وكذا قال لهم أبو الفضل جعفر بن حرب ﵀: إذا قلتم إن النجوم تدل على ما كان ويكون، وما هو موجود ومعدوم، فما يمنعكم أن تستدلوا على كنوز كسرى وقيصر فتستغنوا بها عن خدمة الملوك، وطلب ما في أيدي الناس، والتذلل لهم لأجل ما عندهم، وكذلك معادن الذهب والفضة والغوص على الدر، فيجعلون للملوك عليه الجعل الثمين، ويخبروهم بمبلغ ما فيها. وقد سألهم أبو علي الجبائي عن مثل هذا، وسألهم أصحابه، وهذا ما لا حيلة لهم فيه، وإنما أنطق هؤلاء القرآن وما نبه الله عليه/ عباده مما تقدم ذكره، فعليك بمداومة درسه والفكر فيما تدرسه والتدبر له، ولو كان للمنجمين فطنة الشيع وما عندهم لما انقطعوا في يد أحد، فإنهم كانوا يقولون: قد علمنا ما كان وما يكون ولكن لا نقول، ونخطىء على عمد، ونفضح أنفسنا على عمد، ونشمت أعداءنا على عمد، ولو شئنا لا ستغنينا وأغنينا من شئنا ولكن لا نفعل على ضرب من التدبير. وعلى قول الشيع لا يفتضح كذاب، ولا تقوم حجة على محتال وكذاب ومتكهن ومتنبىء، فإن كل واحد من هؤلاء يقدر أن يقول أنا نبيّ، ولو شئت لأحييت الموتى وأخبرت بالغيوب، ولكن لا أفعل لضرب
_________________
(١) لعل هنا نقصا تقديره: «فقالوا بل العلم بما قد كان»
[ ٢ / ٥٣٩ ]
من التدبير، ولمحنة امتحني الله بها كما تقول ذلك الشيع في أئمتها، فلا يكون للشيعة معهم كلام، ولا من قولهم انفصال.
فأما أنت رحمك الله، فلو قال لك قائل من المنجمين أو المحتالين المتكسبين هذا لكان من جوابك أن تقول: أنا أعلم أنك تكذب لأنك مضطر ملجأ إلى أن تغني نفسك وعيالك، وإلى أن لا تفضح نفسك وتشمت عدوك، فأنت لا تعلم شيئا مما ادعيت ولا تقدر عليه، ولا تجد سبيلا اليه.
والعجب أن الشيع تزعم أن الله أطلع الأئمة على هذه الغيوب لأنهم حجج الله على خلقه، ولتقوم حجتهم عليهم بهذه العلوم، ثم لا يظهر من هؤلاء القوم شيء مما يدّعون مع حاجتهم إلى ذلك، بل أفعالهم تشهد أنهم لا يعلمون ذلك، وأنهم كغيرهم من طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، فسبيل أمير المؤمنين سبيلهم، بل الأمر في بابه ﵇ أوضح في كذب هؤلاء عليه في ادعائهم له النص والعصمة والمعجزات، وقد خالفه من ذكرنا ونازعهم وخاصمهم فما احتج بشيء من ذلك مع حاجته اليه كما تقدم ذكر/ ذلك في غير موضع من هذا الكتاب.
والعجب أن أمير المؤمنين ﵁ يسأل عما كان من طلحة والزبير، فيقال له: قد سارا مع عائشة إلى البصرة، فيعجب ويقول: ما ظننت أنهما يفعلان هذا، ويسأل عن معاوية وأهل الشام ويتعرف بأخبارهم من واحد بعد واحد، ويتعجب من إخراج من بالبصرة عامله عثمان بن حنيف منها بعد أن بايعوه، وأنه ما ظن أنهم يفعلون ذلك، ولما سار إلى البصرة وصار بالربذة قال «١»: من له هداية بذي قار يهديناا ويعرفنا الطريق، فجاء رجل فقال له: أنا من أهدي الناس بذي قار، فسار بين يديه حتى جاء إلى ذي قار.
_________________
(١) الربذة من قرى المدينة على بعد ثلاثة اميال في طريق مكة. معجم البلدان
[ ٢ / ٥٤٠ ]
ولما اشنبكت الحرب بالبصرة قال للحسن ابنه ﵉: يا حسن، أما ترى، ودّ أبوك أنه قد مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة، قال له الحسن: قد أمرتك وخوفتك فعصيتني، فقال: والله يا بني ما ظننت أن الامر يصير إلى هذا.
وكان ابن عباس يقول: كان علي ﵁ لسابقته وقرابته يرى أنه لا يخالف ولا يريد أمرا إلا بلغه، فلم يكن كما ظن.
ورأى ﵇ على بنت له لؤلؤة من المال فعرفها، فانزعج، فقال:
من أين لها هذه لله، عليّ أن أقطع يدها، فقال له أبو رافع خازنه على بيت المال لما رأى جدّه في ذلك: أنا والله يا أمير المؤمنين زينتها بها، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها، فهدأ وسكت.
ودخل على الحسن ﵇ رجل فقال له: من أنت ومن تكون؟ فقال له: أنا رسول معاوية إليك، فقال له: أو هكذا يدخل الناس على الناس، اخرج فاستأذن وسلم، ففعل ذلك ودخل/ بعد أن أذن له، فقال له: في أي شيء أرسلك معاوية، فقال له: يقول لك أنت من أهل العراق على غرر، قد راسلني «١» رؤساؤهم بأنهم يسلمونك إليّ، وهذه كتبهم، فألقاها بين يديه ليقرأها، فلما وقف على ذلك قال: حتى أعرف ما عند الناس، فخرج وعلا المنبر، وجمع الناس، ثم قال: يا أهل العراق، الله الله في جيرانكم وضيفانكم من أهل نبيّكم، فبكى الناس، ثم خطبهم فقال: إنه والله ما ثنانا عن قتال معاوية شكّ ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وقد كنتم في مبدئكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وإنا كما كنا لكم
_________________
(١) في الأصل: أرسلني
[ ٢ / ٥٤١ ]
ولستم كما كنتم لنا، وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، والباكي خاذل، والطالب ثائر، وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت ردنا عليه وحاكمناه إلى الله، وإن أردتم البقية أخذنا لكم بالوثيقة فنادوه البقية البقية يا أمير المؤمنين، فجلس، وتعجب أن معاوية قد صدق عليهم، وقال: يا أهل العراق سخا بنفسي عنكم قتل أبي وجراحتكم لي وانتهابكم متاعي.
ولما مات معاوية عزم الحسين ﵇ على المسير إلى الكوفة، أتاه عبد الله بن عمر بن الخطاب فسأله عن رأيه، فأخبره أن أهل الكوفة قد راسلوه وبايعوه، فقال له عبد الله بن عمر: لا تقبل منهم ولا تسر اليهم، ولا تأمن بني أمية، فإنهم طغاة ضلال طلاب دنيا، لا يبالون من قتلوا، فلا تغتر بأهل الكوفة فإنهم قتلوا أباك/ وخذلوا أخاك، وهم يسلمونك في طاعة بني أمية. فقال الحسين: هذه كتبهم، وقد بايعوني، وأخذ عليهم مسلم بن عقيل البيعة لي، وكاتبوني بالقدوم عليهم، وأنهم ينصروني؛ وابن عمر يقول له لا تثق بهم فإنهم يسلمونك، والحسين ﵇ يكذب عنهم ويذكر ثقته بهم، وأنه قد راجعهم ووبخهم بما كان منهم، وأنه وثق منهم أنهم لا يسلمونه ولا يصنعون به ما صنعوا بأبيه وأخيه، فلما رآه ابن عمر واثقا بهم لا يقبل منه فيهم، قال له: استودعك الله من قتيل.
وأتاه عبد الله بن عباس فنهاه عن المسير اليهم، وقال له نحو قول ابن عمر، فأخرج كتبهم وأقرأه إياها، يقولون: قد اخضرّ الجناب فأقدم، فإنما تقدم على جند مجنّد. فقال له ابن عباس: لا تقبل منهم، فإنما يدعونك إلى القتال وهم يسلمونك، والحسين يقول: ما كانوا ليفعلوا هذا وقد بايعوني وعاهدوني وهذه كتبهم، وأشار إلى خرج مملوء بكتبهم، فقال له لا تفعل
[ ٢ / ٥٤٢ ]
فإنهم لا يفون. فلما رآه ابن عباس لا يقبل منه قال له: فلا تسر بعيالك معك فتقتل وهم يرونك.
فسار بعياله معه واثقا بهم ليستوطن الكوفة، مسرورا مستبشرا بأنه لا يلقى قتالا، ولا من أهل الكوفة خلافا ولا غدرا، وأنه يدخلها مع عياله بغير دافع ولا مانع.
ولم يكن عبيد الله بن زياد بالكوفة بل كان بالبصرة، فسار إلى الكوفة فأخذ مسلم بن عقيل فقتله، وقتل هانىء بن عروة المرادي، والحسين قاصد إلى الكوفة لا يعلم بشيء من ذلك. وأرسل أخاه من الرضاعة إلى الكوفة ليعرّف مسلم بن عقيل وأهل الكوفة بأنه ﵇ قد سار اليهم وقرب منهم، فأخذه عبيد الله بن زياد فقتله، والحسين ﵇ لا يعلم بشيء من ذلك.
فلما قرب من الكوفة لقيه من قد جاء من الكوفة يريد البادية، فسأله عن الخبر فأخبره بقتل مسلم وهانىء والرضيع، وأن أهل الكوفة ما دافعوا عبيد الله بن زياد عنهم، وأنه قد تمكن. فبقي ﵇ كئيبا حزينا، وصار في نسائه مأتم بمسلم ابن عمه وكان زوج أخته، فقال له من لقيه: ارجع، فقبل منهم وهم بالرجوع. فقال له بنو عقيل إخوة مسلم: يقتل أخونا ونرجع وما أخذنا بثأرنا، سر بنا حتى نلقى أهل الكوفة. فسار معهم وظنّ أن أهل الكوفة إذا رأوه نصروه وصاروا معه على ابن زياد، وهو يسير وكل من يلقاه يقول له: ارجع فإن أهل الكوفة قد غدروا بك، وهو يظن أنهم إذا رأوه صاروا معه.
فلما قرب من الكوفة وجّه عبيد الله بن زياد بأهل الكوفة فأحاطوا بالحسين ومنعوه من الرجوع، فقال لهم: ويلكم بكتبكم جئت، ومنكم قبلت،
[ ٢ / ٥٤٣ ]
وناداهم يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هذا كتابك، قد كنا ساكتين وعدونا عنا ممسك، فسللتم علينا سيفا كان مغمودا عنا، وفعلتم وفعلتم، فما زالوا يحاربونه، وعياله يضجون ويبكون، ومن معه من إخوته وولده وبني عمه يقتلون، وهو يبكي ويذكر قول ابن عمر، وكلما ضج نساؤه يقول:
لا يبعد الله ابن عباس، وقد أيقن بالقتل، وهو يودع عياله ويوصيهم بأن لا يشقوا عليه جيبا؛ ولا يظهروا «١» عويلا، وأخته زينب تقول له: يا أبا عبد الله، يا أبا عبد الله، أنا الفداء لك، أتغتصب نفسك على القتل، / ويقول كيف أصنع يا أخيّة، اصبري واحتسبي، قتل أبي وهو خير مني، ومضى أخى وهو خير مني، ويحتسب على أهل الكوفة وأنهم غروه وكذا أبوه، ويندم على قبوله منهم وعلى قدومه، وأنه ما علم أنهم لا يفون، وأنه ليته لم يقدم، وأنه حين قدم لم يقدم بعياله. وكم مثل هذا من أفعالهم وأقوالهم لو أردت أن تحصيه لاحتجت فيه إلى الطوامير الطوال «٢»، ثم كنت لا تأتي على جميعه لكثرته.
والعلم بأن هؤلاء كانوا يحتاجون إلى المعرفة بما في نفس عدوهم ووليهم مثل غيرهم من الناس أقوى من العلم بأنهم يحتاجون إلى الطعام والشراب.