وقد وضعوا أن رسول الله ﷺ قال: إن الصلاة والصوم والزكاة والحج لا تجب على أهل بيتي ولا على شيعتي، ولا يحرم عليهم شيء من هذه المحرمات وإنما هذه عذاب على أعداء أهل النبي وأهل بيته، وما كان الله ليجمع بين أوليائه وأعدائه في الفروض.
وزوّر لهم في ذلك الروايات، وتأولوا في ذلك القرآن، وقد انتشر هذا وانبث وعليه خلق كثير منهم بسواد الكوفة وبالبحرين وببغداد وبنواحي اليمن وبالشام، ولا يكاد أحد من هؤلاء يصلي إلا إذا حضره الناس ولأجل الناس وفي المشاهدة ليغتر به الناس، وبينما ترى الواحد وقد ادّعى التشيع حتى قد تبرأ من أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار حتى قد ادّعى أن القرآن مغير ومبدل، حتى ادعى أن له باطنا غير ما عليه العلماء والفقهاء والعامة، ثم لا يلبث أن يدعي أنه ما يحرم عليه لا زنا ولا لواط ولا ربا، ولا تجب عليه عبادة، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. وقد علم كل من سمع الأخبار أن رسول الله ﷺ أوجب هذه الفرائض على كل عاقل بلغته دعوته، وأنها بركة ورحمة من الله على عباده، وأنها لا تسقط عن أحد يستطيعها، ولا يحل
[ ٢ / ٥٥٨ ]
الزنا والاشتراك في الزوجات واللواط وغير ذلك لأحد البتة، وأنها على البررة والخاصة، والعلماء ومن أهل البيت أوجب وألزم منها للعامة الفجرة، وأنها ليست بعذاب على أحد، وأن لمن فعلها وقام بحقوقها ولم يبطلها ولم يحبطها الثواب والمدح والإجلال والكرامة في الدنيا والآخرة. والعلماء يعرفون من سنة محمد ﷺ أن تكاليفه الثقيلة إنما هي على خاصته والسابقين، وأنه كان يولي على أهل بيته ويلزمهم الطاعة لولاته، فقد ولى عتاب بن أسيد مكة وبها من بني هاشم خلق كثير فكانوا له رعية، وقد ولّى على المدينة في غزواته وأسفاره غير واحد من المهاجرين والأنصار وبها من بني هاشم ومواليهم رجال كثير وقد ولى زيد بن حارثة على عسكر مؤتة وعلى جعفر بن أبي طالب، فكان هو الأمير دون جعفر، وقد كان هناك غير جعفر هذا. وجعفر ﵁ قديم الإسلام، قديم الهجرة، وقد وّلى رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وجعله خليفة/ على عسكره وجيشه يوم الطائف ويوم الفتح ويوم حنين، وكان علي بن أبي طالب ﵁ في ذلك العسكر وفي هذه المواطن كلها، وقد ولّى رسول الله ﷺ على عسكره وجيشه أبا بكر الصديق في غزوة تبوك، وأقام بالمدينة يحرض الناس على غزو الروم، وفي ذلك الجيش الذين أمرهم غير واحد من بني هاشم، وكان أبو بكر يصلي بهم ويأمرهم وينهاهم.
ولما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك قدم أبو بكر وعمر على معظم جيشه وقدمهما أمامه وسار في آخر الناس في نفر يسير، وفي ذلك العسكر غير واحد من بني هاشم، وهي قصة معروفة، وفيها يقول رسول الله ﷺ لمن معه:
كيف ترون الناس صنعوا حين أرهقتهم صلاتهم وفقدوا نبيّهم، قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ: أليس في القوم أبو بكر وعمر، إنهما
[ ٢ / ٥٥٩ ]
سيرشدان الناس، فإن أطاعوهما فقد رشدوا ورشدت أمهم، وإن عصوهما فقد غووا وغوت أمهم، يقولها ثلاثا.