وفى المدارك روى أنه أوحى الله الى آدم أن زوّج كل واحد من قابيل وهابيل توأمة الآخر وكانت توأمة قابيل أجمل فحسد عليها أخاه هابيل وسخط فقال لهما آدم قرّ باقر بانا فأيكما قبل قربانه يتزوّجها ففعلا فقبل قربان هابيل بأن نزلت عليه نار فأكلته فازداد قابيل حسد او سخطا فقتله فتكا على غفلة منه* روى أن قابيل لما قتل أخاه أتاه ابليس فقال له انما أكلت النار قربان أخيك لانه كان يخدم النار ويعبدها فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك ففعل فقابيل أوّل من سنّ القتل وعبادة النار* وفى بحر العلوم قال وهب كان يولد لحوّاء فى كل بطن ذكر وأنثى فولد قابيل وأخته اقليميا ثم ولد هابيل وأخته لبودا فأمر آدم قابيل أن يتزوّج بأخت هابيل وأمر هابيل أن يتزوّج بأخت
[ ١ / ٥٩ ]
قابيل فأبى قابيل وشح بأخته رغبة عن حكم الله تعالى وقال أنا أحق بأختى التى ولدت فى بطنى ونحن من أولاد الجنة وهابيل وأخته من أولاد الارض فغضب آدم غضبا شديدا وقال هذه معصية لله تعالى اذهبا فتحا كما الى الله تعالى وقرّ باقر بانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق باقليميا وكان هابيل صاحب غنم يرعاها فى الحرم وقابيل صاحب زرع يزرع خارجا من الحرم فقرب هابيل كبشا من أعظم غنمه وأسمنها وقرب قابيل سنبلا من أسمن زرعه وأطيبه فتقبل الله قربان هابيل وكانت تنزل نار من السماء فى سلسلة بيضاء ليس لها وهيج ولا دخان فتقبل قربان المحق وتدع قربان المبطل ولم يتقبل قربان قابيل فقال قابيل لهابيل ما بالك تقبل منك قربانك ولم يتقبل منى قال هابيل مالى بذلك من علم فامتلأ قابيل بذلك غيظا وحسدا لاخيه فقال هابيل انما يتقبل الله من المتقين فقال قابيل لاقتلنك فقال هابيل لم قال لان الله تعالى تقبل قربانك وردّ قربانى فأفلح حجتك وأدحض حجتى ويقول الناس بعد اليوم أنك خير منى قال هابيل لئن بسطت الىّ يدك لتقتلنى الآية* وفى العرائس أنكر جعفر الصادق أن يكون آدم زوّج ابنته من ابنه وقال لما أهبط آدم وحوّاء الى الارض وجمع بينهما ولدت حوّاء ابنة سماها عناق فبغت وهى أوّل من بغى على وجه الارض فسلط الله عليها من قتلها فولدت لآدم على اثرها قابيل ثم ولدت له هابيل فلما أدرك قابيل أظهر الله جنية من الجنّ يقال لها حمالة فى صورة انسية فأوحى الله تعالى الى آدم أن زوّجها من قابيل فزوّجها منه فلما أدرك هابيل أهبط الله حوراء فى صورة انسية وخلق لها رحما وكان اسمها بركة فلما نظر اليها هابيل وصفها فأوحى الله تعالى الى آدم أن زوّج بركة من هابيل ففعل فقال قابيل ألست بأكبر من أخى وأحق بما فعلت به منه فقال يا بنىّ ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فقال لا ولكنك آثرته بهواك فقال له آدم ان كنت تريد أن تعلم حقيقة ذلك فقرّبا قربانا الى آخر القصة وكان موضع القربان منى ومن أجل ذلك صار منى مذبح الناس فلما توجها راجعين وبلغا العقبة أراد قابيل أن يقتل هابيل فلم يدر كيف يقتله فعمد ابليس الى طائر فرضخ رأسه بحجر وقابيل ينظر اليه فعمد هو الى أخيه فدمغه بحجر فقتله فحين فعل ذلك أرعش جسده وسقط فى يده ولم يدر كيف يصنع وأصبح نادما وذلك كان أوّل من قتل وحمله على ظهره ثلاثة أيام وكان يطوف به حتى تروّح جسده وانتفخ بطنه وظهرت زهومته* وفى المدارك لما قتله قابيل تركه بالعراء لا يدرى ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله فى جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع فبعث الله غرابا فأقبل يهوى حتى قتل غرابا آخر وجعل يحفر الارض بمنقاره ويبحث برجليه ثم ألقاه فى الحفرة ثم أثار التراب عليه حتى واراه وابن آدم ينظر اليه فقال يا ويلتا أعجزت ان أكون الآية* وفى المدارك روى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم ﵇ عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلا فقال بل قتلته ولذا اسودّ جسدك فالسودان من ولده* وفى العرائس كان لهابيل يوم قتل عشرون سنة واختلفوا فى مصرعه وموضع قتله وقال ابن عباس على جبل ثور وقال بعضهم على عقبة حراء وقال جعفر الصادق ﵁ بالبصرة فى موضع المسجد الاعظم* وفى بحر العلوم لما رجع آدم من حجه ولم يجد هابيل وسأل عنه وقالوا لا ندرى مكث سبعة أيام ولياليها لا ينام فرأى بعد ذلك فى منامه ولده ينادى يا أبتاه يا أبتاه فاستيقظ وصاح وخرّ مغشيا عليه فجاء جبريل فأخذ برأسه وعزاه بالمصيبة وقال انه كان يصيح عند ما قتل وكذا يخرج من قبره يوم القيامة فقال آدم أنا برئ من قابيل فقال الله تعالى وأنا برئ منه أيضا ودل جبريل آدم على موضع مواراته فأتاه فبحثه فرآه مشدوخا ملطخا بالدماء فنادى يا حسرتاه يا أسفاه يا ولداه فبكى أهل السماء لبكائه وقالوا الآن كان استراح هذا المسكين من بكائه فقال الله تعالى دعوه فالدنيا دار البكاء* وفى العرائس صار
قابيل طريدا
[ ١ / ٦٠ ]
شريدا فزعا مرعو بالا يأمن فأخذ بيد أخته اقليميا وهرب بها الى عدن من أرض اليمن* وفى بحر العلوم بعد ما دفن قابيل أخاه انطلق هاربا حتى أوى الى واد من أودية اليمن فى شرقى عدن فكمن فيه زمانا وبلغ آدم ما صنع قابيل فوجد آدم هابيل قتيلا ووجد الارض قد نشفت دمه فلعن الارض عند ذلك فمن أجل لعن آدم لا تنشف الارض دما بعد دم هابيل الى يوم القيامة وأنبتت الشوك ثم ان آدم احتمل ابنه على عنقه زمانا طويلا يد وربه فى البلاد ولا تجف دموعه ثم دفنه* وفى رواية لم يقتله حتى غاب آدم للحج ففعل ذلك ثم رجع آدم فلم يجد هابيل ووجد سائر أولاده ونوافله قد استقبلوه فقال أين هابيل فاعتل قابيل بشئ ثم ظهر له ذلك فلعن الارض بتنشيف دمه فأخرجت ما كانت نشفت وتزلزلت وهربت السباع الى الجبال وقالوا زال الامن من الناس فقد قتل الاخ أخاه وعق الولد أباه ودعا آدم على قابيل فأمر الله تعالى الارض بأن تخسفه فخسفته الى ركبتيه ثم كان من مناجاته يا رب أنت أرحم الراحمين لا تترك رحمتك لذنبى فأمر الله الارض أن تطلقه وأتاه ملك فكسر رجليه ويديه وقيده وغله وطاف به مجرورا على الارض فى الدنيا كلها سبع مرّات وكان يعذب فى هذه الطوفات فى الشتاء بجبال الثلج وفى الصيف بجبال النار ثم رماه بعض أولاده من نوافله بحجر فرضخه فقتله فصار الى النار فبئس القرار قال الله تعالى فى حاله فى جهنم وقول أهل النار ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجنّ والانس الآية* وفى حديث مقاتل باسناده عن علىّ كرّم الله وجهه لما أنكر قابيل قتل هابيل شهدت جوارحه وبعث الله ملكا فأخذه واستقبل به الشمس يدور معها حيث دارت يعذبه بالنار فى الصيف وبالزمهرير فى الشتاء ثمانين سنة ثم ألقاه الى الارض ثم أمر بخسفه فى الارض* قال العتابى سلط الله على قابيل الريح حتى ألقته الى أقرب موضع من الشمس وأشدّها حرّا فى الصيف حتى يحترق وفى الشتاء ألقته الى أبعد موضع من الشمس وأشدّها بردا وهكذا يحوّله ويعذبه الى يوم القيامة وهو قول مجاهد* وقيل ان قابيل كان من لقمة آدم التى نهى عنها فى الجنة فظهر ذلك فى ولده فصار اماما للكفرة والظلمة ويأجوج ومأجوج من نسله* وفى معالم التنزيل لما قتل قابيل هابيل وآدم حينئذ بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الاطعمة وحمضت الفواكه ومرّ الماء واغبرت الارض وعن علىّ ﵁ اغبرّت الارض وانتقصت الاشياء كلها يومئذ طعوم الثمار وضوء الشمس ونور القمر وريح الرياحين والطيب وعذوبة الماء ونبت العوسج فقال آدم قد حدث فى الارض شئ فأتى الهند فاذا قابيل قد قتل هابيل فبكى آدم وحوّاء وامتنع من غشيانها وناح آدم وحوّاء عليه بهذه الابيات وهو أوّل من قال الشعر والله أعلم
تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الارض مغبرّ قبيح
تغير كل ذى طعم ولون وقلّ بشاشة الوجه الصبيح
فوا أسفا على هابيل ابنى قتيلا قد تضمنه الضريح
وقابيل أذاق الموت هابيل فواجزنى لقد فقد المليح
وجاءت شهلة ولها أنين لها بلها وقابلها تصيح
لقتل ابن النبىّ بغير جرم فقلبى عند قتلته جريح
وجاورنا عدوّ ليس يفنى لعين لا يموت فنستريح
وقالت حوّاء رحمها الله تعالى
دع الشكوى فقد هلكا جميعا يهلك ليس بالثمن الربيح
وما يغنى البكاء عن البواكى اذا ما المرء غيب فى الضريح
فبك النفس منك ودع هواها فلست مخلدا بعد الذبيح
[ ١ / ٦١ ]
وقال لهما ابليس لعنه الله تعالى
تنح عن البلاد وساكنيها فبى فى الخلد ضاق بك الفسيح
وكنت بها وزوجك فى رخاء وقلبك من أذى الدنيا مريح
فما زالت مكايدتى ومكرى الى أن فاتك الخلد الربيح
فلولا رحمة الجبار أضحى بكفك من جنان الخلد ريح
تابعه الثعلبى فى قول آدم وتفرّد فى قول حوّاء وابليس ونقل ابن الاثير أيضا فى كتاب كامل التاريخ وصاحب زين القصص وغيرهما شعر آدم لكن قال صاحب الكشاف اسناده الى آدم كذب محض وقال الامام فخر الدين الرازى صدق صاحب الكشاف* وفى معالم التنزيل بعد ما نقل الشعر المذكور روى ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵄ أنه قال من قال ان آدم ﵇ قال شعرا فقد كذب على الله ورسوله فان محمدا والانبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام فى النهى عن الشعر سواء ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سريانى وقال لشيث يا بنىّ انك وصيى فاحفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه فلم يزل ينتقل الى أن وصل الى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أوّل من تكلم بالعربية وكان يقول الشعر وفى القاموس يعرب بن قحطان أبو اليمن وأوّل من تكلم بالعربية فنظر فى المرثية فردّ المقدّم الى المؤخر والمؤخر الى المقدّم فوزنه شعرا وزاد فيه أبياتا منها
ومالى لا أجود بسكب دمعى وهابيل تضمنه الضريح
أرى طول الحياة علىّ غما فهل أنا من حياتى مستريح
وفى معالم التنزيل ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وفى البحر العميق مائتان وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حوّاء شيثا وفى المختصر تفسيره هبة الله يعنى انه خلف من هابيل وكذا فى العرائس عن جعفر الصادق* وفى البحر العميق وكان قيامه بالامر بعد آدم مائتين وثنتى عشرة سنة ومات وله تسعمائة واثنتا عشرة سنة واختلف فى نبوّته* وفى معالم التنزيل ان الله تعالى علم آدم جميع اللغات ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرّقوا فى البلاد واختص كل فرقة منهم بلغة وعن محمد بن جرير أن أنساب جميع بنى آدم اليوم تنتهى الى شيث لان نسل سائر أولاده قد انقطع فى الطوفان
*