله أن يخلق آدم أوحى الى الارض انى جاعل منك فى الارض خليفة فمنهم من يطيعنى ومنهم من يعصينى فمن أطاعنى أدخلته الجنة ومن عصانى أدخلته النار فقالت الارض منى تخلق خلقا يكون للنار قال نعم فبكت الارض فانفجرت منها العيون الى يوم القيامة* قال وهب بعث الله اليها جبريل ليأتيه منها بقبضة من زواياها الاربع من أسودها وأحمرها وطيبها وخبيثها وسهلها وحزنها فلما أتاها جبريل ليقبض منها قالت الارض انى أعوذ بعزة الله الذى أرسلك الىّ من أن تأخذ منى شيئا يكون منه نصيب للنار غدا فرجع جبريل الى مكانه ولم يأخذ من الارض شيئا فقال يا رب استعاذت بك الارض منى فكرهت أن أقدم عليها فقال الله تعالى لميكائيل انطلق فأتنى بقبضة منها من زواياها الاربع من أسودها وأحمرها وسهلها وحزنها وطيبها وخبيثها فلما انتهى اليها ميكائيل ليقبض منها قالت الارض له كما قالت لجبريل فرجع ميكائيل فقال كما قال جبريل فقال الله لاسرافيل كما قال لهما فانطلق ورجع وقال مثل ما قالاه من العذر ثم قال لملك الموت انطلق فأتنى بقبضة من الارض كالاوّل فلما أتاها ملك الموت قالت أعوذ بعزة الله الذى أرسلك الىّ من أن تقبض منى قبضة يكون للنار فيها نصيب غدا فقال ملك الموت وأنا أعوذ بعزته أن أعصى له أمرا فقبض منها قبضة من زواياها الاربع من أديمها الاربع* وفى الحديث ان الله خلق آدم من قبضة قبضها عزرائيل من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الارض منهم
[ ١ / ٣٦ ]
الاحمر والابيض والاسود والاصفر وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب كذا فى المصابيح* وفى الوفا بعث الله عزرائيل فقبض منها قبضة وكان ابليس قد وطئ الارض بقدميه فصار بعض الارض بين قدميه وبعض الارض موضع أقدامه فخلقت النفس مما مس قدم ابليس فصارت مأوى الشرّ ومن التربة التى لم يصل اليها قدم ابليس أصل الانبياء والاولياء* قال فى العوارف فكانت درّة رسول الله ﷺ موضع نظر الله تعالى من قبضة عزرائيل لم يمسها قدم ابليس وقيل لما خاطب الله تعالى السموات والارض بقوله ائتيا طوعا أوكرها الآية أجاب من الارض موضع الكعبة ومن السماء ما يحاذيها* وعن ابن عباس أصل طينة النبىّ ﷺ من سرّة الارض بمكة يعنى الكعبة وهو مشعر بأن ما أجاب من الارض درّته ﷺ ومن الكعبة دحيت الارض فصار النبىّ ﷺ هو الاصل فى التكوين* وقال فى العوارف عقبه وتربة الشخص مدفنه فكان مقتضى ذلك أن يكون مدفنه هناك لكن قيل لما تموّج الماء رمى الزبد الى النواحى فوقعت جوهرة النبىّ ﷺ الى ما يحاذى تربته الشريفة بالمدينة فكان مكيا مدنيا فلمكة الفضل بالبداية وللمدينة بالاستقرار والنهاية انتهى قال فصعد عزرائيل بالقبضة الى السماء فأمره فجعلها طينا أربعين سنة حتى صار لازبا ثم حمأ مسنونا أربعين سنة ثم تركه حتى يبس وصار صلصالا أربعين سنة فجعله جسدا موضوعا على طريق مكة للملائكة الذين يصعدون من الارض الى السماء أربعين سنة فكلما مرّ عليه ملأ عجبوا من حسن صورته ولم يكونوا رأوا قبل ذلك على صورة آدم شيئا من الصور حتى مرّ به ابليس فقال الشىء مّا خلق الله هذا أجوف يأكل الطعام فقال لاصحابه انى لأرى صورة مخلوق سيكون له شأن أرأيتم هذا الذى لم تروا على صورته شيئا من الخلق ان فضل الله عليكم هذا ماذا أنتم صانعون قالوا نطيع ربنا ولا نعصى له أمرا فقال ابليس فى نفسه لئن فضل علىّ لا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه هذا ما فى بحر العلوم* وفى المشكاة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال لما صوّر الله آدم فى الجنة تركه ما شاء الله أن يترك فجعل ابليس يطوف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك رواه مسلم وعن ابن عباس أن ابليس مرّ على جسد آدم وهو ملقى بين الكعبة والطائف أى بوادى نعمان لا روح فيه فقال لامر ما خلق الله هذا ثم دخل من فيه وخرج من دبره وقال انه خلق لا يتمالك لانه أجوف ثم قال للملائكة الذين معه أرأيتم ان فضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون قالوا نطيع أمر ربنا قال ابليس فى نفسه والله لو سلطت عليه لاهلكنه ولئن سلط علىّ لأعصينه كذا فى معالم التنزيل* وقال محيى السنة أرى هذا الحديث مشكلا جدّا أى بين حديثى أنس تناف فقد ثبت بالكتاب والسنة أن آدم خلق من أجزاء الارض فدل على أنه أدخل الجنة وهو بشر حىّ وقال القاضى الاخبار متظاهرة على أن الله خلق آدم من تراب قبض من وجه الارض وخمر حتى صار طينا ثم تركه حتى صار صلصالا وكان ملقى بين مكة والطائف ببطن نعمان لكن لا ينافى ذلك تصويره فى الجنة لجواز أن تكون طينته لما خمرت فى الارض وتركت فيها حتى مضت عليها الاطوار واستعدّت لقبول الصورة الانسانية حملت الى الجنة فصوّرت ونفخ فيها الروح كذا ذكره الطيبى فى شرح المشكاة وكذا فى شرح المشارق* وقال وهب روى أن الله تعالى قال لعزرائيل أنت تصلح لقبض أولاده وسماه ملك الموت وسلطه على ذلك وكما جعله لقبض التراب الذى بدأ به خلقهم جعله لقبض أرواحهم وختم به عمرهم كذا فى بحر العلوم* روى أن عزرائيل لما قبض تلك القبضة من التراب خلط بعضها ببعض وجمعها بين مكة والطائف فطرت عليها قزعة أربعين سنة من بحر الاحزان وهو بحر تحت العرش يقال له بحر الاحزان ولذا قيل لا يمرّ على بنى آدم يوم بلا حزن* وفى بهجة النفوس فطرت عليها
[ ١ / ٣٧ ]
الحزن تسعا وثلاثين سنة ثم مطرت عليها السرور سنة واحدة* وفى العرائس كان آدم جسدا ملقى على باب الجنة أربعين سنة وكان يمطر عليه الحزن ثم مطر عليه سنة واحدة السرور فلذلك كثرت الغموم فى أولاده وتصير عاقبتهم الى الفرح والراحة وفى هذا قيل
أىّ شئ يكون أعجب من ذا لو تفكرت فى صروف الزمان
حادثات السرور توزن وزنا والبلايا تكال بالقفزان
وكان الله ﷿ يخمر طينته بيد القدرة من غير مشاركة الغير فجعل فى جبلته وطبيعته ما أراد وعن ابن مسعود عن النبىّ ﷺ أنه قال خلق الله آدم يوم الجمعة من كل تربة من البلاد رأسه من بيت المقدس وصدره من العراق ومقعده من بابل ويده اليمنى من البيت العتيق ويده اليسرى من فارس ورجليه وقدميه من أرض الهند وأرض يأجوج ومأجوج فلذلك اختلفت ألوان بنى آدم وفى رواية ابن عباس فرجه من بابل ويديه من أرض الكعبة ورجليه من أرض الهند وكليتيه من أرض الصحراء وعظامه من الجبال وأمعاءه من الجزائر وكبده من أرض الموصل وطحاله من أرض الحجاز وفخذيه من أرض اليمن وبطنة من أرض الطائف وظهره من أرض الشام ووجهه من أرض الجنة وعينيه من أرض الكوثر وقلبه من نور العرش كذا فى بحر العلوم* وكان فى الاوّل ترابا فعجن بالماء فصار طينا فمكث ما شاء الله فصار حمأ أى طينا تغير واسودّ من طول مجاورة الماء مسنونا منتنا فخلص فصار سلالة فصوّر فيبس فصار صلصالا أى طينا يابسا غير مطبوخ يصلصل أى يصوّت اذا نقر ثم غير ذلك طورا بعد طور حتى سوّاه ونفخ فيه من روحه كذا فى المدارك وأنوار التنزيل*