فأما من بالأحساء ومصر والمغرب فما يظهر منهم من عداوته ﷺ والقصد إلى إطفاء نوره وإماتة شريعته فعظيم، وكان مما ادّعوه على المهاجرين والأنصار أنهم كانوا ممن يبغض أمير المؤمنين لقتل من قتل من المشركين، قالوا فلهذا
_________________
(١) في الأصل: «وهو أغنى بني مروان»
[ ٢ / ٥٨٢ ]
أخروه ولم يقلدوه الخلافة، قالوا ومع هذا فحسدوا بني هاشم أن يجتمع فيهم الخلافة والنبوة جميعا.
وهذا كأمثاله من الافتراء الذي لهم على المهاجرين والأنصار، فقد علمت أحوالهم وكيف أجابوا النبي ﵇ من تلقاء أنفسهم تصديقا له وإيمانا بما أتاه، وقد كان لهم بمكة وبالمدينة وبأرض الحبشة ما قد تقدم ذكره لك، ويشهد عندك ببطلان هذه الدعوى.
وبعد فقد علمت ما كان للمهاجرين والأنصار من الخوض في باب الإمامة في حياة النبي ﷺ، وفي مرضه، وبعد موته، وقبل دفنه. وفيما جرى بين أبي سفيان والعباس وبني هاشم، وفي السقيفة، وعند استخلاف عمر، وفي الشورى، وفي غير ذلك. فما ذكر ذاكر أن هذا يكرهه لأنه قتل الآباء والأبناء ولا بألا يحب أن تكون النبوة والخلافة جميعا في بني هاشم، وما نطق أحد من خلق الله بحرف من هذا ولا خطر ببالهم.
وقد دخل أمير المؤمنين ﵁ في الشورى فما أنكر أحد دخوله، ولا نفر أحد، ولا نطق أحد في ذلك بحرف، بل رضي الناس كلهم بذلك كما رضوا بغيره ممن كان في الشورى، وقد تبادر الناس اليه بعد عثمان، وأكبوا عليه ومدوا يده، فقبضها مرة بعد مرة/ وحرصوا به وأحبوا خلافته وبيعته، فما نطق أحد بحرف مما يدّعيه هؤلاء، وفي كل هذا تكذيب لدعاويهم وفريتهم. وقد علمنا أنه لم يكن له ﵁ في زمن رسول الله ﷺ ولا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان عدو من المهاجرين ولا من الأنصار، حر ولا عبد، ولا ذكر ولا أنثى، لأن ذلك لو كان كذا لظهر، ولكان العلم به كالعلم بغيره من الأمور، وكالعلم بمن قعد عنه، وكالعلم بمن عاداه من أهل الشام، وكالعلم بمن رجع عنه من أصحابه كما قد تقدم.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
وليس معاداة من عاداه بعد ذلك وبرىء منه دليلا على أنهم قد كانوا أعداءه في زمن رسول الله ﷺ وزمن أبي بكر وعمر وعثمان فقد عادى قوم عثمان ﵁ وخالفوه ونازعوه في آخر أيامه، ولا يدل هذا على أنهم كانوا عدوه في زمن رسول الله ﷺ، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادعى أن الخوارج إنما خالفوه وأكفروه لأنه قتل المشركين، ولأنه كسر الأصنام، ولأنهم كرهوا أن تكون النبوة والخلافة في بني هاشم. وكذا أهل الشام في خلافهم عليه، وهذا كله بهت واختلاط ممن ادعاه، بل الأمور التي لها ومن أجلها خالفه من خالفه من أهل الصلاة معروفة، كما أن الأمور التي لها ومن أجلها خولف عثمان معروفة.
وبعد فإن المهاجرين والأنصار، إنما كانوا يقدمون من قتل المشركين ويجلونه ويعظمونه ويعظمون من كانت وطأته على المشركين أشدّ، ولهذا جلّ عندهم من شهد بدرا والمشاهد التي كانت في قتال المشركين وقتلهم، ولم تكن منزلة غيرهم من مسلمة الفتح ومن أسلم بعد الفتح منزلتهم، وكان مما يجل به عبد الله بن مسعود ﵁ أنه احتز رأس أبي جهل/ وكان مما يجل به عمر عندهم أنه يوم بدر ما أسر أسيرا وأن كل من وقع بيده من المشركين قتله، وكان فيمن قتله العاص بن هشام وكان خاله، وطلب خاله الحارث ابن هشام فأفلت من يده، ومما كانوا يقدمونه فيه أنه يوم بدر أشار على النبيّ ﷺ بقتل الأسرى وقال له: سلم كل رجل منهم إلى أقاربه وأهل بيته فليضرب عنقه، فهم رؤوس الشرك، وهم كذبوك وأخرجوك، فسلم عقيلا إلى أخيه عليّ ليقتله، وفلانا إلى فلان، ولقتل المشركين تقدم عندهم الزبير، وأبو دجانة، وبنو عفرة، والبراء بن مالك وأمثالهم. كما قد كان يتقدم عندهم من جمع القرآن وحفظه، بل كان من كانت نكايته في المشركين
[ ٢ / ٥٨٤ ]
أشد تقدما عندهم ممن جمع القرآن وقرأه، وما دعوى من ادعى هذا إلا كمن ادعى أن المهاجرين والأنصار كانوا يبغضون عليا لقراءته القرآن ولصلاته الطويلة ولكثرة ما كان يقول لا إله إلا الله.
وقد كان هناك من المهاجرين والأنصار من قد قتل القتل الكثير غير من ذكرنا، وهم أكثر مما يحصون، وما كان هناك أحد من مسلمة الفتح ممن قتل له أمير المؤمنين قتيلا إلا أبو سفيان صخر بن حرب، فإن أمير المؤمنين قتل ابنه حنظلة يوم بدر، وأبو سفيان فهو الذي كان أشد الناس حرصا يوم مات النبي ﷺ أن تكون الخلافة في بني عبد مناف، وأن يكون عليّ بن أبي طالب هو الخليفة دون أبي بكر وقد تقدم لك ذكر ذلك.
فأما المهاجرون والأنصار والسابقون فهم كانوا يتولون قتل أحبابهم وأهليهم، ولقد برز أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة إلى أبيه يوم بدر ليقتله فمنعه النبي ﷺ من ذلك، وقال له: دعه يقتله غيرك، فقتل أبوه وعمه وأخوه وابن أخيه وغير واحد/ من أهله وهو صابر راض يشكر الله على ذلك وبما وهبه الله لرسوله من النصر، وهذا من أولاد سادات قريش ومن أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة، وكم مثله فيهم ﵃.
فإن قالوا: وما حرص أبي سفيان أن تكون الخلافة في عليّ؟ قلنا: لأنه من رهطه وبني عمه فأحب أن تكون الخلافة في بني عبد مناف، وكذا أحب العباس وخالد بن سعيد بن العاص، وغير هؤلاء من بني هاشم. غير أن خالد ابن سعيد لم يكن من مسلمة الفتح بل كان ممن أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة وإلى المدينة، وقد تقدم لك ذكر إسلامه، فتعلم بطلان دعاويهم من كل وجه.
فإن قالوا: فإنا لا نصدق أن أبا سفيان حرص في أن تكون في عليّ دون
[ ٢ / ٥٨٥ ]
أبي بكر، قلنا: لا فرق بين من ادّعى هذا فيه أو في العباس، وأنه جرى بينه وبينه في ذلك قول ولا خوض ولا مراجعة، ولا فرق بين من أنكر هذا أو أنكر السقيفة والشورى، ويمثل ما علمت أنه لم يكن لعلي ولا لعثمان في المهاجرين عدوّ ولا مخالف منهم ولا من غيرهم، تعلم أنه لم يكن لأبي بكر ولا لعمر ولا لأولئك السابقين عدو من المهاجرين ولا من الأنصار ولا من بني هاشم ولا من أحد من الصحابة ولا من السابقين ولا من سائر المسلمين إلى أن حدث من أمر هشام بن الحكم وأمثاله ما حدث، فاعرف ذلك فإنه لو كان يعرف الناس الحال فيه كما عرفوه في غيره مما قد تقدم ذكره من شأن من خالف على عثمان وعليّ وعاداهما، وما كان من شأن سعد بن عبادة فإن من ادّعى هذا كمن ادعى أنه قد كان في زمن رسول الله ﷺ وزمن أبي بكر رافضة وخوارج لتتأكد لك المعرفة من كل وجه ببطلان دعاوى هؤلاء على القوم/ الخلاف يوم موت رسول الله ﷺ إلى غير ذلك من دعاويهم. وقد تقدمت لك أدلة العقول قبل أدلة القرآن بمحبة النبيّ ﷺ لهؤلاء، وأنه قد فرض محبتهم على الأولين والآخرين من أمته.
فأما دعوى عبد الله بن سبأ وأصحابه فلم تكن من دعوى هشام بن الحكم بسبيل، إنما كان في التفضيل، ثم كان من إنكار أمير المؤمنين ما هو مذكور ثم خرجوا إلى ما خرجوا إليه هؤلاء، وما هم من المهاجرين ولا الأنصار ولا من التابعين، ولا يعرفون بشيء من الخبر البتة.
وقد تقدم لك شدة تمسك المهاجرين والأنصار بدين رسول الله ﷺ وحفظ شريعته بعده، ولقد خرجوا إلى حرب مسيلمة وأهل الردة مبادرين للإنكار عليهم من مخالفة رسول الله ﷺ، لا يملكون أنفسهم
[ ٢ / ٥٨٦ ]
غضبا على من خالفه أو خرج من دينه حتى يقول الأخ منهم لأخيه والوالد لولده إذا قال أحدهما لصاحبه أقم أنت حتى أخرج أنا، فيقول الآخر: أنا أريد من الشهادة والجهاد مثل ما تريد، فيودعون الأهل والأحباب ويقولون لعلنا لا نرجع إليكم، ولا يلوون على شيء من الدنيا. ولقد التقوا مع مسيلمة فانكشفوا، فقالوا عوّدنا الاعراب الفرار، ما هكذا كنا نقاتل مع النبيّ ﷺ، وقالوا لخالد بن الوليد وهو أميرهم أخلصنا بعدونا فأخلصهم، وحفروا الحفائر وثبتوا فيها يقاتلون إلى أن ظفروا، وقتل مسيلمة وقتل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حذيفة، وثابت بن قيس، وزيد بن الخطاب، وغيرهم من المهاجرين والأنصار نحو أربعمائة، فيهم من حفّاظ القرآن سبعين رجلا، وفيهم ممن شهد له النبيّ ﵇ بالجنة وأنه يقتل شهيدا، وهذا من آياته وكلهم قتل في طاعة أبي بكر.
ولأجل هذه القضية وهذا الزحف اجتمع الصحابة/ إلى أبي بكر وقالوا له: اجمع القرآن في مصحف واحد ليناله كل أحد، فقد قتل في هذا الزحف خلق كثير ممن حفظ القرآن، ولا نأمن زحفا مثله يقتل فيه آخرون ممن قد جمع القرآن، فيذهب منه أو يضيع، وهؤلاء ما يملكون أنفسهم، ولا يصبرون عن الجهاد ولا عن الموت في طاعة الله، [وللموت في طاعة الله] «١» أحب إليهم من الحياة، أفعلى هؤلاء يدّعى أنهم كانوا يعادون من قتل المشركين، أو أنهم تغيروا بعد نبيهم.
ولقد انطلق أبو الجهم بن حذيفة العدوي يوم اليرموك يطلب ابن عم له ومعه شيء فيه ماء، فإن كان به رمق سقاه ومسح بالماء على وجهه. فأتاه فقال له: أسقيك؟ فما كان به طرف يتكلم، فأشار أي نعم، فإذا صوت
_________________
(١) زيادة مني على الأصل اقتضاها السياق
[ ٢ / ٥٨٧ ]
رجل يقول: أوّه، فأشار ابن عمه إليه أن انطلق إليه واسقه، فأتاه فإذا هو هشام بن العاص بن وائل السهمي، فقال له: أسقيك؟ فسمع آخر يقول:
أوّه وما بهشام طرف يتكلم فأشار هشام أن انطلق إليه، فجاءه فإذا هو قد مات، فرجع إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم أتى ابن عمه فإذا هو قد مات.
وكم مثل هذا لو أخذت أذكره لطال ذلك، وأنت تجدها في أماكنها.
وهؤلاء هم الذين كانوا أعداء رسول الله ﷺ في أول أمره حين دعا إلى الله ﷿ وأولاد أعدائه.
وانظر إلى مسلمة الفتح. فهذا الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وعباس بن أبي ربيعة، فإنهم هجروا الأوطان، وفارقوا الأهلين، ورفضوا الأموال، وأقاموا على الجهاد، حتى أسعدهم الله بالشهادة، وأوجب لهم الكرامة.
ولقد استلحموا، وجلت عنهم المعركة وقد أصابهم أشد العطش من حر السلاح، فمد الحارث يده يستسقي، ومد عكرمة يده، فقال الحارث:
اسق عكرمة، فمد عياش يده فقال عكرمة: اسق عياشا/ فلم يصل إلى أحد منهم حتى مات الآخر مما كان بهم من الطعن والضرب وحرّ الحديد، فكيف يتوهم على هؤلاء الحقد والضغن، وهل شيء يؤمن من ذلك إلا وقد كان معهم؟ وهؤلاء قد قتل رسول الله ﷺ أباهم وأبناءهم وإخوانهم وآذوه وحاربوه قبل إسلامهم، فلما أسلموا أخلصوا، وكان هؤلاء وأمثالهم أشد الناس على أهل الردة وعلى جميع أعدائه ﷺ.
ومثلهم سهيل بن عمرو، والمهاجر بن أبي أمية، وعتاب بن أسيد، وجبير ابن مطعم، فهؤلاء من ردّ الردة، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، وقتل أهل ردة عمان، ورجال أسد وغطفان، وما قنعوا بقتلهم حتى أحرقوهم
[ ٢ / ٥٨٨ ]
بالنار غضبا لرسول الله وحمية لدينه، وهم كانوا أشد الناس عليه، ولكن لما أسلموا زال ذلك كله، وأخلصوا أشد الاخلاص. وهؤلاء وأمثالهم قد كانوا عرفوا الحق فمنعهم من الدخول في الاسلام الحمية وحب الرئاسة، وقد كانوا علموا أن رسول الله ﷺ لا يقدمهم على الفقراء والموالي الذين سبقوا إلى الاسلام كما قد تقدم ذكر ذلك لك، فلما قهرهم الحق وجاء الفتح أسلموا، وكانت نفوسهم أبية يأنفون من النفاق والفسق والغيبة، فأسلموا وهذه أخلاقهم فأخلصوا ونصحوا.
وقد تقدم لك ما قاله الحارث بن هشام حين خرج من مكة مهاجرا في سبيل الله، ولهذا المعنى قال أبو جهل لابن مسعود حين أكب عليه ليجهز عليه: ألست رويعيا بتهامة، لقد ركبت مركبا صعبا. وقد تقدم لك للاسباب نزول قوله ﷿: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» .
ولقد ذكر سهيل بن عمرو، أن الحمية والأنفة وحب الرئاسة مما منعهم من الدخول في الاسلام، وكان يقول: وأبو سفيان يعرف من هذا/ الحق ما أعرف، ولكنّ حسد بني عبد المطلب قد ختم على قلبه. وقد كان أبو سفيان يتحدث بمثل ذلك فيقول: خرجت وأمية بن أبي الصلت الثقفي، وطليق بن سفيان بن أمية تجارا إلى الشام «١»، وكان أمية بن الصلت يأتي النصارى ويسمع من علمائهم، فقال لي: هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتب تسأله عما بدا لك؟ قلت: لا أرب لي به، والله لئن حدثني ما أحب
_________________
(١) كلمة سفيان ليست واضحة في الأصل
[ ٢ / ٥٨٩ ]
لا أثق به، ولئن حدثني ما أكره لأوجلن منه. فأقام عندهم أمية ثم رجع كئيبا حزينا، فلما سرنا قال لي [: هي عن عتبة بن ربيعة يجتنب المحارم والمظالم، قلت إي والله، قال ويصل الرحم ويأمر بصلتها، قلن نعم، قال ومحوج، قلت نعم، قال فهل تعلم قرشيا أشرف منه، قلت لا والله ما أعلم، قال:
كم أتى له قلت: سبعون هو لها هو ابنها] «١» . قلت: وأنت قائل شيئا فقله، قال: والله لا تذكر حديثي حتى تأتي منه ما هو آت، قلت لا أذكره، قال: إني جئت هذا العالم فسألته عن أشياء، فأخبرني عن نبيّ من العرب منتظر، وأنه من أهل بيت يحجه العرب، قال:
قلت فينا بيت تحجه العرب، قال: لا، هو من إخوانكم وجيرانكم قريش، قال: فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط، فكنت أرجو أن أكون أنا هو، قلت فإذا كان ما كان فصفه لي، قال: شابّ، حين دخل في الكهولة بدأ أمره، إنه يجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج، ليس بذارع الشرف، كريم الطرفين في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة. قال: قلت: ما آية ذلك؟ قال: قد رجف الشام منذ هلك عيسى ثمانين رجفة كلها فيه مصيبة عامة وبقيت رجفة عامة فيها مصيبة، نخرج على أثرها. قال أبو سفيان: قلت: إن هذا والله هو الباطل، لئن بعث الله رسولا/ إلا شريفا مسنا، قال: ثم رحلنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة ليلتان، أدركنا راكب من خلفنا فسألناه فإذا هو يقول: أصابت الشام رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصيبة عظيمة، قال أمية: كيف ترى يا أبا سفيان؟ قلت: والله ما أظن صاحبك إلا صادقا.
وقدمنا مكة فتفضيت مما كان معي، ثم انطلقت حتى جئت أرض الحبشة
_________________
(١) الكلام بين القوسين غير منسجم إذا اتصل مع ما قبله وما بعده، ولذا وضعته بين قوسين على أن الكلام مستمر بين كلمة: سرنا وكلمة: قلت.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
تاجرا فكمثت بها خمسة أشهر ثم أقبلت حتى قدمت مكة، فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلمون علي حتى جاءني آخرهم محمد بن عبد الله وعندي هند جالسة تلاعب صبية لها، فسلم عليّ ورحّب بي وسألني عن سفري ومقدمي ثم انطلق، فقلت: والله إن هذا الفتى للعجب، ما جاءني أحد من قريش له معي بضاعة إلا سألني عنها، وما بلغت، والله إن له معه لبضاعة ما هو بأغناهم عنها ثم ما سألني عنها، فقالت هند أو ما علمت شأنه؟ قلت: وفزعت: ما شأنه؟ قالت: والله إنه ليزعم أنه رسول الله.
فذكرت قول النصارى، ووجمت، حتى قالت لي: مالك؟ فانتهيت، فقلت: إن هذا والله لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا، قالت بلى والله إنه ليقول، وإن له لصحابة على أمره معه، قال: قلت: هذا الباطل فخرجت؛ فبينما أطوف إذ لقيته فقلت: إن بضاعتك قد بلغت وكان وكان فيها خير، فأرسل اليها فخذها، ولست آخذ فيها ما آخذ من قومك. قال: فاني غير آخذها حتى تأخذ مني ما تأخذه من قومي، قال: قلت: ما أنا بفاعل، قال: فو الله لا آخذها، فأرسلت إليها وأخذت منها ما كنت آخذه من غيره، وبعثت إليه ببضاعته.
ولم ألبث أن خرجت تاجرا إلى اليمن، فقدمت الطائف، فنزلت على أمية فتغديت معه، / ثم قلت: يا أبا عثمان، هل تذكر حديث النصراني؟ قال:
أذكره، قلت فقد كان قال: ومن هو، قلت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
ثم قصصت عليه خبر هند، قال فالله يعلم أنه تصبب عرقا، ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله قال. ومضيت إلى اليمن فلم ألبث أن جاءني هناك استهلاله، فأقبلت حتى قدمت الطائف، فنزلت على أمية، قلت: قد كان من أمر هذا الرجل ما قد بلغك وسمعت، قال: قد كان، قلت: فأين أنت؟ قال:
[ ٢ / ٥٩١ ]
والله ما كنت لأومن لرسول ليس من ثقيف، قال: وأقبلت إلى مكة فوجدته هو وأصحابه يضربون ويقهرون، فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟
ودخلني ما دخل الناس من التعاسة.
ولهذا نظائر من حديثهم، وقد كان معاوية يتحدث به في زمن ملكه وسلطانه، ويتحدث به عنه مروان بن الحكم، ويتحارون الأسباب التي أبطأت بهم عن الهجرة من الأنفة والرجال الذين كانوا يصدون عن ذلك من بني أمية، مثل عقبة بن أبي معيط، ومثل الحكم بن أبي العاص، ومثل أبي سفيان من بني أمية، ومن كان كذلك من بني مخزوم، وما كان يلحق من أسلم منهم من الأذى من هؤلاء.
كما كان يتحدث بذلك سهيل بن عمرو، وعمرو بن العاص، وغيرهم، ويذكر بعضهم بعضا في حياة النبيّ ﵇ وبعد وفاته وبعد مضي الخلفاء الراشدين، فتعلم بصائر مسلمة الفتح والذين أبطؤوا عن رسول الله ﷺ، وإذا تأملت وجدت لبني أمية، وبني مخزوم من المهاجرين منهم، ومن مسلمة الفتح آثارا كثيرة عظيمة في نصرة الاسلام في حياة رسول الله ﷺ، والذي لهم بعد وفاته أعظم. ولم يكن الخلاف الذي كان بين أولئك القوم وبين أمير المؤمنين ﵁ لشك في النبوة ولا لضعف/ بصائر هم فيها، لأن ذلك لو كان لبان كما قدمنا الدلالة على ذلك، لأنه لا يمكن أن تقول إن عبد الله ابن وهب الراسبي وأصحابه من الخوارج إنما خالفوا أمير المؤمنين وأكفروه وقاتلوه لبغضهم لرسول الله ولا لشكهم في نبوته، وقد كانت لهم عبادة وقراءة القرآن وصوم وأمور كثيرة حسنة، جميلة، يطول تفصيلها، غير أنهم أحبطوا ذلك كله. بمخالفتهم لأمير المؤمنين.
وكذلك معاوية، قد استعمله رسول الله ﷺ، واستعمله غير واحد من
[ ٢ / ٥٩٢ ]
الخلفاء بعده على ثغور الروم، فضبطها وفتح الفتوح وغزا معه في تلك المغازي خلق كثير من المهاجرين والأنصار والبدريين وكانت فيه عفة عن أموالهم.
وكان عمر ﵁ كثير التصفح لأحوال العمال والاستبدال بهم، فما وجد عليه ولا استبدل به، فلما مضى عثمان فكان من أمر معاوية ما كان من الخلاف على أمير المؤمنين ﵁ انصرف عنه البدريون، وصاروا في حملة أمير المؤمنين، ولم يبق معه منهم أحد من البدريين خاصة، وأقام على خلاف أمير المؤمنين فأحبط عمله وضل ضلالا بعيدا. فليس أحد من هؤلاء خالف أمير المؤمنين لشكه في النبوة، ومع هذا فما سار أمير المؤمنين في قتال هؤلاء سيرة من شك في النبوة، ولا أخرجهم من أن يكونوا من أهل الصلاة وأهل القبلة، وما زاد على تضليلهم.
وقد دعا عبد الله بن الزبير إلى نفسه بأمرة المؤمنين، وأقام على حرب بني أمية تسع سنين وتفانوا بالقتل، وقتل بنو أمية آل الزبير وأفنوهم وصلبوهم ولم يكن ذاك لشك من أحد الفريقين، في النبوة والعجب أن عبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه أكفروا أمير المؤمنين فما أكفرهم هو ولا زاد على تضليلهم/ وكذا سار القراء والتابعون الذين قاموا مع ابن الاشعث وأنكروا شأن عبد الملك والحجاج، فإنما أنكروا فسقهم وجورهم لا أن أحد الفريقين شك في النبوة، ومثل هذا كثير فاعرفه، فإن قوما قد دخلوا بين الناس وألقوا إليهم مثل هذا لشدة عداوتهم للنبي ﷺ، حتى قالوا في العباس ابن عبد المطلب انه كان عدوا لرسول الله ﷺ، وأن رسول الله ﷺ كان يمقته، وكان اذا سلم عليه لا يرد عليه ويقول له: لعنك الله ولعن أبا لهب، وأنه لم يكن من بني هاشم ولا ولد عبد المطلب، وأنه لتلك العداوة التي كانت في نفسه صارت في ولده، فلهذا قتل أبو جعفر المنصور من ولد أبي طالب من قتل، وكذا غيره من بين العباس.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وأهل المعرفة يعلمون أن رسول الله ﷺ كان يعظمه ويجله ويقول فيه:
ما كان لي أن أرفع صوتي بحضرة عمي ويجعله بما لا يتهيأ له إحصاء لطوله في هذا الموضع، وقد كان أمير المؤمنين يجلّه ويعظمه ويقدمه ولا يقطع أمرا دونه، وكان ولده هم خاصة أمير المؤمنين وبطانته، وخلفاء على رعيته كما هو معلوم.
وكذا كان ولده ﵇ مع ولد العباس بعده، وكلمتهم واحدة، إلى أن وقع الخلاف بين عبد الله بن حسن بن حسن وبين أبي جعفر، وراموا أخذ الأمر منه وانتشبت العداوة منذ ذاك بينهم، «١» لا لشك في النبوة ولا لعداوة قديمة كانت بين رسول الله ﷺ وبين أبيهم، ولا بين عليّ والعباس، وها أنت تجد بني العباس يثب بعضهم ببعض، ويقتل بعضهم بعضا، يقتل الأخ أخاه والعم ابن أخيه، أتراها لعداوة في الأصل أو في الآباء والأجداد، وتجد من ولد أبي طالب مثل ذلك، ألا ترى إلى من بطبرستان وبلاد الديلم منهم كيف/ يثب بعضهم ببعض، ويقاتل بعضهم بعضا، وكذا من منهم بصعدة من أرض اليمن، وكذا من منهم بالعراق، يقتتلون في الرئاسة لا لعداوة كانت في الآباء والأجداد، وإنما أكثرنا من ذكر هذا وشبهه وما تعلق بالامامة لأن أكثر الملحدة من هذا الباب يدخلون في خديعة المسلمين وإفسادهم في الدين.
وقد تقدم لك ذكر أوائلهم.