* روى أن ابراهيم ﵇ ولد فى زمن نمرود ابن كنعان بن كوش بن سام بن نوح وكان مولده ليلة الجمعة ليلة عاشوراء لمضىّ ألف واحدى وثمانين سنة من الطوفان وكان الطوفان بعد هبوط آدم بألفين ومائتين واثنتين وأربعين سنة كما مرّ* وفى العرائس كان بين الطوفان وبين مولد ابراهيم ألف ومائتان واثنتان وأربعون سنة وقيل ألف ومائتان وثلاثون سنة وذلك بعد خلق آدم ﵇ بثلاثة آلاف سنة وثمانمائة سنة وسبع وثلاثين سنة* وفى الكامل قال جماعة ان نمروذ بن كنعان ملك مشرق الارض ومغربها هذا قول يدفعه أهل العلم بالسير وأخبار الملوك الماضين وذلك أنهم لا ينكرون أن مولد ابراهيم ﵇ كان أيام الضحاك الذى ذكرنا بعض أخباره فيما مضى وانه كان ملك شرق الارض وغربها وقول القائل ان الضحاك
[ ١ / ٧٨ ]
الذى ملك الارض هو نمروذ ليس بصحيح لان أهل العلم بالمتقدّمين يذكرون أن نسب نمروذ فى النبط معروف ونسب الضحاك فى الفرس مشهور وانما الضحاك استعمل نمروذ على السواد وما اتصل به يمنة ويسرة وجعله وولده عمالا على ذلك وكان هو ينتقل فى البلاد وكان وطنه ووطن أجداده دماوند من جبال طبرستان وهناك رمى به افريدون حين ظفر وكذلك بخت نصر ذكر بعضهم أنه ملك الارض جميعها وليس كذلك وانما كان اصهبد ما بين الاهواز الى أرض الروم من غربى دجلة من قبل لهراسب لان لهراسب كان مشتغلا بقتال الترك مقيما بازائهم ببلخ وهو بناها لتطاول مقامه هناك لحرب الترك ولم يملك أحد شبرا من الارض مستقلا برأسه فكيف الارض جميعها وانما تطاولت مدّة نمروذ بالسواد أربعمائة سنة ثم رجل من نسله بعد هلاكه يقال له نبط بن قعود مائة سنة ثم كداوص بن نبط مائة وعشرين سنة ثم النمروذ بن يابش سنة وشهرا أيام الضحاك فظنّ الناس فى نمروذ ما ذكرنا فلما ملك افريدون وقهر الازدهايى قتل نمروذ بن يابش وشرد النبط وقتل منهم مقتلة عظيمة انتهى كلام الكامل* وبين مولد ابراهيم وهجرة نبينا ﷺ ألفان وثمانمائة وثلاث وتسعون سنة على اختيار المؤرّخين والاختلاف فى ذلك كثير ولما سقط ابراهيم الى الارض نزل جبريل وقطع سرّته وأذن فى أذّنه وكساه ثوبا أبيض ويوم ولادته سمع نمروذ من تحت سريره الذى هو جالس عليه انتفاضا شديدا وسمع هاتفا يقول تعس من كفر باله ابراهيم فقال نمروذ لآزر أسمعت ما سمعت قال نعم قال فمن ابراهيم قال آزر لا أعرفه فأرسل الى السحرة والكهنة وسألهم عن ابراهيم فلم يجيبوه بشىء مع علمهم به ورأى نمروذ أن القمر قد طلع من ضلع آزر وبقى نوره كالعمود الممدود بين السماء والارض وسمع قائلا يقول جاء الحق وزهق الباطل ونظر الى الاصنام وهى متنكسة عن كراسيها فاستيقظ فزعا وقص رؤياه على آزر فخاف آزر على نفسه منه وقال انما ذلك لكثرة عبادتى لها وكان نمروذ بليدا جبانا فرضى بقول آزر وسكت واختلف فى مولد ابراهيم قيل بالسوس من أرض الاهواز وقيل ببابل* وفى العمدة هى بابل العراق وسميت بذلك لتبلبل الالسن بها عند سقوط صرح نمروذ وقيل ولد بكوثى بضم أوّله وبالثاء المثلثة مقصورا وهى بالعراق معلومة بسواد الكوفة وقيل ولد بكسكر* وفى القاموس كسكر كجعفر كورة قصبتها واسط وقيل ولد بحرّان ولكن أباه نقله الى بابل أرض نمروذ بن كنعان* وفى معالم التنزيل قال أهل التفسير ولد ابراهيم ﵇ فى زمن نمروذ بن كنعان وكان نمروذ أوّل من وضع التاج على رأسه وتجبر وطغى فى الارض ودعا الناس الى عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له انه سيولد فى بلدك فى هذا العام غلام يغير دين أهل الارض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه ويقال انهم وجدوا ذلك فى كتب الانبياء* وقال السدّى رأى نمروذ فى منامه كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما نور ففزع من ذلك فزعا شديدا فدعا السحرة والكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا هو مولود يولد فى ناحيتك فى هذه السنة فيكون هلاكك وزوال ملكك وأهل بيتك على يديه فأمر بذبح كل غلام يولد فى ناحيته تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل عشرة رجلا فان حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها لانهم كانوا لا يجامعون فى الحيض فاذا طهرت حال بينهما فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها فحملت بابراهيم* وقال محمد بن اسحاق بعث نمروذ الى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها الا ما كان من أمّ ابراهيم فانه لم يعلم بحبلها لانها كانت جارية حديثة السنّ لم يعرف الحمل فى بطنها* وقال السدّى خرج نمروذ بالرجال الى المعسكر ونحاهم عن النساء تخوّفا من ذلك المولود أن يكون فمكث كذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة الى المدينة فلم يأتمن عليها أحدا من قومه الا آزر فبعث اليه ودعاه وقال له ان لى حاجة أحب أن أوصيك بها
[ ١ / ٧٩ ]
ولا أبعثك الا لثقتى بك فأقسم عليه أن لا يدنو من أهله فقال آزر أنا أشح على دينى من ذلك فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجته ثم قال لو دخلت على أهلى فنظرت اليهم فلما نظر الى أمّ ابراهيم لم يتمالك حتى واقعها فحملت بابراهيم* قال ابن عباس لما حملت أمّ ابراهيم قالت الكهان لنمروذ ان الغلام الذى أخبرناك به قد حملت أمّه الليلة به فأمر نمروذ بذبح الغلمان فلما دنت ولادة أمّ ابراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها فوضعته فى نهر يابس ثم لفته فى خرقة ووضعته فى حلفاء ورجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت وان الولد فى موضع كذا فانطلق أبوه وأخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر فواراه فيه وسدّ عليه بابه بصخرة مخافة السباع وكانت أمّه تختلف اليه فتزضعه وقال محمد بن اسحاق لما وجدت أمّ ابراهيم الطلق خرجت ليلا الى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها ابراهيم وأصلحت من شأنه ما يصنع للمولود ثم سدّت عليه فم المغارة ورجعت الى بيتها ثم كانت تطالعه لتنظر ما فعل فتجده حيا يمص فى ابهامه يقال ان تلك المغارة فى قرية برس من بلاد الكوفة* روى أن أمّ ابراهيم قالت ذات يوم لا نظرنّ الى أصابعه فوجدته يمص من اصبع ماء ومن اصبع لبنا ومن اصبع عسلا ومن اصبع تمرا ومن اصبع سمنا* وقال محمد بن اسحاق كان آزر قد سأل أمّ ابراهيم عن حملها ما فعل به قالت قد ولدت غلاما فمات فصدّقها وسكت عنها وكان اليوم على ابراهيم فى الشباب كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث ابراهيم فى المغارة الا خمسة عشر شهرا حتى قال لامّه أخرجينى فأخرجته عشاء فنظر وتفكر فى خلق السموات والارض وقال ان الذى خلقنى ورزقنى وأطعمنى وسقانى لربى الذى مالى اله غيره وكان أبوه وقومه يعبدون الاصنام والشمس والقمر والكواكب وفى رواية كانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ويرون أن الامور كلها اليها ثم نظر الى السماء فرأى كوكبا فقال هذا ربى على وجه الاستفهام الانكارى بحذف أداته ثم أتبعه بصره ينظر اليه حتى غاب فقال لا أحب الآفلين* وفى أنوار التنزيل رآه ابراهيم زمان مراهقته وأوّل أوان بلوغه ثم رأى القمر بازغا مبتدئا فى الطلوع فقال هذا ربى وأتبعه بصره ينظر اليه حتى غاب ثم طلعت الشمس وهكذا الى آخره ثم رجع الى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه فأخبره أنه ابنه وأخبرته أمّ ابراهيم أنه ابنه وأخبرته بما كانت صنعت فى شأنه فسرّ آزر بذلك وفرح فرحا شديدا وقيل انه كان فى السرب سبع سنين وقيل ثلاث عشرة سنة وقيل سبع عشرة سنة قالوا فلما شب ابراهيم وهو فى السرب قال لامّه من ربى قالت أنا قال فمن ربك قالت أبوك قال فمن رب أبى قالت نمروذ قال فمن رب نمروذ قالت له اسكت فسكت ثم رجعت الى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذى كنا نحدّث أنه يغير دين أهل الارض فانه ابنك ثم أخبرته بما قال فأتاه أبوه فقال له ابراهيم يا أبتاه من ربى قال أمّك قال فمن رب أمى قال أنا قال فمن ربك قال نمروذ قال فمن رب نمروذ فلطمه لطمة شديدة وقال له اسكت فلما جنّ عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فأبصر كوكبا فقال هذا ربى ويقال انه قال لابويه أخرجانى فأخرجاه من السرب وانطلقا به حتى غابت الشمس فنظر ابراهيم الى الابل والخيل والغنم فسأل أباه ما هذه فقال ابل وخيل وغنم فقال ما لهذه بدّ من أن يكون لها رب وخالق ثم نظر الى المشترى وقد طلع ويقال الزهرة وكانت تلك الليلة فى آخر الشهر فتأخر طلوع القمر فيها فرأى الكوكب قبل القمر ثم القمر ثم الشمس بعده فقال فى كلّ هذا ربى الى آخره ثم قال يا قوم انى برئ مما تشركون انى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين روى أنه لما رجع ابراهيم الى أبيه وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين ضمه آزر الى نفسه وجعل آزر يصنع الاصنام ويعطيها ابراهيم ليبيعها فيذهب بها ابراهيم وينادى من يشترى ما يضرّه ولا ينفعه فلا يشتريها
أحد فاذا بات ذهب بها الى نهر فصوّب فيه
[ ١ / ٨٠ ]
رؤسها وقال اشربى استهزاء بقومه وبما هم فيه من الضلالة حتى فشا استهزاؤه بها فى قومه وأهل قريته فحاجه قومه وجادلوه فى دينه قال أتحاجونى فى الله وقد هدان وخوّفوه من آلهتهم فقالوا له احذر الاصنام فانا نخاف أن تمسك بسوء من خبل أو جنون بعيبك اياها فقال لهم ولا أخاف ما تشركون به وقال لابيه وقومه ما هذه التماثيل والصور يعنى الاصنام التى أنتم لها عاكفون مقيمون على عبادتها قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين فاقتدينا بهم قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم فى ضلال مبين وخطائين بعبادتكم اياها قالوا له أجئتنا بالحق والجدّ أم أنت من اللاعبين الهازلين قال بل ربكم رب السموات والارض وخالقهنّ وتا لله لاكيدنّ أصنامكم ولا مكرنّ بها بعد أن تولوا مدبرين أى تدبروا منطلقين الى عيدكم* قال السدّى كان لهم فى كل سنة عيد ومجمع وكانوا يدخلون على أصنامهم ويفرشون لهم الفرش ويضعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم الى عيدهم يزعمون التبرّك عليهم واذا انصرفوا من عيدهم دخلوا على الاصنام فسجدوا لها وأكلوا الطعام ثم عادوا الى منازلهم فلما كانت الليلة التى من غدها عيدهم قالوا لابراهيم ألا تخرج معنا غدا الى عيدنا فنظر الى النجوم فقال انى سقيم* قال ابن عباس مطعون وكانوا يفرّون من الطاعون فرارا عظيما وكانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه وذلك أنه أراد أن يكايدهم فى أصنامهم ويلزمهم الحجة فى أنها غير معبودة فلما كان ذلك العيد من غد تلك الليلة قال أبو ابراهيم له يا ابراهيم لو خرجت معنا لى أعيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم ابراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال انى سقيم قال ابن عباس أشتكى رجلىّ فتولوا عنه مدبرين الى عيدهم فلما مضوا نادى فى آخرهم وقد بقى فى ضعفة الناس تا لله لاكيدنّ أصنامكم فسمعوها منه ثم رجع ابراهيم الى بيت الآلهة وهنّ فى بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم الى جنبه صنم أصغر منه والاصنام بعضها الى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه الى باب البهو واذاهم جعلوا طعاما ووضعوه بين أيدى الآلهة وقالوا اذا رجعنا وباركت الآلهة فى طعامنا أكلنا فلما نظر اليهم ابراهيم والى ما بين أيديهم قال لهم على طريق الاستهزاء ألا تأكلون فلما لم تجبه قال ما لكم لا تنطقون فجعل يضربهنّ ويكسرهنّ بفأس فى يده حتى جعلهم جذاذا وكسرهم قطعا فلما لم يبق الا الصنم الاكبر علق الفأس فى عنقه ثم خرج وكانت اثنتين وسبعين صنما بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من رصاص ومن حديد ومن خشب وحجر وكان الصنم الاكبر من الذهب مكلل بالجواهر وفى عينيه ياقوتتان تتقدان ولما أخبر القوم صنيع ابراهيم بآلهتهم رجعوا من عيدهم وأقبلوا اليه مسرعين ليأخذوه فلما دخلوا بيت الآلهة ورأوا الاصنام جذاذا قالوا من فعل هذا بآلهتنا انه لمن الظالمين المجرمين قال الذين سمعوا قول ابراهيم وتالله لاكيدنّ أصنامكم سمعنا فتى يذكرهم يقال له ابراهيم* قال مجاهد وقتادة لم يسمع ذلك القول من ابراهيم الا واحد منهم فأفشاه عليه فقال أنا سمعت فتى يذكرهم بالسوء ويعيبهم يقال له ابراهيم أظنّ أنه صنع هذا فبلغ ذلك نمروذ الجبار وأشراف قومه قالوا فأتوا به وأحضروه على أعين الناس يعنى ظاهرا بمرأى منهم لعلهم يشهدون عليه بالذى فعل أو يحضرون عقابه وما يصنع به فلما أتوا به قالوا له أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا غضب من أن تعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهنّ وأراد بذلك ابراهيم اقامة الحجة عليهم والزامهم وقال لهم فاسألوهم ان كانوا ينطقون حتى يخبروا بمن فعل هذا فرجعوا الى أنفسهم وعقولهم وتفكروا بقلوبهم فأجرى الله الحق على لسانهم فقالوا ما نراه الا كما قال انكم أنتم الظالمون بعبادتكم من لا يتكلم ثم أدركتم الشقاوة فرجعوا الى حالتهم الاولى وقالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فكيف نسألهم فلما اتجهت الحجة لابراهيم قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ان عبدتموه ولا يضرّكم ان تركتم عبادته أليس لكم عقل
[ ١ / ٨١ ]
تعرفون به هذا فلما لزمت الحجة نمروذ وقومه وعجزوا عن الجواب اذ لقن الله ابراهيم وألهمه ما ألزمهم الحجة وغلبهم فى المحاجة مالوا الى المكر والمضارّة فأرادوا أن يحرّقوه فقالوا ابنوا له بنيانا فألقوه فى الجحيم أى فى النار الشديدة الوقود وحرّقوه وانصروا آلهتكم والذى أشار الى احراقه رجل من أكراد فارس اسمه هيزن فخسف الله به الارض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة وقيل قاله نمروذ*