ثم لم يجعل العصمة والأمانة من الزلل في دين الله إلا له وحده إلى يوم القيامة، لا يشاركه أحد فيه، ولا يقوم مقامه ولا يسدّ مسدّه، فقبلوا كل ذلك منه، وخضعوا له، وتدينوا به، وأجابوه إلى ذلك على تلك الشرائط التي تقدم ذكرها، لتعلم بمكان الاعلام والدلائل والبراهين التي انتقضت بها العادة فبهرت عقولهم، وقد كانوا من أعظم الناس نخوة وأنفة وحميّة، ثم لا تجدهم لما صحبوه واختصوا به وأجابوه حدث لهم نبوه عنه، ولا نفور منه، ولا طعن عليه في دينه/ لشيء وقفوا عليه، أو وقف عليه واقف، أو استراب فيه مريب في شيء من أحواله، لا من الرجال ولا من النساء، ولا من الخدم، ولا من الأزواج، لا في حياته ولا بعد وفاته، وأزواجه عدد كثير وهن ضرائر، وفيهن بنات أصحابه وخاصته، وفيهن بنات أعدائه.
فإن قيل: أو ليس الرافضة تدّعي أنه قد شهد بالعصمة لابن عمه عليّ ابن أبي طالب، وأنه كالأنبياء في أن الخطأ والزلل لا يجوز عليه البتة في حال من الأحوال، ولا يلحقه سهو ولا غفلة، وأنه يسدّ مسدّه ويقوم مقامه، وأنه مفزع الخلق، وكذا ولده بعده، فيهم من يقول ثلاثة، ومنهم من يقول سبعة، ومنهم من يقول اثنا عشر، ومنهم من يقول أكثر.
قيل له: إنا لم نقل أن هؤلاء ادّعوا هذا، ولا أخبرنا عنهم، وإنما أخبرنا عن شرعه ﷺ وسنته ووصاياه، لا عما يقول هؤلاء. وقد تقدم لك الأدلة على بطلان دعاويهم، وأن أصحابه كلهم من أولهم إلى آخرهم أطبقوا على ذلك قرنا بعد قرن، ثم الذين يلونهم ثم التابعين لهم، ثم الذين يلونهم في القرون والاعصار، إلى زمن هشام بن الحكم؛ فإنه ابتدع هذا القول، ثم
[ ٢ / ٥٢٨ ]
أخذ عنه الحداد، والوراق، وابن الراوندي، وأرادوا به كيد رسول الله ﷺ وإفساد دينه، وتشكيك الناس في نبوته، وأحوالهم في شدة عداوته معروفة، وقد تقدم لك بيان ذلك والبرهان عليه بما لا حاجة لك إلى إعادته.
وقد ذكر أبو عليّ ﵀ طرفا من ذلك في «التفسير» وفي «نقض الإمامة على ابن الراوندي»، وذكره غيره من العلماء. والعلماء يقولون: إن من قال: إن رسول الله ﷺ جعل مفزع الدين أرسل اليهم، واتباعه في العلم بالحلال والحرام إلى واحد، كمن قال ما أرسل إلا إلى ذلك الواحد، / ولا آمن به ولا اتبعه إلا ذلك الواحد، ولا زكّى ولا مدح إلا ذلك الواحد، ولا شهد بالجنة إلا لذلك الواحد، قالوا: وإنما تكلم من قال إن بعض أصحابه أعلم من بعض وأوعى وأحفظ، وأنه ما استخلف على أمته واحدا بعده كما استخلف أبو بكر ويدله على ذلك.
فأما من قال ذلك القول فسبيله ما ذكرنا، ونظيره ما مثلنا. وهؤلاء يدّعون أن رسول الله ﷺ بيّن عصمته وعصمة ولده، ونصّ لأمته على ذلك، وأداه لهم بحسب وجوبه على كل واحد منهم من عبد وحر، وذكر وأنثى، وحضهم على ذلك، وأن الاعلام والمعجزات كانت تظهر عليه وعلى ولده، وأنها ظاهرة إلا على إمام الزمان الذي هو معنا وحجة علينا.
وقد علم كل عاقل سمع الأخبار أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، قد ابتلى من الخلاف والتضليل والتخطئة والإكفار ما لم يبل بمثله أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، فما احتج لنفسه بأنه معصوم لا يجوز عليه الخطأ، ولا أن النبيّ نصّ عليه ووصى اليه واستخلفه، ولا بأن المعجزات ظهرت عليه مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له من يخاصم عنه في زمانه مثل الحسن والحسين، وعبد الله بن العباس، وقيس بن سعد وأبي أيوب
[ ٢ / ٥٢٩ ]
الأنصاري، وصعصعة بن صوخان، وعديّ بن حاتم، وعثمان بن حنيف، وسهل بن حنيف، وجهر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وشريح بن هاني، والأحنف بن قيس، وأبي الأسود الدؤلي، وغيرهم ممن أرسلهم إلى من خالفه من أهل البصرة، ومن أرسله إلى أهل الشام، ومن أرسله إلى الخوارج، ومن أرسله إلى أهل الكوفة يستنفرهم حين قعدوا عنه بمشورة عامله أبي موسى، وكان يجادل عنه بحضرته من كان يرد عليه من رسل معاوية، ويجادل الخوارج، لا يعرفون شيئا مما يدعيه هؤلاء بوجه من الوجوه، ولا يرجع فيما يحتج به ﵁ إلا إلى الاجماع، فيقول: وجبت طاعتي كما وجبت/ طاعة أبي بكر وعمر وعثمان، لأنه قد بايعني من بايعهم، وإنما الأمر في الإمامة إلى السابقين والبدريين من المهاجرين والأنصار، لا إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء، ويحتج بأنه من أهل الشورى التي وضعها عمر، ويحتج في التحكيم بالقياس، ويردّه إلى الاجتهاد، ويقول: قد أمر الله بإرسال الحكمين في شقاق يقع بين المرأة وزوجها وفي أرنب تصاب في الحرم قيمتها ربع درهم، فكيف بإمامة قد أشكلت على المسلمين، ويشير عليه ولده وأهله وأصحابه وخاصته الذين قدمنا ذكرهم وغيرهم، ويقولون: له: الرأي أن تفعل كذا وقد فعلت كذا ولم يكن الرأي أن تفعله، كما قال له الحسن ابنه وابن عباس حين قبل البيعة، وكما قال له قيس بن سعد في شأن مصر، وحين قال له الأحنف في شأن التحكيم، ففي آرائهم ما يأخذ به ويدع رأيه لرأيهم، ومنه ما يقيم على رأيه دون رأيهم، ويقول: هو أصوب. وإذا فعل الشيء يسأل الناس عنه، هل هو صواب أم خطأ، ويسمع منهم، ويجادلهم، ويعتذر اليهم، ويبين وجه الصواب. كما قال لبعض أصحابه لما حكّم بالشام ورجع إلى العراق فقال لخاصته: ما يقول أهل الرأي؟:
[ ٢ / ٥٣٠ ]
فقيل له: أما أهل الرأي فيقولون: إن عليا كان له بناء فهدمه، وكان له جمع ففرقه، فحتى متى يا بنى مثل ما هدم، ويجمع مثل ما فرّق، فلو أنه إذ عصاه من عصاه مضى بمن أطاعه فإما فتح وإما قتل، فكان أعذر مما صنع؛ فقال ﵁: أنا هدمت أم هم؟، أنا فرقت أم هم؟ وأما قولهم: لو مضى بمن أطاعه من أصحابه إذ عصاه من عصاه ففتح أو قتل فكان أعذر، فو الله ماغبي عليّ هذا الرأي ولا ذهب عني، ولكن كان هذان، يعني الحسن والحسين، متى حملت اتبعاني، وهذان: يعني محمد بن الحنيفية وعبد الله ابن جعفر/ بن أبي طالب يقدماني فكرهت أن يهلك هذان فلا يبقى لرسول الله ﷺ ذرية، وكرهت أن يهلك هذان فإنهما شابان ومن أجلي أقدما، وسترون إذا عدت إن شاء الله إلى الشام، لا أدع هؤلاء في عسكري.
فانظر كيف يباحث أهل الرأي ويقبل الصواب ويحمده ويبين عذره لما هو.
ولما قال له قائل بالكوفة: ذهبت إلى الشام ورجعت فلم تصنع شيئا، فيكون من جوابه، أن على الانسان أن يجتهد رأيه، ولا لائمة عليه بعد ذلك.
ولا يحتج في شيء من ذلك بنصّ، ولا حكمة، ولا عصمة، ولا آية ولا معجزة، ولا يقول: هكذا وصاني رسول الله ﷺ وقال لي: ينبغي أن تفعل كذا، ويقول لأهل الكوفة: اخترتكم على أهل البصرة وظننت أن عندكم ما أحب من الطاعة والنصرة، فقلت لابن عباس هؤلاء أشد شوكة، وهم أزالوا كسرى عن ملكه، فلم تكونوا كما ظننت.
وخطبهم مرة فقال:
ليتني لم أركم ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندما، وملأتم قلبي غيظا،
[ ٢ / ٥٣١ ]
وجرعتموني بكأس التهمام أنفاسا.
ويقول في بعض أقواله: ندمت على كذا، ويقول»
:
إني عثرت عثرة لا أجتبر سوف أكيس بعدها أو أستمر
وأجمع الرأي الشتيت المنتشر وقد قال في الجد بأقوال مختلفة، ورجع من قول إلى قول، وكذا في الخلية والبرية، وفي أمهات الأولاد، وفي غير ذلك، وهو في الاجتهاد وفي الرجوع من قول إلى قول أشهر من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وكان يستقضي ويستعمل من يخالفه في الاجتهاد والرأي، ويحكم بغير قوله، مثل ابن عباس، وشريح بن الحارث، وأبي مسعود البدري، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم. وكان الناس في سلطانه وفي بلدان ملكه/ وحيث ينفذ أمره، والبلدان التي هو فيها وفيها عماله، يفتي الناس فيها بالرأي والاجتهاد، بما يخالف اجتهاده ورأيه، مثل من كان بالكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود، ومن بالمدينة من زيد بن ثابت وغيره، ومن بالبصرة، ويعلم بذلك ويجاريهم فيه، فلا ينكره ولا يردّه، بل يسوغهم، ويصوب الأحياء ويترحم على الموتى، حين حكم أهل الكوفة في إبل ابني عم، أحدهما أخ لأم، فجعلوا أهل الكوفة المال كله للأخ للأم، فقال لهم: لم فعلتم ذلك؟ قالوا: هكذا فعل ابن مسعود، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، وكان مذهبه غير هذا، إلى ما لا يحصى كثرة.
ولقد قالت العلماء: العلم بأن النبي ﵇ ما نصّ على عليّ ولا استخلفه، ولا كان علي يدّعي النصّ والوصية والعصمة، أقوى من العلم بأنه
_________________
(١) كتب في هامش الصفحة «من قول علي بن أبي طالب ﵁» .
[ ٢ / ٥٣٢ ]
ما نصّ على عمار، ولا على بلال، ولا على أبي ذرّ، لأن عليا قد كان في زمن أبي بكر وعمر وعثمان، وبقي بعدهم خليفة وسلطانا مائة ألف سيف تطيعه وتنقاد لأمره، وقد خوصم وخولف ونوزع، وجادل وخاصم أصحابه وأهله عنه، فما احتج قط بنص ولا وصية ولا عصمة مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له أحد من أولئك.
ومن عجيب أمر هؤلاء الإمامية أنهم يقولون: إن رسول الله ﷺ قد كان عرّفه عدوّه ووليّه وما يجري عليه بعده، وأنه خرج إلى صفين وهو يعلم أنه لا يظفر بمعاوية، وأن معاوية سيرفع المصاحف، وينقض تدبيره، ويفسد عليه أصحابه، ويرده كئيبا حزينا، وأن عمرو بن العاص سيغلب صاحبه أبا موسى إذا أنفذه للحكومة، ويجعل ذلك حجة لأهل الشام. وأن عبد الرحمن ابن ملجم سيقتله في تلك الساعة، وأنه خرج اليه وهو يعلم أنه ينتظره ليقتله، وأن الحسين ﵇، وجه بابن عمه مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة ليأخذ البيعة عليهم/ وهو يعلم أنه لا يتم له أمر، وأن عدوه سيقتله، وأن أهل الكوفة لما كاتبوه بالمصير اليهم وضمنوا له النصرة فقبل كتبهم وقولهم وسار اليهم وهو يعلم أنهم لا يفون له، وأنه إذا صار اليهم ومن معه سيقتلونهم ويقتلون إخوته، ويحملون رأسه وذريته إلى الشام، وأن أمير المؤمنين استعمل مصقلة بن هبيرة الشيباني وائتمنه على كورة أردشير حرة وعلى مال بني ناحية، وهو يعلم أنه سيغدر به ويخونه ويصير إلى معاوية، وأنه استعمل زياد بن سمية الثقفي على كورة اصطخر، وهو يعرف عداوته له، وما يؤول اليه أمره من مصيره بعده إلى معاوية، وقتله لشيعته، وإظهاره للعنه، وقتل ابنه عبيد الله للحسين ﵇، وكذا خالد بن المعمر السدوسي وسائر من خانه من عماله، الذين استعملهم واختارهم فخانوه وغدروا به، وأنه استعمل قيس
[ ٢ / ٥٣٣ ]
ابن سعد على مصر، ثم أظهر تهمته وتقصيره والخوف من خيانته فعزله، مع شهامته وكفايته وأمانته وثقل وطأته على عدوه معاوية، واستعمل على مصر بدلا منه محمد بن أبي بكر الصديق، وهو يعلم أنه يقصر عن منزلة قيس، وأن معاوية سيقتله ويقتل أصحابه، وأنه بعد قتل محمد أنفذ الأشتر واليا على مصر، وهو يعلم أن صاحب القلزم سيقتله، وأنه والأئمة من ولده كانوا يعلمون ضمائر الخصوم الذين يرتفعون اليهم، ومن المحق منهم ومن المبطل، ويعرفون ضمائر الشهود والذين يشهدون عندهم، ومن هو الكاذب من الصادق.
والعلم رحمك الله إنما يحتاج إليه لاجتلاب المنافع ودفع المضار، فهذ موضع الانتفاع بتقدمة المعرفة، ولولا ذلك لكان طلب العلم جهلا، والرغبة في المعرفة عناء، والله ﷿ يقول لنبيّه: قل يا محمد: «وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ» «١» ويقول له في قوم كانوا يظهرون له الحيل فيظن ذلك بهم: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ» «٢» وقال له في آخرين ظن بهم هذا الظنّ: «وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ» إلى قوله: «هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ» «٣» وقد قال ﷺ (إنكم لتختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أحكم بالظاهر والله هو المتولي للسرائر، فمن قضيت له بشيء بغير حق فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار) وهذا باب لا يتكلف نقضه على الخصوم، وإنما ذكرناه على طريق التعجب، فإنّ من عرف أمير المؤمنين وولده ﵃، يعلم أنهم كانوا لا يعلمون ما يدعيه هؤلاء عليهم، وأنهم كانوا يعملون فيها بظنونهم
_________________
(١) الأعراف ١٨٨
(٢) البقرة ٢٠٤
(٣) المنافقون ٤
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وما يغلب على رأيهم، وهؤلاء يزعمون أنهم كانوا يقصدون ما يفسد أمرهم ويقتل نفوسهم وأحبابهم، ويشمت عدوهم، ويميت سلطانهم، ويكسر عساكرهم، ويمكن لعدوهم على علم ويقين؛ فإذا الجهال من أعدائهم الذين يعملون بالجهل والخبط، ويختارون لأنفسهم بجهلهم ونقضهم أسلم على عمالهم وأصحابهم من معاوية وبني أمية من هؤلاء العالمين المعصومين. فلو أراد مريد أن يبالغ في سبّ هؤلاء السادة صلوات الله عليهم لما بلغ منهم ما بلغ هؤلاء الذين زعموا أنهم لهم شيعة وأولياء. ولكن العلماء قالوا: إن أوائلهم أشدّ الناس عداوة لرسول الله ﷺ ولدينه ولأهل بيته، فلم يمكنهم المكاشفة بذلك، فادّعوا أنهم شيعة، وتستروا بذلك، وسبّوهم هذا السبّ، وطعنوا عليهم هذا الطعن، الذي لم يبلغه العدوّ المكاشف بعداوتهم من الحرورية وبني أمية [١] .
وكذا يقول العلوية من بني الحسن، والزيدية من بني الحسين، والقاسمية، والناصرية: الرافضة أضرّ علينا وأنكأ فينا من الحرورية وبني أمية الذين ولغوا في دمائنا.
ومما يزيدك في العجب قولهم: إن النبي ﷺ، / وأمير المؤمنين، والذين يدّعون لهم الإمامة من ولده يعرفون اللغة الفارسية والرومية والهندية والقبطية والتركية والديلمية وسائر اللغات ويتكلمون بها، ولا يجوز أن يكون في أهل هذه اللغات أحد أعلم بها منهم؛ قالوا: ويجب أن يعلموا ذلك بدليل العقل، ولو لم يعلموا ذلك لكان نقصا فيهم وهم حجج الله على خلقه، والإمام لا يترجم له ولا يحتاج إلى ترجمان إذا حضره الخصوم، ولا بد من أن يكون عالما بجميع اللغات؛ قالوا ويجب أن يعلم جميع الأقلام، ويكتب بها، ويقرأ ما كتب بها، ويخط بالأقلام كلها، ولا يجوز أن يكون أحد أكتب منهم فقد سبوهم وانتقصوهم، وأنهم قد كتبوا الكتب كلها، وكتبوا بالأقلام كلها
[ ٢ / ٥٣٥ ]
بالخطوط التي لا يكون أحسن منها، ونطقوا باللغات كلها، وأن النبي ﷺ قد كان قرأ صحف ابراهيم، وما نزل على آدم، ونوح، وموسى، وداود، وعيسى، وجميع الأنبياء، بتلك الألسن، وكتبها بتلك الأقلام.
وأنت تجده ﷺ يحتج في نبوته على عدوه حين تلا عليهم ما في كتبهم بأنه من قبل الله وعلمه، وأنه ما تلا قبله كتابا ولا خطه بيمينه إذا لارتاب المبطلون.
ويدلّ بذلك، ويستطيل على الخصوم ويقول: إن الله قد نعته ووصفه للأنبياء قبله بأنه النبي الأمي، وهؤلاء يقولون لم يكن الأمر كذلك، وزعموا أنهم يمدحونه بهذا القول وفيه تكذيبه. فتأمل ما يجلب هؤلاء على رسول الله ﷺ وعلى دينه من المكاره وهم يتجاوزون هذا إلى أن هؤلاء القوم يعلمون ما تريده السباع بعوائها، وكذا جميع الطير والبهائم، وهذا لهم مسطور، وأنت فقد علمت بدليل عقلك أن رسول الله ﷺ ما قرأ كتابا قط ولاخطه بيمينه كما تقدم ذلك، وبأي شيء تعلم أن أبا بكر وعمر وعثمان والعباس وعبد الرحمن وأمثالهم ما كانوا «١» يكتبون بهذه الأقلام ولا يحسنون هذه اللغات إلا والعلم بأن رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين والحسن والحسين ﵃ ما كانوا يحسنون ذلك أقوى وأظهر.
وأن هؤلاء ما كانوا يكتبون إلا بالعربية، وأن رسول الله ﷺ ما كان يكتب لا بالعربية ولا بغيرها من الأقلام، وهم يدّعون على رسول الله ﷺ وعلى هؤلاء الذين يدعون إمامتهم أنهم كانوا يحسنون الصنائع كلها، وأنهم أعلم الناس بها، من النجارة والخياطة والصباغة، وكل صناعة في الدنيا صغرت أو كبرت، ارتفعت أو اتضعت، وأن رسول الله ﷺ كان أعلم بالشعر من كل شاعر، وقد علم أهل المعرفة بعقولهم أنه ما كان يحسن شيئا من ذلك البتة، ولا يروي لغيره شيئا منه البتة، وأنه كان لا يقيم بيتا واحدا يرويه لغيره كما يرويه
_________________
(١) في الأصل «كان» ولعل الصواب ما أثبتناه
[ ٢ / ٥٣٦ ]
العرب والعجم، والفصيح والأعجم، ولا يستقيم له، ولا يجري على لسانه، والله ﷿ يقول: «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ» «١» فمن هذا الجنس مدائحهم لرسول الله ﷺ وأهل بيته، وهو الغاية في تكذيبه والطعن في نبوته.