* منها ما ألقى فى التوراة والانجيل مما قد جمعه العلماء وبينوه ونقله عنهم ثقات منهم عبد الله بن سلام وابنا شعبة ثعلبة وأسيد وابن أمين ومخيريق وكعب الاحبار وأشباههم ممن أسلم من علماء اليهود وبحيرا ونسطور الحكيم وصاحب بصرى وضفاطر وأسقف الشام والجارود وسلمان والنجاشى وأساقف نجران وغيرهم ممن أسلم من علماء النصارى وقد اعترف بذلك هرقل وصاحب رومة عالم النصارى ورؤساؤهم ومقوقس صاحب مصر والشيخ صاحبه وابن صوريا وابن أخطب وأخوه وكعب بن أسيد والزبير بن بابا وأبو رافع الاعور وكعب بن الاشرف ولبيد بن الاعصم وغيرهم من علماء اليهود ممن حمله الحسد والنفاسة على البقاء على الشقاء والاخبار فى هذا كثيرة لا تنحصر وما ترادفت به الاخبار عن الرهبان والاحبار وعلماء أهل الكتاب من صفته وصفة أمّته واسمه وعلاماته وذكر الخاتم الذى بين كتفيه وما وجد فى ذلك من أشعار الموحدين من المتقدّمين مثل شعر تبع والاوس بن حارثة وكعب بن لؤى وسفيان ابن مجاشع وقس بن ساعدة الايادى وما ذكر من سيف ذى يزن وغيرهم وما عرف به من أمر زيد بن عمرو ابن نفيل وورقة بن نوفل وعداس وغيلان الحميرى وشامول عالم اليهود صاحب تبع من صفته وخبره وما أنذر به الكهان مثل شافع بن كليب وشق وسطيح وسواد بن قارب وخنافر وأفعى نجران وجدل ابن حجل الكندى وابن خلصة الدوسى وسعدى بنت كرزين وفاطمة بنت النعمان ومن لا يعدّ كثرة وما ظهر على ألسنة الاصنام من نبوّته وحلول وقت رسالته وسمع من هواتف الجان ومن ذبائح النصب وأجواف الصور وما وجد من اسمه ﷺ والشهادة له بالرسالة مكتوبا فى الحجارة والقبور بالخط القديم ما أكثره مشهور واسلام من أسلم بسبب ذلك معروف مذكور وسنذكر فى هذه الطليعة نبذا منها ان شاء الله تعالى* من البشائر ما روى عن كعب الاحبار أنه قال نجد مكتوبا يعنى فى التوراة محمد رسول الله عبد مختار لافظ ولا غليظ ولاصحاب فى الاسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر أمّته الحمادون يكبرون الله فى كل مجد ويحمدونه فى كل منزل رعاة للشمس يصلون الصلاة اذا جاء وقتها يأتزرون على أنصافهم ويتوضؤن على أطرافهم مناديهم ينادى فى جوّ السماء صفهم فى القتال وصفهم فى الصلاة سواء لهم دوىّ فى الليل كدوىّ النحل مولده بمكة ومهاجره بطابة وملكه بالشام كذا فى المصابيح وقد ورد الثناء على أمّة محمد ﷺ فى الكتب السابقة نحو ما فى الانجيل أمّة محمد حلماء رحماء علماء كأنهم فى الفقه أنبياء الى غير ذلك كذا فى شرح التعرّف وعن عبد الله بن سلام أنه كان يقول انا لنجد صفة رسول الله ﷺ يعنى فى التوراة يا أيها النبىّ انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأمّيين أنت عبدى ورسولى سميتك المتوكل لست بفظ ولا غليظ ولاصحاب فى الاسواق ولا تدفع السيئة بالسيئة ولكن تعفو وتغفر ولن أقبضك حتى أقيم بك الملة لعوجاء بأن يقولوا لا اله الا الله وأفتح بك أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا كذا فى شواهد النبوّة* ومن البشائر ما روى عن عبد الله بن سلام أنه قال ان فى الجزء الآخر الذى تتم به التوراة آية من جملتها بالعربية هكذا جاء الله* وفى المواهب اللدنية تجلى الله من طور سيناء وأشرف من ساعير واستعلن من جبال فاران وهو اسم عبرانى وليست ألفه الاولى همزة وهى جبال بنى هاشم التى كان رسول الله ﷺ يتحنث فى أحدها وفيه فاتحة الوحى وهى ثلاث أجبل أحدها أبو قبيس والثانى قعيقعان والثالث حراء وهو شرقى فاران ومنفتحه الذى يلى قعيقعان الى بطن الوادى هو شعب بنى هاشم وفيه مولده ﷺ فى أحد الاقوال قال ابن قتيبة وليس فى هذا غموض
[ ١ / ٢٤ ]
لانه أراد مجىء كتابه ونوره كما قال الله ﷿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا أى أتاهم أمره والمعنى بذلك انزال التوراة على موسى بطور سيناء وسائر أرض الخليل من الشأم وكان عيسى يسكنها بقرية يقال لها ناصرة وبها سمى من تبعه نصارى* وفى أنوار التنزيل نصارى جمع نصرانى والياء فى نصرانى للمبالغة كما فى أحمرى سموا بذلك لانهم كانوا معه فى قرية يقال لها نصران أو ناصرة فسموا باسمها انتهى والمراد انزاله الانجيل على عيسى وهو كناية عن ظهور أمر الانجيل وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلاف فى أن فاران هى مكة والمراد انزاله القرآن على محمد ﷺ وظهور أمره وشريعته والله أعلم* ومن البشائر ما قاله يعقوب ﵇ جاء الله ﷿ بالبيان من فاران وامتلأت السموات من تسبيح أحمد وأمّته يحمل حبه فى البحر كما يحمله فى البرّ يأتينا بكتاب جديد يعرف بعد خراب بيت المقدس كذا فى شواهد النبوّة* ومن كلام شعياء رأيت راكبين أضاءت لهما الارض أحدهما على حمار والآخر على حمل راكب الحمار عيسى وراكب الجمل نبينا ﷺ وأيضا فى كلامه يا قوم انى رأيت صورة مثل صورة القمر* وفى وصايا موسى ﵊ لبنى اسرائيل سيأتيكم نبىّ من بنى اخوتكم أى أعمامكم فله صدّقوا ومنه فاسمعوا* ومن البشائر أن فى الجزء الثانى من السفر الخامس من التوراة السبعينية التى اتفق سبعون من أحبار اليهود على صحتها أنه يخاطب الله بها موسى وترجمتها بالعربية بهذه العبارة انى أقيم لهم نبيا من بنى اخوتهم مثلك وأجرى قولى فيه ويقول لهم ما آمره والرجل الذى لا يقبل قول النبىّ ﷺ الذى يتكلم باسمى فانى أنتقم منه فيفهم منه أنه يكون ذلك النبىّ من غير بنى اسرائيل من بنى اخوتهم أى أعمامهم. وأن يكون مثل موسى صاحب عز وشريعة وشوكة وما هو الانبينا ﷺ فان عيسى لم يكن صاحب شريعة وشوكة لما جاء فى الانجيل حكاية عن عيسى انى ما جئت لتبديل شرع موسى بل لتكميله كذا فى شواهد النبوّة* لكن فى أنوار التنزيل ما يدل على أن شرع عيسى ناسخ لشرع موسى حيث قال فى تفسير قوله تعالى ولأحل لكم بعض الذى حرّم عليكم فى شريعة موسى كالشحوم والسمك وكل ذى ظفر ولحوم الابل والعمل فى السبت وهو يدل على أن شرعه ناسخ لشرع موسى ولا يخل ذلك بكونه مصدّقا للتوراة كما لا يعود نسخ القرآن بعضه ببعض عليه بتنافر وتكاذب فان النسخ فى الحقيقة بيان تخصيص فى الازمان* وفى الانسان الكامل ان عيسى نسخ دين موسى لانه أتى بما لم يأت به موسى وذلك أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى فى تسعة ألواح وأمره أن يبلغ سبعة منها ويترك لوحين لان العقول لا تكاد تقبل ما فى ذينك اللوحين فلو أنذر بهما موسى لا نتقض ما يطلبه وكان لا يؤمن به رجل واحد فهما مخصوصان بموسى ﵊ من دون غيره من أهل ذلك الزمان* وكانت الالواح التى أمر بتبليغها فيها علوم الاوّلين والآخرين الاعلم محمد ﷺ وورثته وعلم ابراهيم وعلم عيسى عليهما الصلاة والسلام فانه لم تتضمنه التوراة خصوصية لمحمد ﷺ وكانت الالواح السبعة التى أمر بتليغها من حجر المزمر بخلاف اللوحين فانهما كانا من نور ولكون الالواح السبعة من الحجارة قست قلوبهم فلو أمر موسى بابلاغ اللوحين المختصين به لما كان مبعث عيسى من بعده لان عيسى بلغ سرّ ذينك اللوحين المرقومين فنسخ دين موسى لأنه أتى بما لم يأت به موسى لكنه لما أظهر حكم ذلك ضل قومه من بعد وتعبدوه وقالوا انه ثالث ثلاثة وهو الاب والامّ والابن وسموا ذلك بالاقانيم الثلاثة فافترق قومه على ثلاث فرق الملكائية أصحاب ملكا الذين ظهروا فى الروم واستولوا عليها والنسطورية أصحاب نسطور الحكيم الذين ظهروا فى زمن المأمون وتصرّف فى الانجيل بحكم رأيه واليعقوبية أصحاب يعقوب* ومما ترجموا من الانجيل أن عيسى قال اذا جاء الفار قليط فهو يشهد لى
[ ١ / ٢٥ ]
وأنتم تشهدون لى أيضا لكينونتكم معى من أوّل أمرى قوله الفار قليط معناه الحكم السرّ يعرف السرّ والمراد به رسول الله ﷺ وقوله يشهد لى صريح بنبوّة محمد ﷺ اذ لم يشهد للمسيح ﵇ بالنبوّة والنزاهة عما افترى عليه وبأنه روح الله وكلمته وصفيه ورسوله كتاب سوى القرآن ولم تزل الامم تكذب المتبعين للمسيح واليهود يفترون فى أمره العظائم من البهتان حتى بعث محمد ﷺ فشهد للمسيح ﵊ بمثل ما شهد به حواريه الذين كانوا معه من أوّل أمره والمهتدون من أمّته وقال يوحنا أحد الحواريين وهو أحب الخلق الى عيسى أخبرنى المسيح بدين محمد العربى وبشرنى أنه يكون بعده فبشرت به الحواريين فآمنوا به* وفى التوراة والانجيل دلائل كثيرة غير ما ذكرنا كذا فى شواهد النبوّة والمنتقى* ومما ترجم أهل الكتاب من أمر داود ﵊ اللهم ابعث جاعل السنة يجىء يعلم الناس أنه بشر ففهم من هذا أن الله أطلع داود على ما سيقوله النصارى فى المسيح ﵊ اذا أرسله من انه اله معبود فدعا الله سبحانه بأن يبعث محمدا ﷺ فيعلمهم أنه بشر ومما قاله داود اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة* وفى مزمور من مزامير داود ﵊ ان الله أظهر من صهيون اكليلا محمودا* صهيون اسم مكة والاكليل ضرب المثل للرياسة والامامة ومحمود هو ﷺ ومما ترجموا فى كتاب شعياء ﵊ عبدى الذى سرّت به نفسى أنزل عليه وحيى فيظهر فى الامم عدله يوصيهم بالوصايا لا يضحك ولا يسمع صوته فى الاصوات يفتح العيون العور والآذان الصم ويحيى القلوب الغلف وما أعطيه لا أعطى أحدا مشقح يحمد الله حمدا مديدا يأتى من أقصى الارض به تفرح البرية وسكانها يهللون الله على كل شرف ويكبرونه على كل راية لا يضعف ولا يغلب ولا يميل للهوى ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة بل يقوّى الصدّيقين وهو ركن المتواضعين وهو نور الله الذى لا يطفأ سلطانه على كتفه هذه ترجمة السريانية وترجمة العبرانية على كتفه علامة النبوّة فهذا كله صريح فى البشارة بمحمد ﷺ مع ما فيه من ذكر دولة العرب بقوله تفرح البرية وسكانها وأما قوله مشقح فهو محمد ﷺ لان الشقح بلغتهم الحمد* ومن بشائر الكتب أنه جاء فى صحف آدم وابراهيم وغيرهما من الانبياء صفة رسول الله ﷺ وصفة أمّته* ومن بشائر الانبياء ما روى عن عبد الرحمن بن زيد قال قال آدم ﵊ انى لسيد البشر يوم القيامة الا رجلا من ذرّيتى من الانبياء يقال له أحمد فضل علىّ باثنتين زوجته عاونته وكانت له عونا وكانت زوجتى عونا علىّ وان الله أعانه على شيطانه فأسلم وكفر شيطانى* وفى الشفاء حكى أبو محمد المكى وأبو الليث السمرقندى وغيرهما أن آدم ﵇ عند معصيته قال اللهم بحق محمد اغفرلى خطيئتى ويروى وتقبل توبتى فقال له من أين عرفت محمدا ﷺ قال رأيت فى الجنة مكتوبا لا اله الا الله محمد رسول الله ويروى عبدى ورسولى فعلمت أنه أكرم خلقك عليك فتاب الله عليه وفى رواية أخرى فقال آدم لما خلقتنى رفعت رأسى الى عرشك فاذا فيه مكتوب لا اله الا الله محمد رسول الله* ﷺ فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت اسمه مع اسمك فأوحى الله ﷿ اليه وعزتى وجلالى انه لآخر الانبياء من ذرّيتك ولولاه ما خلقتك قال وكان آدم يكنى بأبى محمد وقيل بأبى البشر فحص الله ﷾ نبينا محمدا ﷺ بهذا الشرف وأخبر به وببعثته على ألسنة الرسل قبل وجوده بدهر طويل وألزم بذلك الحجة على عباده وقوّى بصائر من آمن به فلله الحمد على ذلك وقيل فى المعنى شعر
بشرى لنا معشر الاسلام ان لنا من العناية ركنا غير منهدم
[ ١ / ٢٦ ]
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الامم
ومن البشائر ما روى عن أبىّ بن كعب لما قدم تبع المدينة ونزل بقباء بعث الى أحبار اليهود فقال انى مخرب هذا البلد حتى لا يقوم به يهودية ويرجع الامر الى دين العرب فقال شامول اليهودى وهو يومئذ أعلمهم أيها الملك ان هذا البلد يكون اليه مهاجر نبىّ من ولد اسماعيل مولده مكة واسمه أحمد وهذه دار هجرته ان منزلك الذى أنت به يكون به من القتل والجراح أمر كثير فى أصحابه قال تبع فمن يقاتله وهو نبىّ كما تزعمون قال يسير اليه قوم فيقتلون هنا قال فأين يكون قبره قال بهذا البلد قال فان قوتل فلمن تكون الدائرة قال تكون عليه مرّة وله مرّة وبهذا المكان الذى أنت به غلبته فيقتل به أصحابه مقتلة ثم يقتلون فى مواطن ثم تكون العاقبة له فيظهر فلا ينازعه فى هذا الامر أحد قال وما صفته قال رجل ليس بالقصير ولا بالطويل فى عينيه حمرة يركب البعير ويلبس الشملة سيفه على عاتقه لا يبالى من لاقى له أخ وابن عم أو عم حتى يظهر أمره قال تبع فمالى بهذا البلد من سبيل وما كان ليكون خرابه على يدىّ فخرج تبع الاوّل بن عمرو ذى الاذعار بن ابرهة ذى المنار بن الرايش* قال ابن اسحاق الرايش بن عدىّ بن صيفى بن سبأ الاصغر بن كعب بن زيد الجمهور بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أبين بن الهميسع ابن العرفج حمير بن سبأ الاكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان* قال ابن هشام يشجب بن يعرب ابن قحطان* قال ابن اسحاق وتبان أسعد أبو كرب الذى قدم المدينة وساق الحبرين من اليهود الى اليمن وعمر البيت الحرام وكساه وكان ملكه قبل ملك ربيعة بن مضر* وفى الوفاء لما قدم المدينة تبع وأراد خرابها جاءه حبران من بنى قريظة يقال لهما سحبت ومنبه فقالا أيها الملك انصرف عن هذه البلدة فانها محفوظة وانها مهاجر نبىّ من بنى اسماعيل اسمه أحمد يخرج فى آخر الزمان فأعجب مما سمع منهما وصدّقهما وكف عن أهل المدينة وستجىء القصة بتمامها* وفى أنوار التنزيل وهو الذى سار بالجيوش وحير الحيرة وبنى سمرقند وقيل هدمها وقيل لملوك اليمن التبابعة لانهم يتبعون كما قيل لهم الاقيال لانهم يتقيلون وفى الحديث ما أدرى كان تبع نبيا أو غير نبىّ* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق وكان تبع قد جعل طريقه حين أقبل من المشرق على المدينة وكان قد مرّ بها فى بدائه فلم يهج أهلها فخلف بين أظهرهم ابناله فقتل غيلة فقدمها وهو مجمع لاخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها فجمع له هذا الحىّ من الانصار ورئيسهم عمرو بن طلحة أخو بنى النجار وطلحة أمّه وهى بنت عامر بن رزيق قال ابن اسحاق وقد كان رجل من بنى عدىّ بن النجار يقال له أحمر عدا على رجل من أصحاب تبع حين نزل بهم فقتله وذلك أنه وجده فى عذق له بحدّة فضربه بمنجله فقتله وقال انما التمر لمن أبره فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم فاقتتلوا فزعم الانصار أنهم كانوا يقاتلونهم بالنهار ويقرونهم بالليل فيعجبه ذلك منهم فيقول والله ان نفرا فعلوا ذلك لكرام فبينما تبع على ذلك من حربهم اذ جاء حبران من أحبار اليهود من بنى قريظة والنضير والنخام وعمرو وهذيل بنو الخزرج بن الصريح بن التومان ابن الصيت بن اليسع بن الحبر بن النخام بن سحوم بن عاز بن عزرى بن هارون بن عمران بن يصهر ابن فاهت بن لاوى بن يعقوب وهو اسرائيل بن اسحاق بن ابراهيم خليل الرحمن عالمان راسخان حين سمعا بما يريد من اهلاك المدينة وأهلها فقالا له أيها الملك لا تفعل فانك ان أبيت الا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك عاجل العقوبة فقال لهما ولم ذلك فقالا مهاجر نبىّ يخرج من هذا الحرم من قريش فى آخر الزمان تكون داره وقراره فانتهى تبع ورأى أن لهما علما وفهما وأعجبه ما سمع منهما فانصرف من المدينة واتبعهما على دينهما* قال ابن اسحاق وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها
[ ١ / ٢٧ ]
فتوجه الى مكة وهى طريقة الى اليمن حتى اذا كان بين عسفان وأمج أتاه نفر من هذيل بن مدركة ابن الياس بن مضر بن نزار بن معدّ فقالوا أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة قال بلى قالوا بيت مكة يعبده أهلها ويصلون عنده وانما أراد الهذليون هلاكه بذلك لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده فلما أجمع لما قالوا أرسل الى الجبرين وسألهما عن ذلك فقالا له ما أراد القوم الاهلاكك وهلاك جندك ما نعلم بيتا لله اتخذه لنفسه فى الارض غيره ولئن فعلت ما دعوك اليه لتهلكنّ وليهلكنّ من معك جميعا قال فماذا تأمر اننى أن أصنع به اذا أنا قدمت عليه قال تصنع عنده ما يصنع أهله تطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق رأسك عنده وتتذلل له حتى تخرج من عنده قال فما يمنعكما أنتما من ذلك قالا أما والله انه لبيت أبينا ابراهيم وانه لكما أخبرناك ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالاوثان التى نصبوها حوله وبالدماء التى يهريقون عنده وهم نجس أهل شرك فعرف نصحهما وصدّق حديثهما فقرّب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت ونحر عنده وحلق رأسه وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل ورأى فى المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف ثم أراد أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر ثم رأى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل* وكان تبع فيما يزعمون أوّل من كسا البيت وأوصى به ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره وأن لا يقرّبوه دما ولاميتة ولا ميلغا وهى الحائض وجعل له بابا ومفتاحا ثم خرج متوجها الى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين حتى اذا دخل اليمن دعا قومه الى الدخول فيما دخل فيه فأبوا عليه حتى تحاكموا الى النار التى كانت باليمن قال ابن اسحاق فيما يرفعه الى طلحة بن عبيد الله أنه يحدّث أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك وقالوا لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا فدعاهم الى دينه وقال انه خير من دينكم قالوا فحاكمنا الى النار قال نعم قال وكانت باليمن فيما يزعم أهلها نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه تأكل الظالم ولا تضرّ المظلوم فخرج قومه بأوثانهم وما يتقرّبون به فى دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما فى أعناقهما متقلدين بهما حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذى تخرج منه فخرجت اليهم فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها فردّهم من حضرهم من الناس وأمروا بالصبر لها حتى غشيتهم فأكلت الاوثان وما قرّبوها معها ومن حمل ذلك من رجال حمير وخرج الحبران بمصاحفهما فى أعناقهما تعرق جباههما لم تضرّهما النار فصفقت عند ذلك حمير عن دينها فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن قال ابن اسحاق وقد حدّثنى محدّث أن الحبرين ومن خرج من حمير انما تبعوا النار ليردّوها قالوا ومن ردّها فهو أولى بالحق فدنا منها رجال حمير بأوثانهم ليردّوها فدنت منهم لتأكلهم فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردّها ودنامنها الحبران بعد ذلك بمصاحفهما وجعلا يتلوان التوراة وتنكص حتى ردّاها الى مخرجها الذى خرجت منه فصفقت عند ذلك حمير عن دينها والله أعلم أىّ ذلك كان* قال ابن اسحاق وكان فى رئام بيت لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه اذ كانوا على شركهم فقال الحبران لتسع انما هو شيطان يفتنهم فحل بيننا وبينه قال فشأنكما به فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبا أسود وذبحاه ثم هدما ذلك البيت فبقاياه اليوم فيما ذكر لى بها آثار الدماء التى كانت تهراق عنده*